أمن أوروبا وأفريقيا من أمن ليبيا


١٤ يوليه ٢٠٢٠

رؤية - جاسم محمد

إن تلويح الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على أردوغان، أصبحت تمثل ورقة غير فاعلة أمام خروقات أردوغان إلى أمن أوروبا وأفريقيا وخروقاته إلى القانون الدولي، بنقل الأسلحة والجماعات المتطرفة إلى ليبيا. أردوغان لم يعد مهتما بتلك التحذيرات الأوروبية التي لن تمنعه أبدا من المضي في سياساته التوسعية من داخل الأراضي الليبية، باعتماده سياسات أمر الواقع، أمام "تراخي أوروبي"، وهذا يعني أنه لا يمكن التعويل كثيرا على اجتماعات الاتحاد الأوروبي التي عادة لم تاتي بجديد وعادة نمطية بالفعل، تعكس مقولة"القارة العجوز".

أبدى الاتحاد الأوروبي يوم 03 يوليو 2020 قلقه واستياءه حيال سلوكيات تركيا، وباشر النظر في خياراته لإرغام أنقرة على احترام التزاماتها الدولي لكن رده سيبقى محدوداً خشية أزمة هجرة جديدة في حال قررت أنقرة فتح حدودها المغلقة مع أوروبا منذ اتفاق عام 2016. وأقر وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل بأنه لم يكن ممكناً إيجاد موقف مشترك من أنقرة خلال أول اجتماع لوزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل منذ أربعة أشهر.

الموقف الفرنسي يتقدم على بقية دول أوروبا

اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم 13 يوليو 2020 أنّه من الأهمية بمكان أن تضع أوروبا يدها، بشكل مباشر، على الملفّات الجيوسياسية في منطقة البحر المتوسط كي يكون مصيرها بين يديها وليس بين أيدي "قوى أخرى"، في اتّهام مبطّن إلى تركيا وروسيا. وشدّد ماكرون على أنّ وضع "سياسة أوروبية حقيقية للبحر الأبيض المتوسط" هو أمر "ضروري وملحّ".

وأكدت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي، أن فرنسا تدين جميع انتهاكات حظر الأسلحة في ليبيا، أينما كان مصدرها وبدون تمييز، وأشارت إلى أن تركيا تجلب عددًا كبيرًا من المرتزقة السوريين إلى البلاد، مشيرة إلى توثيق كل ذلك بدقة لدى الأمم المتحدة. وأكد وزير الخارجية الألمانية، هايكو ماس، في كلمة أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي، أن "سلوك تركيا على الصعيد الإقليمي غير مقبول". إلا أن ماس اعتبر أنه "يجب مواصلة الحوار مع تركيا لأهميتها الاستراتيجية"، شارحاً أن "تركيا تضطلع بدور كبير في ملف الهجرة وتفصل بيننا وبين داعش".

ما زال الاتحاد الأوروبي يعاني من التراجع والتراخي في مواقفه، أمام خروقات أردوغان إلى اتفاق برلين حول ليبيا يناير 2020، وتهديد أردوغان لأمن أوروبا من حلال شرقي البحر المتوسط والسواحل الليبية.

النتائج

 - رغم الانتقادات الموجهة في وقت سابق إلى دول الاتحاد بهذا التراخي، والذي كان سبب وراء تمادي أردوغان في سياساته التوسعية في دول أوروبا، فإن اجتماعات الاتحاد الأوروبي على مستوى مجلس أوروبا أو وزراء الخارجية أو الداخلية، ما زال يتمحور في دائرة "التلويح بالعقوبات" دون اتخاذ أي خطوة جديدة، وهذا ما يجعل أردوغان "يتنمر اكثر" في سياساته ضد الاتحاد الأوروبي.

ـ الرئيس الفرنسي ماكرون،أول من أستشعر مخاطر سياسات أردوغان، وقالها: "إن أستقرار امن أوروبا ودول الساحل مرتبط في أمن ليبيا". ماكرون يدرك جيدا، تحركات أردوغان العسكرية والسياسية في ليبيا، هي تهديد مباشر إلى المصالح الفرنسية والأوروبية، لكن المشكلة أن دولا أخرى ما زالت تعتقد هناك حل سياسي مع أردوغان أبرزها ألمانيا.

