مليونية "30 يونيو".. السودان عازم على تبديد ظلام الإخوان


٢٨ يونيو ٢٠٢٠

كتب - حسام عيد

منذ أن أسقط نظام "عمر البشير"، والسودان في تغير دائم نحو رسم مستقبل مشرق وأفضل، وها هو مجددًا الشعب، يدعو لمسيرة مليونية في الـ30 من يونيو الجاري، لتأييد ودعم الحكومة الانتقالية، واستكمال مهام الثورة، وأيضًا التأكيد على هدف تنقية المشهد العام في البلاد من أزلام النظام السابق وتبديد كل ما هو إخواني.

وعلى الفور، فزع الجيش لتأمين تلك التظاهرات السلمية المرتقبة، وإبعاد أي أذى عن أبناء الشعب، وبدأت بالفعل الخرطوم تتحسب للأسوأ في ظل بروز مؤشرات على مخطط تعده مجموعات إخوانية بهدف تسلق المسيرة وتغيير مسارها السلمي واستخدام العنف لخلق فوضى أمنية تتيح لهم العودة إلى السلطة مجددا.

ولدى السلطة الانتقالية معلومات دقيقة عن نية استغلال أعوان النظام السابق للتظاهرات وإخراجها عن أهدافها المعلنة لصالح الانخراط في أعمال تخريب وعنف لإحداث تغيير في النظام السياسي بالقوة، وهو ما ترتب عليه صدور قرارات صارمة أعلنتها اللجنة الأمنية في الخرطوم، وهناك مناطق يجري استغلالها لانطلاق تظاهرات فلول البشير، تم تأمينها بشكل كامل.

وتحمل 30 يونيو ذكرى مليونية خرجت بذات اليوم في 2019 لمناصرة الحكم المدني ومؤازرة أسر الشهداء، دفعت المجلس العسكري للتفاوض مع قوى الحرية والتغيير، فتوصلا لاتفاق سياسي تقاسما على إثره السُلطة في فترة انتقالية مدتها 39 شهر، كما يحمل نفس التاريخ ذكرى الانقلاب العسكري الذي قاد البشير إلى سُدة الحُكم 1989.

مليونية استكمال مطالب الثورة السودانية

وفي وقت سابق من يونيو الجاري، دعا تجمع المهنيين السودانيين (أحد أبرز مكونات الحراك الشعبي الاحتجاجي)، إلى تنظيم مليونية في 30 يونيو الجاري، باسم "تصحيح المسار"، لاستكمال مطالب الثورة السودانية التي أطاحت بالرئيس عمر البشير.

وهذا ما أكده عضو مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان، عقب تسلمه مذكرة مطلبية من تنسيقيات لجان المقاومة في 30 يونيو الجاري.

وتابع: "المواكب (المظاهرات) في 30 يونيو توضح قوة الشعب، وقوة الثورة وحيويتها وتجددها، وقدرة الشارع السوداني على فرض إرادته وأجندته، وتذكير الحكام الذين أتوا إلى المناصب بدماء عزيزة وغالية".

وزاد: "نحن لسنا بحكام، وإنما جئنا بتفويض وفقًا لقوى الثورة، وندرك جسامة هذه المسؤولية، وندرك العهد الذي بيننا وبين قوى الثورة التي على رأسها أسر الشهداء والمفقودين والجرحى".

وشملت مذكرة تنسيقيات لجان المقاومة، إنجاز السلام العادل والشامل، الإعلان عن نظام الحكم اللامركزي الفيدرالي، وتحقيق العدالة الانتقالية والجنائية للقتلة وضحايا الحروب والنزاعات والانتهاكات، والإصلاح العاجل والشامل للأجهزة العدلية والقضائية للوصول لدولة القانون.

وتتمثل مطالب وأهداف مسيرة 30 يونيو 2020 في إنجاز الآتي:

- الإسراع في تفكيك التمكين الإخواني واستعادة الأموال المنهوبة، وتقديم كل الذين ارتكبوا جرائم حرب وضد الانسانية للمحاكمات.

