عبر التجنيس والمساعدات.. لبنان بدائرة مطامع وصراعات أردوغان


١٢ أغسطس ٢٠٢٠

كتب - حسام عيد

حالة واسعة من الجدل في لبنان، ربما ترقى إلى حد الصدمة والريبة، على خلفية عرض تركي بمنح الجنسية إلى اللبنانيين التركمان. عرض جاء على لسان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو وإلى جانبه نائب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فؤاد أقطاي، من موقع انفجار مرفأ بيروت في زيارة وصفها البعض بأنها اصطياد في الماء العكر، في لحظة ضعف تمر بها الدولة اللبنانية.

عرض مشبوه، كعادة نظام أردوغان، فمن شأنه تعزيز الطائفية في بلد يدفع ثمنها منذ فرض النظام القائم على المحاصصة، واليوم هو ينشد الخلاص من أزماته والأمن والاستقرار.

ويبدو أن تركيا لم تكتف بذلك بعرض التجنيس، بل تجاوزته بعرض آخر وغريب للعالم أجمع، حيث أعلنت أنها ستساعد في إعادة بناء مرفأ بيروت. فكيف سيحدث ذلك والجميع على علم بأزمات الاقتصاد التركي المتفاقمة، من انكماش قد يصل إلى 5% بحسب أحدث توقعات لصندوق النقد الدولي، مرورًا بديون ضخمة، إلى فقدان الليرة التركية 20% من قيمتها خلال عام 2020، واشتداد معاناة الأتراك اجتماعيا، ودخول الكثير منهم البطالة والفقر.

لذلك، يمكننا القول، أن تركيا تسعى إلى جذب لبنان لمخططها "الفوضوي" بالمنطقة.. وهذا ما سنوضحه خلال التقرير التالي.

اختراق عبر الطائفية

إنها كارثة حقيقية، ولا بد أن تتدخل السلطات اللبنانية، فما قاله نائب أردوغان عن منح الجنسية التركية لجزء من سكان لبنان، أمر خطير.

وكان أيضًا، وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو قد قال من بيروت: "نقف مع أقربائنا من الأتراك والتركمان في لبنان، وحول العالم، سنمنح الجنسية التركية لأشقائنا الذين يقولون: نحن أتراك أو تركمان ويعبرون عن رغبتهم بأن يصبحوا مواطنين".

وأضاف وزير الخارجية التركي موضحا: "هذه توجيهات رئيسنا رجب طيب أردوغان".

وبحسب موقع "أحوال" المتخصص في الشؤون التركية، فإن جاويش أوغلو يشير في حديثه إلى الأتراك الذين يعيشون في لبنان منذ القرن الحادي عشر.

والتركمان في لبنان؛ ﻫﻢ ﺃﺗﺮﺍﻙ ﻣﻨﺴﻴﻮﻥ ﻓﻲ ﻋﻜﺎﺭ (شمالي لبنان) ﻣﻨﺬ 400 سنة، وتعتبر بعض البحوث التاريخية أن المماليك الذين تألَّف جيشهم من عناصر تركمانية، الذين حكموا لبنان خلال القرن الثاني عشر الميلادي عمدوا إلى توطين عائلات تركمانية في مواقع استراتيجية لأهداف عسكرية.

ولا يشكّل التركمان في لبنان أكثر من واحد بالمئة من سكّانه، إذ يقدّرون بأعداد تتراوح بين 30 و40 ألف نسمة، من أصل ستة ملايين نسمة تقريبًا.

ويعتبر السياسيون السنة أن تركيا تسعى لاختراق واسع في لبنان و"تمثيل الطائفة" من خلال مشروع رعاية الجمعيات الإسلامية والاهتمام بترميم الأبنية القديمة مع تركيز خاص على تلك التي تذكّر بالحقبة العثمانية.

المساعدات.. قناع زائف

وقال فؤاد أوقطاي نائب الرئيس التركي بعد اجتماعه بالرئيس اللبناني ميشال عون إن بلاده مستعدة للمساعدة في إعادة بناء المرفأ.

وأضاف أن ميناء مرسين التركي المطل على البحر المتوسط مستعد لمساعدة لبنان في خدمات التخليص الجمركي وتخزين الشحنات الكبيرة لحين إعادة إعمار مرفأ بيروت. وتابع "قلنا إنه يمكن نقل البضائع بسفن أصغر ووسائل نقل أخرى من مرسين إلى لبنان".

وقال أوقطاي في كلمة إن طائرات الإسعاف التركية يمكنها نقل الجرحى اللبنانيين إلى تركيا لتلقي العلاج. وأرسلت السلطات التركية فريقا طبيا وإمدادات وفريقا للبحث والإنقاذ.

حلقة جديدة بمطامع أردوغان

وواجه أردوغان في الماضي انتقادات متكررة باستغلال مسألة التجنيس لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية. إن تجنيس التركمان في لبنان ما هو إلا تمهيد ليكونوا خنجرًا في الخاصرة. وللتذكير تسرق تركيا، ليبيا، بذات الحجة، كما أنها احتلت أجزاء جديدة من سوريا والعراق وليبيا في لحظات ضعفهم والآن تسعى للتغلغل في لحظة ضعف لبنان.