لماذا هذا التراخي الأوروبي، أمام أردوغان، هل أوروبا بالفعل غير قادرة على حماية حدودها وضبطها، أمام موجات الهجرة؟

- لقد نجحت أوروبا كثيرا بمسك حدودها الخارجية واتخذت التدابير من خلال وكالة "فرونتكس"، وتسيير السفن في البحر المتوسط، وفرض الرقابة، والإحصائيات تقول هناك بالفعل تراجع في أعداد الهجرة إلى أوروبا، وما يبرهن ذلك هو فشل أردوغان عندما فتح الحدود التركية خلال شهر مارس 2020 أمام موجات المهاجرين غير الشرعين ليكونوا عند الحدود اليونانية. دول أوروبا أبرزها هنغاريا والنمسا أغلقت مسارات الهجرة البرية وفرضت الرقابة وشيدت أسيجة.

ـ- المشكلة التي تعاني منها دول أوروبا هي أكبر من موجات الهجرة غير الشرعية واكبر من تصدير تركيا إلى "الجهاديين" الأمر يتعلق بــ"ثقافة أوروبا" وسياساتها التقليدية، وضعف قدرة أوروبا عسكريا، هناك إجماع، لدى المعنيين الشؤون السياسية والأمنية، أنه لا يوجد موقف سياسي حازم، دون وجود وجود عسكري واقتصادي داعم. فما زالت أوروبا لا تريد أن تكشف عن عيوبها في مجال قدرتها العسكرية واتخاذ السياسات الأكثر حزما في مواجهة "شريك" مشاكس داخل الناتو.

- يبقى عامل الأمن الداخلي إلى بعض دول أوروبا الذي تحتل فيها الجالية التركية الأغلبية مثل ألمانيا، حيث تشعر تلك الدول، بأن أردوغان يمكن أن يحرك الجالية التركية في الداخل بتسيير التظاهرات مثلا أو القيام بأعمال شغب وعنف من شأنها أن تستنزف أمن ألمانيا وبعض دول أوروبا. التقارير كشفت أن الاستخبارات التركية لها أكثر من شبكة عمل داخل ألمانيا وأوروبا، يمكن أن تنشط من داخل أوروبا لزعزعة الأمن والاستقرار من داخل أوروبا، وليس من المستبعد أن هذا العامل أحد الأسباب وراء الموقف الألماني وبعض دول أوروبا، أكثر من ورقة الهجرة.

- إن كانت هناك دولة يجب أن يكون لها دور حازم ضد خروقات أردوغان، هي ألمانيا كونها الآن مسؤولة المجلس الأوروبي، وتترأس مجلس الأمن، وهي من أطلقت مؤتمر برلين الدولي حول ليبيا، التراخي في الموقف الأوروبي، مرتبط هذه المرة في الموقف الألماني، التقليدي، ليؤكد أن ألمانيا غير قادرة على أن تلعب دورا كبيرا في قضايا الشرق الأوسط وقضايا دولية.

- تبقى فرنسا هي الأكثر اندفاعا أو "تحسبا" إلى مخاطر سياسات أردوغان، ورغم العلاقات الجيدة بين باريس وبرلين، المحور الألماني الفرنسي، يبدو ألمانيا سوف تتخلف عن فرنسا في مواجهة تحديات سياسات أردوغان وخروقاته إلى القوانين الدولية وتهديده للأمن الدولي.

- من المتوقع أن تبقى قرارات الاتحاد الأوروبي، نمطية وتقليدية، ولا نتوقع أن يصدر جديد منها، أمام استمرار أردوغان في سياساته، في ليبيا ودول المنطقة.

ما تحتاجه دول أوروبا هو تعاون وتنسيق أكثر مع دول جزار ليبيا خاصة والدول العربية الفاعلة في المشهد الليبي، من أجل الحد من مخاطر التوسع التركي.



اضف تعليق