- وتقديم البشير ومن معه للجنايات الدولية.

- تحقيق السلام بالحل الشامل والعادل الذي يخاطب جذور المشكلة.

- تمكين المرأة والشباب وتوفير فرص العمل للعاطلين.

- إصلاح النظام المصرفي، ولجم تجارة العملة وتحكم بنك السودان في تحديد قيمتها.

- تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وسيطرة الدولة علي التجارة الخارجية، واستيراد السلع الأساسية للتحكم في أسعارها، و علي الذهب والبترول وشركات المحاصيل النقدية، وتغيير العملة، وضم شركات القوات النظامية للمالية وتفرغها لحماية الوطن، وتأهيل قطاع النقل، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي لتقوية الجنيه السوداني، وتوفير خدمات التعليم والصحة والدواء وخدمات المياه والكهرباء.

خطة أمنية محكمة لإحباط مخططات الإخوان

وفيما أظهرت بيانات ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تهديدات مباشرة من مجموعات إخوانية للحكومة والثوار، أكد عدد من الناشطين قدرتهم على التحكم في المسار السلمي للمسيرة، وتفويت الفرصة على عناصر الإخوان.

ويتوقع أن يدلي رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بخطاب إلى السودانيين يوضح فيه كيفية تلبية مطالب المحتجين المتمثلة في الإسراع في محاكمات المتورطين في الانتهاكات التي صاحبت فض الاعتصام واستكمال هياكل السُلطة.

وقالت مصادر شرطية موثوقة: إن قوات الشرطة والجهات العدلية ضبطت خلايا تابعة للإسلاميين تخطط لأعمال عنف في مليونية 30 يونيو.

وقد أكد يوسف آدم الضي والي ولاية الخرطوم رئيس لجنة تنسيق أمن الولاية، اتخاذ كافة الترتيبات لتأمين المسيرة حتى  تخرج بسلمية تامة.

وقال: إن اللجنة وضعت خطة  أمنية محكمة شملت عدة محاور أكدت من خلالها على التنسيق التام بين كافة الأجهزة الأمنية والنظامية.

وشدد على جاهزية القوات الأمنية من حيث  توفر المعلومات عن مخططات "المتربصين والمندسين" الذين يخططون لجر المسيرة الى هاوية التخريب والفوضى.

وشملت الخطة قفل الأسواق التجارية، وكافة الجسور الرابطة بين مدن العاصمة الخرطوم الثلاث لمدة 48 ساعة (29 و30 يونيو).

وسخر ناشطون سياسيون من محاولات المجموعات الإخوانية الرامية لتسلق قطار الثورة. وقال الناشط السياسي محمد ابراهيم قرض ردا على مطالبة الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي باستقالة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك قبل المسيرة.

وقال قرض إن المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني هما وجهان لمنظومة الإخوان التي ثار ضدها الشعب السوداني، لذلك لا يحق لأيا منهما الحديث عن الثورة السودانية ومسيراتها السلمية.

وأبدى قرض استغرابه من حديث بشير آدم رحمة، مستهجنًا عدم فهمه لمقاصد مسيرة الشباب التي تهدف لدعم حكومة حمدوك وليس إقالتها.

وطالب قرض المؤتمر الشعبي وجميع مكونات تنظيم الإخوان بالاعتراف بفشلهم وفسادهم طوال الأعوام الثلاثين الماضية وترك الشعب السوداني ليقرر مستقبله.

وتقطع الناشطة السياسية سارة سعد بأن أي محاولة من قبل فلول الإخوان لإخراج المسيرة من محتواها ومسارها المقصود ستكون فاشلة لأن شباب الثورة ظلوا يقدمون نموذجا مختلفًا أذهل العالم وغير صورة السودان الدموية التي رسمها الإخوان إلى الأبد، مشيرة إلى أن الإخوان لم يستطيعوا حتى الآن فهم قوة الشعب السوداني وثورته.

