جرائم القتل تنخر النسيج الاجتماعي الفلسطيني بالضفة‎


٠٧ أغسطس ٢٠٢٠

رؤية- محمد عبدالكريم

"الأولوية لأهلنا وبلدنا ويجب ألا ننسى أننا تحت بطش الاحتلال، أتمنى لو كانت الرصاصة التي قتلت أخي خليل أن تكون رصاصة إسرائيلية"، هي كلمات قالها مسؤول رفيع في السلطة الوطنية الفلسطينية (حسين الشيخ) فما كاد نهار الخميس أن يمضي، حتى أصبح يوم الجمعة على جريمة قتل أخرى، راح ضحيتها عامل فلسطيني طعنا بالسكين في شجار أحد المصانع، ليناهز عدد ضحايا جرائم القتل في الضفة الغربية المحتلة منذ مطلع العام الجاري الأربعين جريمة قتل.

الجلبة التي أعقبت مقتل خليل الشيخ ( شقيق وزير الشؤون المدنية، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح)، كانت بسبب أن القاتل والقتيل هما من عصب الجهاز الأمني الفلسطيني، الذي يفترض به التصدي لحالة الفلتان المستشري في الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، حيث تحولت شوارع مدينة رام الله (العاصمة السياسية للسلطة الفلسطينية وأكثر المدن ضبطا من ناحية الأمن) إلى ساحة حرب بين مئات المسلحين، دون أن تقدر أجهزة السلطة على فرض الأمن في تلك الليلة. 

وقبل تلكما الجريمتين بأيام فقط، وقعت جريمة أشد بشاعة، حيث أقدم شاب فلسطيني على خنق خطيبته بحجاب رأسها حتى الموت، في مدينة رام الله بالضفة الغربية المُحتلّة، في جريمة بشعة هزت الشارع الفلسطيني عشية حلول عيد الأضحى المبارك. 

وكشفت الشرطة الفلسطينية، ملابسات مقتل الشابة، روزان ناصر، على يد خطيبها أحمد أبو كويك، بعد أن قام بخنقها وتركها داخل السيارة، ولاذ بالفرار لمنطقة القدس وعاد بعدها للاختباء في منطقة حزما، بعد قيامه بتبديل ملابسه، إلى أن ألقي القبض عليه. 

الشرطة: الجريمة تزداد وأصابع الاحتلال تقف خلف تزايد العنف 

وقال المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية العقيد لؤي أرزيقات إن جرائم القتل تضاعفت في المجتمع الفلسطيني منذ بداية العام 2020 مقارنة بالعام السابق 2019. 

وحول أسباب اندلاع جرائم العنف في المجتمع الفلسطيني قال أرزيقات "إن هناك أدوات للاحتلال منها صفحات مشبوهة وجدت للدعوة إلى العنف وهناك أبواق كانت واضحة ومعروفة من خلال عملاء وهاربين إلى الداخل الفلسطيني، والذين قاموا بتوجيه كلمات عبر فيدوهات مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي يدعون فيها إلى العنف والقتل والفتنة والبلبلة في الشارع الفلسطيني، في محاولة لإنهاء حالة الاستقرار التي عاشها المجتمع الفلسطيني لفترة طويلة."

حماس: كميات الرصاص المستخدمة بجرائم القتل في الضفة كأنها معركة مع الاحتلال

وقال عضو المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق: إن "ظاهرة الفلتان وقتل المواطنين في الضفة الغربية، تحتاج إلى وقفة وطنية وتصويب حقيقي".

وأضاف أبو مرزوق في تغريدة عبر حسابه بموقع (تويتر) "بلغ عدد الجرائم عددا كبيرا هذا العام في الضفة الغربية، كان آخرها حادثة مقتل خليل الشيخ وعماد دويكات رحمهما الله، والمصاحب لحالات القتل هذه كمية من إطلاق للرصاص وكأنها معركة مع الاحتلال ويا ليتها كذلك". 

باحث فلسطيني: تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية انعكس ببشاعة على الأوضاع النفسية والاجتماعية 

وقال الباحث في العلوم الاجتماعية، عبد العزيز الصالحي إن أسباب جرائم القتل في الفترة الأخيرة، تعود  لتردي عدة عوامل، منها العوامل الاقتصادية والنفسية والاجتماعية أيضاً، ولا يمكن من تقليل حجم وقع تردي الحالة الاقتصادية والنفسية على ما هو حاصل. 

 وأضاف على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي: لكن إذا ما أردنا الحديث عن ذلك "سيسيولوجياً"، فغياب العوامل هذه جميعها ينجم عنه ما اتخذه الوظيفيون البنيويون من مفهوم وهو اللامعيارية لدى "دوركهايم" كمفتاح لفهم بعض المشاكل الرئيسية للشكل الحديث للمجتمع (أو للحداثة). 

 وتابع: في الحقيقة ما هو حاصل هو مؤشر على اختلال لامعياري، ينجم عن حالة من البنيوية التي أدت إلى اللانظام أو اللا قانون، وافتقار لمفهوم السلوك إلى قواعد ما، هذا كله ينجم لتبعات انهيار التنظيم الثقافي والبنية المؤسسية،بكل تأكيد للاستعمار الصهيوني أثر كبير على كل ما يحدث للفلسطينيين، فأساس مشاكلنا الاجتماعية هو الاستعمار، بنيوياً هو الاستعمار، لكن في الوقت ذاته، غابت المؤسسات الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية عن بناء النسيج والوعي الفلسطيني، والتي من دورها في ظل مسيرة تحرر أن تعمل على إبقاء الضمير الجمعي حياً.

وأشار إلى أن الأحزاب والمدارس والمعابد والأندية... إلخ، إما غائبة عن خطاب بناء الوعي قسراً ولربما قصداً في السنوات الأخيرة (غيبت نفسها)، والمؤسسة الرسمية لا تنتج خطاباً توعوياً يعمل على خلق نسيج اجتماعي متين، لأن المؤسسة الرسمية تبنت خطابات مختلفة لا تصلح للفلسطينيين لربما، لا تحت احتلال ولا في مرحلة تحرر. 

وأكد أن الاستعمار الصهيوني تاريخياً يعمل على تفرقة صفوف الفلسطينيين، بالأساس الاستعمار الصهيوني قام على فكرة تحويلنا لهويات مختلفة، وما أن يبدأ يلمس حالة من البناء الثوري والوطني يسارع لخلق حالة من الفتنة ليلتهي بها المجتمع، لكن هذا لا يفسر ظاهرة الانتحار لدى الفلسطينيين في الآونة الأخيرة مثلاً، لربما الضغوط الاقتصادية والنفسية تفسر ذلك، لكن الانتحار لا يفسر من خلال وطأة الاستعمار الصهيوني بشكل مباشر، ولا ظاهرة السرقات مثلاً، لذا الاحتلال يشجع على عمليات القتل وغياب الوعي والقيم بشكل عام. 

وشدد الصالحي على أن الجريمة في ازدياد منذ فترة طويلة، لكن في ظل وجود مرونة لدى الأجهزة الأمنية، لم تكن الجريمة تأخذ حيزاً وصدىً في الإعلام الرسمي وغير الرسمي، ففي النهاية الأجهزة الأمنية ملتزمة برواية مؤسساتية، لكن عند غياب هذه الرواية تصبح الروايات كلها مكشوفة بتفاصيلها، وكل ما صاحبها من صور وفيديوهات يصبح قابلًا للنشر بشكل أسهل.


اضف تعليق