بعد 170 عاما.. الجزائر تستعيد رفات قادة المقاومة عشية ذكرى الاستقلال


٠٤ يوليه ٢٠٢٠

كتبت – ولاء عدلان

قبل أيام من الذكرى الثامنة والخمسين لاستقلالها، استعادت الجزائر رفات 24 من شهداء قادة المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي، والتي كانت محفوظة لأكثر من 170 عاما في متحف الإنسان في باريس، وشكلت على مدار سنوات طويلة واحدا من الملفات الشائكة في العلاقات الجزائرية الفرنسية.

ظهر أمس حطّت طائرة عسكرية جزائرية في مطار هواري بومدين تحمل على متنها رفات 24 من قادة المقاومة الشعبية،  وكان في مقدمة مستقبليها الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، حيث تم استقبال الرفات في مشهد مهيب وقراءة الفاتحة على أرواحهم بحضور وكبار المسؤولين في الدولة، ومن ثم تم نقلها في عرض عسكري إلى قصر الثقافة "مفدي زكريا".

اعتبارا من الثامنة صباحا بالتوقيت المحلي الجزائري، بدأ اليوم توافد المواطنين والمواطنات إلى بهو قصر الثقافة لإلقاء النظرة الأخيرة على رفات شهداء المقاومة، وذلك بدعوة من وزارة المجاهدين، ومن المقرر أن تستمر مراسم التوديع حتى السادسة من مساء اليوم.

وبحسب ما هو معلن سيتم دفن رفات الشهداء غدا الأحد، في ساحة الشهداء بمقبرة العالية في العاصمة، بحضور رئيس الجمهورية، وضمن مراسم عسكرية.

معركة الذاكرة الوطنية
في القرن التاسع عشر، نُقلت رفات 37 من مقاتلي المقاومة الجزائرية إلى فرنسا وعُرضت لاحقا في متحف الإنسان في باريس، لتشكل فيما بعد ما يعرف بأزمة الذاكرة الوطنية بين الجزائر وباريس، لكن يبدو أن هذه الأزمة وجدت مخرجا يعتمد بشكل أساسي على شخص الرئيس إيمانويل ماكرون الذي يؤكد دائما أنه ليس رهينة للتاريخ.

وخلال زيارة ماكرون للجزائر في ديسمبر 2017 أبدى استعداد بلاده لتسليم رفات شهداء المقاومة الجزائرية، وقبل هذا التاريخ بعام تقريبا كانت وزارة المجاهدين الجزائرية، بالفعل قد بدأت مفاوضات دامت لنحو 48 شهرا مع الجانب الفرنسي لاستعادة جماجم الشهداء من متحف الإنسان في باريس.

وفي 2017 أعدت الوزارة بالتعاون مع وزارة الشؤون الخارجية طلبا رسميا لاسترجاع جماجم الشهداء، لتثمر كل هذه الجهود عن حدث أمس التاريخي بعودة 24 من رفات الشهداء.

يقدر بعض المؤرخين عدد رفات المقاومين الجزائريين الموجودة لدى فرنسا بأكثر من 600 بينهم 37 قائدا شعبيا، قتلوا خلال السنوات الأولى للاستعمار الفرنسي الذي دام لنحو 132 عاما، ومن بين هؤلاء القادة محمد الأمجد بن عبدالمالك "الشريف بوبغلة"، والذي قتل في ديسمبر 1854، ومختار بن قويدر التيطراوي، وعيسى الحمادي، ومحمد بن علال بن مبارك مساعد الأمير عبدالقادر الجزائري.

