عندما تقرع أجراس الحسم.. القاهرة وأنقرة على طرفي نقيض


١٤ يوليه ٢٠٢٠

كتبت - علياء عصام الدين

في ظل التطورات الأخيرة في الأزمة الليبية، والإصرار التركي على انتهاك الأراضي الليبية والتدخل في الشأن الداخلي، لن تستطيع مصر أن تقف في دور المتفرج ولن تتمكن أيضًا من تجنب الدخول في صدام مباشر مع أنقرة مهما حاولت تفاديه، كما أن تركيا لن تتمكن من تجنب المواجهة رغم محاولتها للمراوغة والالتفاف والهروب من الأبواب الخلفية وتصدير المرتزقة في المشهد.

لقد وضعت الدولة المصرية الحرب على الإرهاب في مقدمة أولوياتها، ولا طريق للتهاون أو التراجع، فلم تكن تتهاون مع الدول التي تحتضن أو تتورط مع المتطرفين، في المقابل وضعت تركيا كل طاقاتها لدعم الإرهاب والإرهابيين في المنطقة العربية فكانوا في مقدمة وسائلها التي تسخرها لبسط نفوذها في المنطقة.

القاهرة وأنقرة إذن على طرفي نقيض في غالبية القضايا الدولية والإقليمية ولا مجال للتصالح أو التفاهم أو الوقوف على نقاط مشتركة وفكرة التقارب بينهما غير واردة بل تعد مستحيلة في ضوء التطورات الأخيرة فضلًا عن اتساع الفجوة والمسافات السياسية بين الدولتين .

فبعد كسر أنقرة للخطوط الأخيرة وتهديدها المباشر يبدو أن الحرب الباردة لن تستمر كثيرًا، وسوف تدخل مرحلة أكثر حرارة توشك أن تقترب لتكون أكثر احتدامًا لاسيما بعد أن ناشد البرلمان الليبي القوات المسلحة المصرية التدخل لحماية الأمن القومي الليبي والمصري المشترك من خطر الأتراك.

إن صعوبة تقديم تنازلات من كلا الطرفين سيؤدي للوصول إلى نقطة الانفجار لكن على طريقة البادئ أظلم فقد طالت عهود المهادنة المصرية في مقابل التبجح والتحجر التركي.

وعن احترام المجتمع الدولي يبدو الاختلاف بين الدولتين ظاهرًا فبينما تقيم مصر وزنًا للمجتمع الدولي وتراعي احترام قوانينه ولا تميل للغطرسة والمجازفات وتفتقد الرغبة في الهيمنة والتحكم بمفاصل المنطقة عنوة، لا تنفك تركيا في العمل بعيدًا عن التوازنات الدولية وكأنها بلا ضابط ولا رابط.

كثيرة هي نقاط الاختلاف التي تجعل التلاقي بين مصر وتركيا مستحيلة، فالأولى تسعى بقيادة حكيمة للحفاظ على أمنها القومي وأمن المنطقة ومحاربة الإرهاب لتصبح رقمًا محوريًا في تبني السياسات المنضبطة البعيدة عن الهيمنة والتدخل في شؤون الغير، بينما تريد أنقرة فرض سلطتها بالقوة وبكل الأدوات الممكنة وغير الممكنة دون الالتفات للطرق الدبلوماسية والسياسات والمصالح المتشعبة.

في الوقت الذي تريد فيه مصر الحد من التطرف ووقف التنظيمات الإرهابية الخارجة عن القانون في المنطقة وتخوض حربًا ضارية ضد الإرهاب في الداخل وتطارده في الخارج، تشجع تركيا على احتضان الإرهاب وتوفر الملاذ الآمن لجماعاته وتمولهم بالعتاد والعدة، كما أنها نجحت في تحويلهم إلى مرتزقة لتحقيق طموحاتها التوسعية في المنطقة وجذب العديد من المنتمين لتيار الإسلام السياسي في كثير من دول الجوار إلى صفها .

طريقة التعاطي التركي مع الملفات التي تتقاطع مع مصالح مصر لم تعد تصلح معها الحرب الباردة وأضحت تحتاج إلى قدر أكبر من الحسم فلا بد أن يكون هناك رابح سياسي فلا وجود لمنطق التعايش ولا سبيل لقبول أحدهم للآخر مع اتساع التناقضات بينهما واختلاف السبل المنتهجة فإحداهما تميل إلى الفصل بالليونة والثانية تمعن في اللجوء إلى الاستفزاز.

وستشكل المواجهة الوشيكة بين الطرفين إلى تحديد شكل موازين القوى في المنطقة، فهي معركة بين تيارين لكل منهما رؤية مختلفة للعالم ولقضاياه المحورية وقد خرجت هذه الأفكار من سياق المعارك التقليدية بعد تراكمات عديدة لتصبح أقرب للفصل على أرض الواقع بالضربة القاضية.

فبعد تريث مصر اللافت بدأت القاهرة تتخلى تدريجيًا في الآونة الأخيرة عن سياسة التهدئة وأظهرت للعيان جاهزيتها العسكرية لمقابلة أنقرة وذيولها على الأراضي الليبية، بيد أنه كلما اقتربت مصر من التلويح بالحرب في ليبيا نجد تركيا تنأى بنفسها عن المواجهة المباشرة لاسيما اعتمادها المباشر على المليشيات والمرتزقة والإرهابيين الأمر الذي يؤكد أن أنقرة لا ترغب في أن تكون ضالعة بنفسها في مثل هذه المعركة وترغب في تحاشيها لأنها باهظة الثمن.

وسوف تعتمد هذه المسألة على كم التحديات التي سوف يواجهها كل طرف في الداخل والخارج وطبيعة الأوراق التي سيلعب بها لصالحه وقدرته على الحسم في الاتجاه الذي يريده ولأن مصر كانت وما زالت صاحبة ذخيرة جيدة من الأفكار الخلاقة في مقابل مجموعة من المليشيات الإرهابية والمرتزقة في المقابل فسوف تكون النتيجة لصالحها لا محالة.



اضف تعليق