وتستثمر تركيا النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية في لبنان في توجيه بعض الجماعات التابعة لها بالتأثير على صانعي القرار اللبناني المحليين في اتجاه مصالحها.

ويمثل تزايد عدد الجمعيات الأهلية المرتبطة في مجملها بالدول الإقليمية دافعا مهما لتركيا لاستغلالها في زيادة ارتباطها بها من خلال دعمها المالي ورعايتها ومساعدتها في التأثير على المواطنين لصالح أهدافها.

وتطمح تركيا لتعزيز نفوذها في سوريا من خلال توسيع نفوذها اللبناني وتحديدًا في منطقة الشمال –اعتمادًا على الارتباط الشديد بين الدولتين- وذلك عبر العديد من النشاطات في مجالات مختلفة كالكهرباء، والتجارة البحرية، وسعيًا لتوسيع أفق التجارة، وربط مرفأ طرابلس بمرفأ مرسين، خصوصاً بعد استثمار الروس في خزانات النفط، ووجود إيران بقوة على الساحة اللبنانية، وفي ظل غياب عربي لافت. إذًا تطمح أنقرة لتعزيز نفوذها عبر هذا الحضور والمساعدات، فهي أيضًا شريكة الروس والإيرانيين في محادثات أستانا، لرسم السياسات حول سوريا، ومن يكون شريكًا في سوريا، يبحث تلقائيًا ما يوازيه كحصة في لبنان.

وتعمل تركيا أيضًا على إيجاد منافذ لها على منطقة شرق المتوسط، لفرض مصالحها ولتأمين فرصتها في التنقيب التي تعارضها دول المنطقة المذكورة. وكما تستفيد من اعترافها بقبرص التركية وتطالب بحقوق لها في هذه الاكتشافات، وتتفق مع حكومة الوفاق الليبية على ترسيم الحدود البحرية بين الدولتين، ترى في لبنان موطئ قدم ممكن لها في شرق المتوسط، ولذا كان هذا جزءًا أساسيًا من مباحثات أوغلو في بيروت، الذي قدّم عرضًا ببناء خط مشترك تركي لبناني لتصدير النفط والغاز إلى أوروبا، في محاولة لبناء خط متوسطي بديل للخط الآخر (إيست ميد)، تعبيرًا عن رغبة تركيا لأن تكون لبنان شريكًا لها للدخول إلى اتفاقيات استخراج النفط.

وقد أعلن كبار المسؤولين الأتراك عن ترتيبهم لعقد اتفاقيات تعيين حدود بحرية مع كل من لبنان وسوريا، وإذا نجحت في عمل اتفاقية مع لبنان فسوف تملك تأثيرًا واضحًا على السياسة الروسية التي تستهدف الهيمنة على ملف الغاز السوري.

التمدد عبر الفراغ السياسي بلبنان

بدا من الواضح أن هناك تعمدًا لدى أنقرة في تسعير صراعات المنطقة، لاعتبارات شديدة التعقيد والتركيب تجمع ما بين الداخل والخارج، وخاصة لحاجة أردوغان لإدارة مشاكله الداخلية اقتصادياً وسياسياً، وتعويض خسارة 10 سنوات من الحرب في سوريا دون الوصول لحد أدنى يجمع أهداف أمنية واقتصادية وسياسية لمشروعه الصدامي الآخذ في التمايز حتى عن أفكار "العثمانية الجديدة" في طورها المهادن منذ مطلع الألفية؛ والتي تحورت في طورها الأردوغاني إلى الصدام والارتهان والتهديد واللعب على حافة الحرب كمنهجية لا تستشعر خطراً من مد نفوذها إلى ساحة ملتهبة وخطرة مثل لبنان، وتوظيف هذا النفوذ على نحو متعدد الاستخدام على مستوى أكثر من ملف على غرار ما يحدث في طرابلس الغرب بليبيا.

ووفقًا لجهات لبنانية رسمية فإن أنقرة ستستفيد من حالة الفراغ السياسي في لبنان وتحاول أن تُثبت حضورها على أمل أن تتمدد سياسيًا في المدى المتوسط أو البعيد، لتحويل لبنان إلى ساحة تدفع باتجاه تمدد النفوذ التركي إلى الساحة اللبنانية التي تغرق في أزمات اقتصادية وسياسية، مما يقدم تركيا كفاعل مؤثر في مستقبل لبنان، وعلى سبيل المثال قدمت تركيا دعمًا إلى الجيش اللبناني على المستوى الرسمي، إذ سلّمته ذخيرة تركية حية من عيارات مختلفة، "هبة من السلطات التركية"!.

وختامًا، لا شك أن مد يد المساعدة التركية في هذه اللحظة "المثيرة" للبنان، ستخلق فتنًا متنقلة، قد تجعل من الأوضاع المتردية والمتفاقمة بالأساس، كابوسًا جديدًا للبنان، ولنا في سوريا وما يحدث بالعراق وليبيا من انتهاكات وجرائم تركية، عبرة.


اضف تعليق