المؤرخ الجزائري علي فريد بلقاضي كان أول من فجر قضية رفات المقاومين الجزائريين، عندما اكتشفها صدفة عام 2011 أثناء زيارة لمتحف الإنسان في باريس، وحاول جمع توقيعات شعبية للضغط على الحكومة الفرنسية لإعادة الرفات إلى الجزائر، إلا أنه فشل في مسعاه، لتعود القضية إلى الضوء بقوة عام 2016 من خلال الباحث الجزائري إبراهيم سنونسي وعدد من الناشطين الحقوقيين بفرنسا، وبفضل جمعهم لآلاف التوقيعات ونشرها بصحف فرنسية شهيرة كـ"لوموند"، وصلت القضية إلى أروقة الإليزيه وتحركت السلطات الجزائرية للضغط باتجاه استعادة الرفات لدفنها بشكل يليق بما قدمه الشهداء من تضحيات من أجل استقلال الجزائر.

الآن وبعد 170 عاما من الاحتجاز خلف زجاج متحف باريس للتاريخ الطبيعي سيحصل 24 من قادة المقاومة الجزائرية على حقهم الطبيعي في الدفن بشكل يليق بتاريخهم وتضحياتهم.

اعتراف معنوي
منذ توقيع مرسوم استقلال الجزائر عن فرنسا عام 1962 وإعلان الخامس من يوليو تاريخا لعيد الاستقلال، ظلت العديد من الملفات الشائكة تحديدا ملفات الذاكرة الوطنية والأرشيف الوطني عالقة بين البلدين، حتى أن فرنسا ما زالت تتهرب من الاعتراف بالجرائم التي ارتكبها جنودها في حق الشعب الجزائري، بل والأدهى من ذلك أنها لم تعترف بثورة التحرير الجزائرية أو حرب الجزائر -التي استمرت لنحو 7 أعوام وانتهت بالاستقلال- إلا في عام 2000، وكانت تكتفي بالإشارة إليها بعنوان أحداث الجزائر، ونذكر في 2018 عندما صرح ماكرون بأن الاحتلال الفرنسي للجزائر كان جريمة ضد الإنسانية قامت الدنيا في باريس ولم تقعد.

أمام هذا تأتي عودة رفات قادة المقاومة إلى الجزائر عشية عيد الاستقلال، كخطوة رمزية تحمل اعترافا معنويا من باريس، بجرائمها الاستعمارية، إذ تعتبر السلطات الجزائرية أن الجانب الفرنسي لا تتوفر لديه إدارة كافية لطي ملفات الذاكرة الوطنية، بحسب ما صرح  عبدالمجيد شيخي، مستشارا الرئيس الجزائري المكلف بملفي الأرشيف الوطني والذاكرة الوطنية.

وقال شيخي: إن بلاده لن تتراجع عن مطالبتها باستعادة كامل أرشيفها الذي رحلته فرنسا، مضيفا أن جيل اليوم وكل الأجيال التي ستتعاقب ستظل متمسكة بمطلب استرجاع كل الأرشيف الوطني الذي يؤرخ لعدة حقب من تاريخنا، ذلك على الرغم من العراقيل التي تضعها باريس.

وأوضح أن فرنسا وضعت في عام 2006 قانونا يقضي بإدراج الأرشيف  الموجود بحوزتها كجزء من الأملاك العمومية التي  لا يتم التنازل عنها بأي حال من الأحوال، كما قامت بإعادة توزيع الرصيد الجزائري من الأرشيف المتواجد لديها على مراكز أخرى دون علم الجزائر.

وأشار إلى أن كل القوانين والتشريعات الدولية تنص بوضوح على أن الأرشيف ملك الأرض التي كتب فيها، لافتا إلى أن مسألة استراجاع الأرشيف الوطني الجزائري ستكون ضمن ملفات النقاش على طاولة اجتماع "اللجنة الكبرى الجزائرية-الفرنسية" المقرر هذا الشهر.

يذكر أن لدى الفرنسيين تخوف بأن تفتح الاستجابة لمطالب الجزائر بشأن إعادة جماجم شهداء المقاومة والأرشيف الوطني كاملا، الأبواب أمام الدول الأخرى التي استعمرتها في الماضي لتطالب بالأمر نفسه، ما قد يفضي في نهاية المطاف إلى إفراغ المتاحف الفرنسية من أغلب محتوياتها.


 



اضف تعليق