هل نعي حقًا أهمية الإصلاح الديني؟


٠٦ يوليه ٢٠٢٠

بنده يوسف

  ربما السؤال الأقرب هل نفهم حقًا معنى الإصلاح الديني؟، فالفهم الذي يدور في أذهاننا حتى الآن هو مجرد عملية ترميم انتقائية ومؤقتة، مثلًا: لو يحدث تفجير في كنيسة، تطلب السلطات من الإعلام والمنابر الدينية مراعاة الخطاب الديني تجاه الديانة المسيحية ويبدأ الحديث اللحظي عن أخوة الوطن، هذا ليس افتراء بل نشاهده مرارًا داخل بلادنا العربية، وفي وطن كمصر تراجعت فيه مفاهيم أخوة الوطن والمصير والإيمان بالدين كثيرًا مقارنة بحالة التجانس المجتمعي في مرحلة ما قبل تأسيس الجمهورية.

والواضح أن دعاة الإصلاح الديني من المسؤولين مثلهم مثل دعاة التنوير من المثقفين السطحيين مجرد دعوة وتقليد وخطاب جديد دون وعي بالكيفية والهدف.

فعندما ننظر إلى أفكار رائد علم الاجتماع الألماني "ماكس فيبر"، التي استقاها من واقع عملي تطبيقي، ندرك أهمية الإصلاح الديني؛ فحسب مؤلفاته: حققت أوروبا نهضتها بالإصلاح الديني أولًا وليس بالثورة الصناعية فحسب كما نعتقد نحن، فهناك علاقة طردية تحققت بين البروتستانت والنهضة، فالبروتستانت هم الإصلاحيون المحتجون على واقع الفساد الديني وأينما انتشروا كانت تنتشر معهم النهضة وحركة التقدم في أوروبا.

- إذن لا حديث عن النهضة قبل الحديث عن الإصلاح الديني خاصة في مثل مجتمعاتنا التي يستبد بها الفكر الديني، والمسؤولية تقع على عاتق الجميع فلم يعد الإصلاح الديني ومواجهة التيارات المتطرفة ترفا، في وقت تثير فيه الأخيرة الفوضى، وتنتهك الحرمات، وتسيل الدماء التي عصمها الشرع.

وبأي طريقة كنا نفكر سواء كنا مثاليين أو ماديين، فواقع بعض أفكارنا الدينية لا يبعث إلا على الخراب والكراهية، وواقعنا المادي يدفع إلى نفس الفعل.

لذلك السؤال الذي لطالما نهرب من الإجابة عليه، هو: من أين جاء الدواعش؟، فنحن دائما نعلق المشكلة على الآخر وخصوم المنطقة العربية؛ بينما في الحقيقة حتى لو أنهم ساهموا في تشكيل داعش، إلا أن بنية هذا الفكر ومواد بنائه تشكلت من ثقافتنا وتكويننا، ومن يقتلنا ويدمر حضارتنا هم أبناؤنا لا أبناء الغرب.

مسؤولية الأزهر

  التجارب تثبت أن المؤسسة الدينية الرسمية إن لم تسارع خطواتها تجاه الإصلاح بشكل أبعد من فكرة الترميم، فلتستعد لفكرة الثورة عليها أو خروج الأمر من يديها، فليس من المعقول أن تتحدث مؤسسة الأزهر الشريف عن الإصلاح الديني، وهناك من يفسد هذه الدعوة؛ باستمرار اعتلاء أصحاب الفكر المتطرف منابر الخطابة، والواقع الفعلي يثبت صحة ذلك وإن خرجت التصريحات تؤكد على سيطرة الرقابة على هذه المسألة.

ففي الوقت الذي تبارك فيه رموز الإرهاب القتلَ والإجرام صراحة، كما ظهر فيما سمي "نداء الكنانة"، أصبح من الواجب الملح على الأزهر الشريف فضح هؤلاء وتفنيد انحرافهم العقدي والسلوكي، وليس الدخول في صراعات جانبية حول جنس الملائكة، وملاحقة بعض المفكرين، أو الدخول في نزاعات مذهبية بغيضة في وقت حساس.

فلطالما كان الأزهر من دعاة الإسلام الوسطي والوحدة الإسلامية، وهو تاريخيا ضد التطرف والعنف والتكفير، وينبغي له الاستجابة لدعوة الرئيس السيسي الإصلاحية، ففيها إنقاذ للوطن والدين.

والأزهر سلاحه الفكر والكلمة، وهو ما يجب أن يستخدمه ضد التكفيريين، ونظرًا لموقعه ودوره التاريخي الريادي، يجب أن يقود مواقف علماء الأمة من كل البلدان والمذاهب في هذه المهمة العظمى، التي سيسأل الجميع عنها أمام الله تعالى.