وتشير سعد إلى أن مليونية ٣٠ يونيو تعتبر امتداد لثورة ديسمبر المجيدة وتهدف لدعم مسار الحكومة الانتقالية وتحقيق أهداف الثورة من حرية وسلام وعدالة.

إزالة تمكين الإخوان.. مطلب استراتيجي

فيما يتمثل تحقيق أهداف ثورة ديسمبر 2018 والمضي قدمًا في بناء سودان جديد بإزالة سياسة التمكين وتفكيك نحو 200 مؤسسة سياسية وأكثر من 350 شركة تجارية أسسها نظام الإخوان في عهد عمر البشير للسيطرة على اقتصاد البلاد ومجاله السياسي.

فاستعادة مئات المليارات من الدولارات المنهوبة من مال الشعب، وتنظيف الخدمة المدنية من الكوادر الإخوانية غير المؤهلة، سيدعم الجهود الرامية إلى إخراج الاقتصاد السوداني من كبوته الحالية.

وتعد المشكلات الأمنية التي شهدتها البلاد، والتدهور الكبير في قيمة العملة الوطنية، هي جزء من الثورة المضادة التي يقودها أفراد الإخوان الذين يسيطرون على معظم مفاصل الدولة، مستفيدين من سياسة التمكين التي ظلوا ينفذونها منذ سيطرتهم على الحكم في منتصف عام 1989.

بينما لم يكن صدور قرار بحل حزب المؤتمر الوطني لوجود واجهات كثيرة صنعها النظام السابق، فكان لا بد من صدور قانون بحل كل الأذرع التي صنعها النظام لتعبيد الطريق نحو الحرية والسلام والعدالة.

كما يعد التمكين الاقتصادي هو أخطر أنواع التمكين، فأعوان النظام السابق ممسكون بمفاصل كل العملية الاقتصادية من صادر ووارد في قطاعات الزراعة والتعدين والبنوك والجمارك وتجارة العملة بصورة رسمية وغير رسمية.

لذلك يعتبر البطء في إزالة التمكين، مسؤولًا عن الارتباك الاقتصادي الذي تشهده البلاد حاليًا. ولا بديل عن الإسراع نحو تحقيق هذا المطلب الحيوي والاستراتيجي للشعب والبلاد كافة.

لا يفهم إخوان السودان إذًا وإلى اليوم، أن الحِراك الأخير في سودان الثورة، هو حراك ضد الحكم الإسلامي، وأن التجربة تجاوزتهم، وأنه ليس ثمة دور يمكن أن يلعبوه في هذا التغيير، وبالتالي يلزمهم الصمت وتَركِ التجربة لفاعلين مدنيين آخرين، يمكنهم أن يصلوا بالسودان لنموذج آخر غير الذي وصل إليه بفعل الإسلاميين.

بناء سودان ديمقراطي مستقر بالمنطقة

بينما جاء مؤتمر "شركاء السودان" الذي عقد في برلين يوم الخميس الموافق 25 يونيو، برعاية من ألمانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إلى جانب السودان، والنجاح الكبير الذي لقيه، وما وفره من دعم مالي للسودان قدر بحوالى مليار و800 مليون دولار، يعتبر دعماً معنوياً كبيراً لحكومة الثورة للمرحلة الانتقالية برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك.

لقد لعب مؤتمر برلين دوراً كبيراً في تعزيز الثقة بحكومة الثورة في المرحلة الانتقالية، في الوقت الذي سيشهد السودان بعد يومين تجديداً لذكرى مليونية قيامة الشعب.

وكانت هذه المليونية قد أكدت للعالم أجمع بأن قدرة الشعب السوداني على الثورة وعلى أهدافها السياسية بعيداً من العنف.

بكل تأكيد، سيصب هذا الدعم المالي لمؤتمر برلين في تحقيق انفراج مهم للضائقة التي تعاني منها حكومة الثورة، وهي حكومة ورثت خراباً عظيماً للنظام السابق؛ ما سيعطي مزيداً من الأمل في تجديد قوى الثورة لزخمها وتماسكها من خلال الحاضنة السياسية للحكومة ممثلةً في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير.



اضف تعليق