فرقة رضا.. الفلكلور الشعبي يتحدث عن الهوية المصرية رقصا


١٢ يوليه ٢٠٢٠

أماني ربيع

رغم كون الرقص كفنّ، أمر مستهجن لدى كثير من المصريين، لكن الفنان الراحل محمود رضا استطاع بكثير من الموهبة والإتقان أن يغير هذه النظرة إلى حد كبير، لقد حول الرقص من تمايلات لإثارة الغرائز إلى فن حقيقي تمتد جذوره إلى الحضارة المصرية القديمة، وهو ما ظهر جليا في أشهر أفلامه السينمائية "غرام في الكرنك" الذي ارتبط لدى المصريين بالتابلوهات الراقصة الشهير على أنغام صوت محمد العزبي وموسيقى علي إسماعيل المليئة بالحيوية.



شباب وفتيات في مقتبل العمر، يحركهم الإيقاع في خطوات راقصة، بينما وجوههم تلمع بالضحك وتنبض بالحياة، كانت لملامح رقصات "فرقة رضا"، نهجا ربما لا يبدو في ليونة وحيوية رقصات بوليود ولا استعراضات مسارح بروداوي، فالتكنيك هنا إيقاعي ناعم وبسيط جدا، يذكرك بالرسومات الموجودة على جداريات مقابر المصريين القدماء، يبدو هذا جليا عندما تقوم بإيقاف الحركة عند كادر معين، ستجد نفس البساطة والاستقامة في الحركات كأن الراقصين مرسومين فعلا.

نجح الراحل محمود رضا في خلق تجانس مذهل بين التركيبة المتنوعة للشخصية المصرية من شمالها لجنوبها وشرقها إلى غربها، مرح الوجه البحري، وخفة الساحل الإسكندراني، وقوة الصعيد، وجمال النوبة، وحيوية البدوي، كل هذا من خلال الموسيقى والحركات الراقصة التي جعلت الراقصين أشبه بفراشات ترقص حول النور، وكان وجود معبد الكرنك في الخلفية يحدثنا أن الهوية المصرية بمرور الزمن قادرة على استيعاب الكثير والكثير من التغييرات، لكن يظل الأصل قوي وحاضر وراسخ.

ما قدمه خلال مسيرته من فرقة رضا لم يكن مجرد رقص، بل كان تعبيرا بديعا عن تركيبة الشخصية المصرية.



حزن كبير خيم على المصريين بعد إعلان وفاته يوم 10 يوليو، فقد ارتبطت أغاني فرقته الاستعراضية بالآذان، ودخلت القلوب دون استئذان، ربما هذا لعشقه لعمله وتفانيه، فيه، هذا التفاني الذي كان يظهر على وجهه، حيث كان وجهه يرتدي قناعا صارما خلال الرقص يعبر عن الجدية التي يتعامل بها مع الفن الذي يقدمه.

ولد في 11 نوفمبر 1930 في محافظة القاهرة، كان ثامن إخوته العشرة، ورغم العدد الكبير استطاع أن يثبت نجاحا منذ بداياتاه، مارس الرياضة من سباحة إلى غطس ثم جمباز، ووقع في غرام الرقص الإيقاعي الذي تعلمه على يد شقيقه الأكبر محمود رضا.

لم يكن "غرام في الكرنك" أول أعماله، فقد ظهر كراقص في أفلام سينمائية أخرى عام 1949 منها: "نور عيوني" و"أحبك أنت" و"بابا أمين" وغيرها.

ورغم عشقه للرقص إلا أنه أكمل تعليمه الجامعي، ليتخرج من كلية التجارة بجامعة القاهرة عام 1954، بعدها سافر مع فرقة أرجنتينية إلى روما، وفي إحدى المرات رقص في أحد المطاعم أمام الملك فاروق بعد نفيه.

أسس مع شقيقه علي وزوجة شقيقه الفنانة فريدة فهمي فرقة رضا عام 1959، وكان عدد أعضائها عند التأسيس 13 راقصة و13 راقصا و13 عازفا، وكلهم من خريجي الجامعات.



لإبداع التابلوهات الراقصة التي أثرى بها الرقص وحوله إلى فن شعبي حقيقي يعبر عن الهوية الشعبية، طاف أنحاء مصر من الريف إلى الصعيد إلى المدن الساحلية ليستطيع أن يعبر عن طبيعة كل هذه المناطق بالموسيقى والرقص.

في عام 1961 تم تأميم الفرقة وأصبحت تابعة للدولة، وانتقلت عروضها عام 1962 إلى مسرح متروبول، ونجحت الفرقة نجاحا كبيرا بعد التعاون مع الموسيقار علي إسماعيل الذي أعاد توزيع أعمال الفرقة، ولحن أشهر الأوبريتات الاستعراضية الخاصة بها.

خلدت السينما أعمال فرقة رضا عبر 3 أفلام هي "غرام في الكرنك" وهو أشهرها، و"إجازة نصف السنة" و"حرامي الورقة".

ارتبط محمود رضا وفريدة فهمي كثنائي فني على المسرح أمام الجمهور، وهو ما دفع الجميع لوقت طويل إلى الاعتقاد بأنهما زوجان، لكن الحقيقة أنه كان زوجا لأختها خديجة التي توفيت بعد الزواج بسنوات قليلة، بينما تزوجت هي شقيقه الأكبر علي، ثم تزوج هو من السيدة اليوغسلافية روزا والدة الفنانة شيرين رضا.

ظلت فرقة رضا لسنوات واجهة لمصر في مهرجانات الفنون الشعبية حول العالم، ونجحت نجاحا كبيرا في التعبير عن الفولكلور المصري بشكل عصري جذاب، وكان أحب الألقاب لقلبه هو "فنان الشعب".
 


اضف تعليق