هل تصبح الحرب المنسية في أفغانستان ورقة رابحة بيد ترامب؟


١٦ فبراير ٢٠٢٠

كتبت – دعاء عبدالنبي

مؤشرات وتلميحات وتصريحات تؤكد قرب التوصل لاتفاق هدنة بين حركة طالبان الأفغانية والولايات المتحدة الأمريكية، ما قد يمهد لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بعد حرب دامت لأكثر من 18 عامًا، لتمثل غطاءً سياسيًا للتسوية التي يسعى إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريقة الفيتنامية في وقت يخوض فيه معركته الانتخابية القادمة.

كل المؤشرات الصادرة عن المؤتمر الأمني السنوي في ميونيخ بألمانيا، تشير إلى أن الولايات المتحدة وحركة طالبان الأفغانية يقتربان من إعلان اتفاق في غضون أيام، قد يمهد الطريق لمحادثات سلام بين الأطراف الأفغانية المختلفة، وبالتالي انسحاب القوات الأمريكية من البلاد.

ولكن قبل أن نصل إلى أي تسوية نهائية، لابد من تحديد ما يتم التباحث بشأنه فعليًا، هل هو اتفاق سلام شامل لأفغانستان؟ أم مجرد اتفاق يسمح بخروج القوات الأمريكية من أفغانستان؟

اتفاقية الهدنة

على هامش مؤتمر ميونيخ، التقى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مع الرئيس الأفغاني أشرف غني للتباحث بشأن اتفاق السلام المزمع، وهو ما كشف عنه مسؤول أمريكي كبير، حيث أكد أن اتفاقية الهدنة التي تستمر سبعة أيام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان ستدخل حيز التنفيذ قريبًا وقد تؤدي إلى انسحاب القوات الأمريكية.

وبحسب المسؤول، فإن الاتفاق المبدئي للحد من العنف، ستتبعه محادثات سلام أفغانية كاملة خلال 10 أيام لتشمل البلاد، كجزء من الخطة التي تنص على الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية على مدى 18 شهرًا، لكن "الساعة لم تحن بعد" كما أوضح وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر.

وبينما لم يعلن أي من المسؤولين الأمريكيين عن خطة أو جدول زمني لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، إلا أن ترامب أعلن في نهاية العام الماضي عن نيته إعادة 4000 منهم لتقليص القوات المتواجدة هناك إلى نحو 8600 جندي.

الاتفاق المتصور سيدعو إلى وقف إطلاق النار لفترة بين القوات الأفغانية والتحالف بقيادة الولايات المتحدة من جهة وطالبان من جهة أخرى، على أمل التوصل إلى اتفاق سلام في المستقبل القريب، لكن زعماء حركة طالبان لا يزالون يرفضون الالتزام بوقف لإطلاق النار دون أن يكون معلنًا وموقعًا من قبل الولايات المتحدة.

يأتي الحديث عن الاتفاق بعد 11 جولة من المفاوضات المباشرة التي جرت بين ممثلو الولايات المتحدة وحركة طالبان منذ أكثر من عام في محاولة لإيجاد حل سياسي لإنهاء الصراع المستمر في أفغانستان.

أسبوع وقف العنف هو الطريق نحو العملية. ويخشى العديد من المحللين الأمريكيين من أن الرئيس ترامب، لأسباب سياسية خاصة به، يتعجل في خروج القوات الأمريكية، في وقت لم يتضح فيه مدى جدية طالبان في المفاوضات.

غطاء سياسي للحرب المنسية

مخاوف تحيط خطة السلام التي يبحث عنها ترامب، أثارها خبير الدفاع الأمريكي المخضرم توني كوردسمان الذي حذر من محاولة توفير نوع من الغطاء السياسي للانسحاب الأمريكي، مثل التسوية السلمية التي تفاوضت عليها الولايات المتحدة في فيتنام.

فبعد جولات من المفاوضات، كان أخرها رفض ترامب توقيع اتفاق مع طالبان في سبتمر، بعد هجوم أدى إلى مقتل جندي أمريكي. استؤنفت المفاوضات بعد ذلك في قطر، لكنها كانت عالقة حول طلب الأمريكيين خفضًا ملحوظًا للعنف من جانب طالبان.

