غسان كنفاني.. "لا تمت قبل أن تكون ندًّا"


٠٨ يوليه ٢٠٢٠

رؤية - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة - "لا تمت قبل أن تكن ندًّا" كتبها الأديب الفلسطيني غسان كنفاني في أدبياته قبل أن يستشهد في عملية اغتيال دبرها جهاز الموساد التابعة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن زرع 9 كغم من المتفجرات شديدة الانفجار في سيارته، لتنفجر خلال صعوده إليها في العاصمة اللبنانية بيروت في الثامن من تموز عام 1972.



وخلال عمر أدبي قصير اختزل كنفاني في رواياته 18 كتابًا بين الأعمال القصصية والمسرحية والبحثية، إضافة إلى المئات من المقالات الموقعة باسمه أو الموقعة بأسماء مستعارة كأبو العز أو فارس الفارس، معاناة التشرد والنكبة، ومعاني الكفاح في سبيل القضية والتحرر.

أدبيات غسان ومواقفه تنتشر أكثر وأكثر كلما مر وقت أكثر على استشهاده، وهو ما دفع موقع "فايسبوك" (الذي تعاهد من كيان الاحتلال على ملاحقة كل ما يتضامن مع القضية الفلسطينية)، قبل أشهر إلى حجب صفحة "غسان كنفاني القضية" التي أنشئت قبل عشر سنوات.

الصفحة التي حشدت نحو 300 ألف متابع، كان عدد من الشبان من الضفة الغربية، ونابلس ولبنان، قاموا بإطلاقها تخليداً لإرث الأديب الشهيد غسان كنفاني، لتحجب من دون سابق إنذار، من قبل الموقع الأزرق، بعدما راكمت طيلة هذه السنوات، مخزوناً واسعاً من إنتاجات كنفاني الأدبية والصحافية، إلى جانب كنوز أخرى تعود لكبار الأدباء الفلسطينيين والعرب.

والمعلوم أن فايسبوك حجب خلال العام الماضي، أكثر من 500 حساب فلسطيني في خطوة تضييق وحظر للمحتوى الفلسطيني وجميع الصفحات التي تنتهج سياسات مناهضة للإحتلال الإسرائيلي، وقد أطلقت خلال الأشهر الماضية، حملات إلكترونية ناشطة تضيء على ممارسات فايسبوك وانتهاكاته فيما يخص حرية الرأي والتعبير على المساحات الافتراضية للفلسطينيين.

غسان الذي قالت فيه رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير، بعد قتله "باغتياله تخلصنا من كتيبة دبابات والآلاف من المخربين" عصي على النسيان، بل وحتى تزداد الأجيال الشابة اقتناعا بأفكاره وأدبياته التي كان يدعو إليها، خاصة في هذه الأوقات التي تهدد فيها إسرائيل بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة، وهو ما يفسر الانتشار الواسع للمقابلة الشهيرة له مع أحد الصحفيين الأمريكان، حول المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي.

لم يكن كنفاني أديبا فقط، انضم إلى حركة القوميين العرب وكتب في المجلات التي كانت تصدرها في دمشق والكويت، وبعد عام 1969 ازداد نشاطه السياسي فأصبح عضوا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد عرف عنه أنه لم يكن منضبطا في العمل الحزبي أو يشارك في الاجتماعات لكن دوره السياسي كان أساسيا، فقد ساهم في وضع الاستراتيجية السياسية والبيان التأسيسي للجبهة الذي أكد على أهمية العمل الفدائي والكفاح المسلح.

وفي سبتمبر/أيلول 1970 أجبرت مجموعة من الجبهة الشعبية ثلاث طائرات على الهبوط في مطار دوسن فيلد العسكري بمنطقة صحراوية في الأردن كانت سابقا قاعدة جوية بريطانية وقامت باحتجاز 310 رهائن للمطالبة بإطلاق صراح ليلى خالد والمعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل، وقد كان كنفاني في واجهة الحدث كونه المتحدث باسم الجبهة الشعبية حينها.

ومع بداية السبعينيات كانت بيروت بؤرة للحركات التحررية العالمية، وكانت لكنفاني علاقات شخصية بالثوريين العالميين في تلك الفترة.

كنفاني هو أول مَن عرّف العرب بشعراء المقاومة في فلسطين الـ48، وأول مَن حوّل المأساة الفلسطينية إلى أدب حقيقي، بلا نواح ولا عنتريات، وأوّل من قدّم الفلسطيني كعربيٍ متصل لا منفصل، مبدعاً ومناضلاً وملتاعاً بالحب ومنتجاً وأنيقاً.

قبل هذا وبعده، وربما بسبب هذا كله، كنفاني هو صاحب الصرخة التي أيقظت الفلسطيني لكي يقرع جدران الخزّان؛ كان المشردون الفلسطينيون الهاربون من جحيم المخيمات والفقر والتهميش يتسللون إلى ديار الهجرة النفطية، بحثاً عن مستقبل فردي. ثلاثة منهم اختبأوا في خزان شاحنة، ماتوا من الاختناق والحر على الحدود الكويتية، ولم يقرعوا الخزّان. مفهوم، بالطبع، أن الإنسان ـ بغريزة البقاء اللعينة ـ قد يقبل أي مذلّة، وقد يتحمّل أي هوان، وأي أذى، مهما يكن، لكي يبقى على قيد الحياة، لكن اللامفهوم، اللامنطقي، اللاغريزي، أن يقبل الإنسان الموت، مجاناً، فلا يصرخ طالباً النجدة.


اضف تعليق