المعركة ليست مع الأزهر، بل يجب هو من يقود معركة الإصلاح وليس أن يتركها لشخصيات ليست أهلًا لها، كما يظهر لنا كل يوم من مناوشات مع شخصيات تستغل مسألة الإصلاح سلاحًا لهدف الهدم وليس البناء.

فمشاركة الأزهر الشريف في ثورة 30 يونيو، تعني أنه أدرك خطورة ما كانت تقدم عليه الدولة المصرية حيث دخلت مصر في نفق الدولة الطائفية بخضوعها لهيمنة جماعة دينية مغلقة الرؤية، ترى أن الإصلاح يأتي من دائرة الجماعة وليس من دائرة المشاركة والنسيج الواحد للدولة.

فمن أهم إنجازات هذه الثورة هو القضاء على المناخ المسموم الذي حاول الإخوان إشاعته في مصر، من استهداف منظم للمسيحيين والشيعة، كما حصل لدى إحراق الكنائس، وسحل الشيخ حسن شحاته، في مشهد غريب عن الطبيعة المصرية المتسامحة.

قطع الطريق على الفتنة

يعد التطرف من أقوى وسائل تمزيق المجتمع، فحتى لو هيمن الفكر المتطرف على المجتمع كله فلن يخلق نسيجًا واحدًا، وغياب الإصلاح الديني يفتح الطريق على التطرف وتمزيق المجتمع وتلاعب القوى الخارجية بمكوناته عن طريق الاستقطاب، فلا غرابة إن تلاعبت قوى خارجية بالمكون الشيعي أو السني أو المسيحي في مجتمع عربي، طالما هناك حالة من التطرف والتشدد في الخطاب الديني تصل إلى درجة تمزيق المجتمع إلى كيانات طائفية، وإسقاط مفهوم المواطنة والحقوق الواحدة.

وبالنسبة لمصر والإقليم العربي فهناك حاجة شديدة إلى رص الصفوف بوجه الإرهاب، الذي لا يفرق بين جندي ومدني، ولا بين سني في تونس ولا شيعي في الكويت.

ينبغي أن نرفض جميعا كل أشكال الكراهية والتكفير والتحريض، فالمستمع الذي يعبأ اليوم بهما، سيتحول غدًا إلى إرهابي يفجر نفسه بكمين عسكري أو منشأة مدنية أو مسجد أو كنيسة.

والاختلاف في الأديان والمذاهب سنة الحياة، ويجب أن يكون سببًا في التعارف والتعايش، والتعاون على المشتركات وهي الأكثر والأهم، على قاعدة وحدة الإيمان وعلوّ قيمة الوطن والإنسان.

فالعدو المشترك لكافة الأديان هم أولئك المحرضون المتطرفون، الذين يتلطون وراء الدين وهو منهم براء، سواء كانوا دواعش قتلة في سيناء أو الكويت يدعون تمثيل المسلمين السنة، أو شيوخ كراهية وتكفير في لندن يدعون تمثيل المسلمين الشيعة تحت رعاية أعداء الأمة.

لا نلوم إلا أنفسنا

  إننا في مصر إن لم نفهم أهمية ومفهوم الإصلاح الديني على نحو صحيح، ونتحمل المسؤولية تجاه مجتمعنا، فلا نلوم إلا أنفسنا، فما يجري في سوريا والعراق لا يرجع إلى عبث قوى خارجية أو استبداد سلطة سياسية فحسب وإنما هناك أرضية مجتمعية مفتتة بسبب التطرف الديني والخطاب الطائفي، وهذه الأرضية مستعدة لأي عملية استقطاب أو اختراق خارجي وهو الوتر الذي يلعب عليه المتربصون بالوطن، فانتشار التطرف والتكفير فتح الباب لتدمير سوريا والعراق، وأخذ العبرة مما جرى فيهما ضروري لحماية مصرنا من الفوضى.

فلا يجب أن يزيح كل طرف منا المسئولية إلى عاتق الآخر، حتى نجد أنفسنا في النهاية نقوم بما خطط لها أعداؤنا ونسلم بلدنا للتطرف الذي ما زال يختبأ في مناهج دراستنا وخطابنا الديني، والمسؤولية على الأزهر الشريف أكبر؛ لأنه الأولى بقيادة الإصلاح والتصدي للفكر المتطرف وتشخيص منابعه ومبادئه بشكل صريح دون تقديم المصالح السياسية على المصلحة الأشمل للأمة. والمسؤولية على مصر أيضًا أكبر لأنها الدولة العربية صاحبة الرؤية والنظرة الأوسع ولديها تاريخ من الوعي بخطورة الطائفية ونظرتها الضيقة.

نهاية القول، لا حديث عن أي تنمية أو قدرة على مواجهة التطرف، وهناك خطاب متناقض، وجه منه يكافح التطرف والطائفية وآخر يعزز تمزيق الوطن إلى أشلاء طائفية داخل حتى المكون الواحد.


اضف تعليق