ومع مطلع فبراير، أبدى ترامب رغبته في سحب قواته، وفي هذا الصدد ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، نقلاً عن مصادر أفغانية وأمريكية، أن الرئيس دونالد ترامب وافق على اتفاق مع طالبان وفق شروط، وذلك أثناء زيارته قاعدة دوفر الأمريكية في أفغانستان.

ويبدو أن ترامب جعل انسحاب قوات بلاده المؤلفة من 13 ألف عنصر من أفغانستان أحد الأهداف الرئيسية لسياسته الخارجية، كما أن التوصل لاتفاق مع طالبان على انسحاب هذه القوات يمكن أن يعزز فرص إعادة انتخابه في نوفمبر المقبل.

ووفقًا للأرقام فإن أكثر من 2400 مقاتل أمريكي لقوا حتفهم خلال الحرب في أفغانستان وأصيب ما يزيد عن 20 ألف آخرين، وبتقدير البنتاجون فإن الحرب كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين 737 مليار دولار أمريكي خلال عام 2019 فقط.

ومن ثم فالخسائر الفادحة التي منيت بها القوات الأمريكية في بلد يتصف بطبيعته الجبلية وتركيبته القبلية وافتقاره للموارد جعل أمر الانسحاب تحصيل حاصل، ومن ثم فالإدارة الأمريكية تدرك حجم الضرر الذي سيلحق بها إذا لم تتوصل إلى اتفاق يضمن لقواتها انسحابًا مُنظمًا بأقل تكلفة وخلال مدة قياسية لتصبح الحرب المنسية في أفغانستان ورقة رابحة بيد سيد البيت الأبيض.

مخاوف أمنية

حذر السفير الروسي لدى أفغانستان، ألكسندر مانتيتسكي، من تبعات انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في وقت شهدت فيه الأشهر الأخير زيادة في كثافة الهجمات الإرهابية على القوات الأفغانية ووحدات الناتو، بسبب تدني مستوى تدريب قوات الأمن الأفغانية الغير قادرة على خوض معركة الإرهاب بفعالية دون دعم الولايات المتحدة.

تلك المخاوف كانت على طاولة اجتماع الدول المساهمة في مهمة الحلف في أفغانستان، حيث اتفق الوزراء على استمرار الالتزام الراسخ بأمن أفغانستان واستقرارها على المدى الطويل، وتزويد القوات الأفغانية بالتدريب والدعم المالي لمحاربة الإرهاب، وخلق ظروف السلام، مع دعوة طالبان إلى إظهار الإرادة للتوصل إلى اتفاق موثوق به.

تشهد أفغانستان، منذ الغزو الأمريكي عام 2001، صراعًا بين حركة طالبان من جهة، والقوات الأفغانية والدولية بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، ما تسبب في سقوط آلاف الضحايا المدنيين.

وتسيطر طالبان على نحو 59 من أصل 407 وحدات إدارية تتشكل منها أفغانستان، بينما تتمتع بنفوذ في 119 وحدة إدارية أخرى، وفق تقرير مكتب الولايات المتحدة لإعادة إعمار أفغانستان.

هل تنتهي الحرب؟

هل تنتهي أطول حروب أمريكا على لإطلاق؟ سؤال يسعى الكثيرون للبحث عن إجابته، فأغلب التصريحات تشير إلى كونه اتفاق لتهدئة العنف وخفض عدد القوات الأمريكية في أفغانستان، لكن هناك تفاصيل دقيقة تضمنتها جولات المباحثات في الدوحة والتي توصلت في نهاية المطاف إلى:

ـ الرغبة الأمريكية في إخراج قواتها بعد خسائرها الفادحة وتحقيق انتصار لترامب

ـ دخول الحكومة الأفغانية للمرة الأولى في حيز المفاوضات بعد تصريحات الرئيس الأفغاني الأخيرة عن إيجابيتها

ـ تشكيل تحالف يضم كيانات سياسية وممثلين قبائل لدعم عملية السلام المتأرجحة في أفغانستان

فهل تخاطر واشنطن وتخسر نفوذها؟ لتنتهي أطول حرب أمريكية في أفغانستان بعد أكثر من 18 عامًا، أم تستمر مخاوف الأطراف المتنازعة لتعيد المحادثات إلى نقطة الصفر؟ في وقت لا تزال التفجيرات والاشتباكات مستمرة بين طالبان والقوات الأفغانية رغم الحديث عن انفراجة في الأيام الماضية.
 


اضف تعليق