واقعة طبيبة كورونا المصرية.. مواجهة أمنية حاسمة واستنكار شعبي وديني واسع


١١ أبريل ٢٠٢٠

حسام السبكي

في واقعة مثيرة وغريبة على الشعب المصري، المعروف عنه "التدين بطبعه"، وإيمانه على مدار تاريخه الطويل بالقضاء والقدر، فضلًا عن التكاتف المعتاد في الأزمات، شهدت إحدى قرى محافظة الدقهلية المصرية، احتشاد مجموعة من الأهالي، في محاولة لمنع إقامة جنازة طبيبة لقيت حتفها، بعد أداء واجبها الوطني والمهني تجاه أهل بلدها، الذين أصيبوا بفيروس كورونا البشع، ليكون الجزاء منعها من الدفن.

الواقعة، رغم أنها ليست بالجديدة، بالتحديد في ظل الظروف الصعبة الحالية، إلا أنها استدعت تدخلًا أمنيًا مباشرًا، فضلًا عن ردود أفعال رسمية وشعبية ودينية غير مسبوقة، ترفض التنمر، وتشدد على حرمة جثمان الميت، وبسرعة دفنه إكرامًا له، خاصةً مع التزام السلطات المصرية الدائم بتنفيذ الإجراءات المعمول بها دوليًا في هذا الجانب.

واقعة مثيرة

شهدت قرية "شبرا البهو" التابعة لمدينة أجا في محافظة الدقهلية، واقعة تنمر جديدة ضد متوفاة بكورونا، حيث احتشد الأهالي لرفض دفن جثمان طبيبة بمقابر القرية.


وفي التفاصيل، حيث احتشد أهالي القرية، صباح اليوم السبت، أمام مداخل قريتهم، رافضين دخول سيارة إسعاف تحمل جثمان الطبيبة (س. ع. ع) المتوفاة، والتي رحلت عن عمر (64 عامًا).


فيما بعد، تبين أن الطبيبة متزوجة من أحد أبناء القرية، لكنها تنتمي لقرية مجاورة تسمى "ميت العامل"، ولذلك طالب الأهالي بدفنها في مسقط رأسها خشية نقل العدوى إليهم.


وكشف شهود عيان أن زوج المتوفاة طلب تدخل السلطات لإقناع الأهالي بالسماح بدفن الجثمان، خاصة أن عملية الدفن ستتم وفق الإجراءات الطبية المتبعة.


في غضون ذلك، وبعد جولات مكثفة من المفاوضات، شهدت تنقل سيارة الإسعاف بجثمان الطبيبة المتوفاة، بين قريتي مدينة أجا، كما تخللها إطلاع بعض أهالي القريتين على طريقة التكفين الشرعية للمتوفاة، تمكنت قوات الأمن من دفن الطبيبة المتوفاة بفيروس كورونا بمقابر قرية "شبرا البهو"، بعدما رفض أهالي قريتي "شبرا البهو" و"ميت العامل" دفنها بمقابر القريتين، وقامت الشرطة بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق تجمهر أهالي قرية "شبرا البهو" لدفن الجثمان، وأكدت مصادر أمنية أنه تم القبض على 15 من مثيري الشغب.




أزمة سابقة

وليس ببعيد عن منطقة الدلتا أيضًا، ففي الأسبوع الماضي، شهدت قرية بولس بكفر الدوار، التابعة لمحافظة البحيرة شمال البلاد، واقعة مماثلة، حيث تدخلت قوات الأمن لدفن سيدة توفيت متأثرة بإصابتها بفيروس كورونا بعدما رفض الأهالي دفنها بمقابر القرية.

وذكر شهود عيان أن طبيباً من أبناء القرية يعمل في أحد المستشفيات تعرض للإصابة بفيروس كورونا، بعد مخالطته لمريض مصاب، وبدوره نقل العدوى لوالدته التي تجاوزت السبعين من عمرها، ونقلت لمستشفى العزل لكنها توفيت متأثرة بإصابتها بالفيروس.

وأضافوا أن أسرة الطبيب ثروت دفنت والدته في مقابر العائلة بالقرية، لكن الأهالي احتشدوا وتجمهروا أمام السيارة التي تحمل الجثمان، رافضين دفنها في المقابر خشية نقل العدوى للقرية.

وكشفوا أن قوات الأمن المركزي تدخلت وفضت التجمعات، وأعادت المحتشدين لمنازلهم بالقوة، وتسهيل إجراءات دفن الجثمان وسط إجراءات احترازية ووقائية مشددة.




استنكار ديني

أبدت المؤسسات الدينية المصرية، رفضها جملةً وتفصيلًا، لتفشي حالات التنمر، من العاملين في الحقل الطبي المصري، الذين يمثلون، ليس في مصر وحدها، بل في العالم أجمع، خط الدفاع الأول في مواجهة جائحة كورونا المرعبة، والتي توشك أن تتحول إلى ظاهرة مقيتة، ترفضها كل الشرائع والديانات السماوية.

البداية جاءت من دار الإفتاء المصرية، التي عبرت عن انتقادها الشديد، للتعامل المقيت مع "جنود الجيش الأبيض"، والتي بلغت حد منع إقامة جنازات لهم ولذويهم، ليكون بمثابة رد سيء للجميل!.

فقد حذرت دار الإفتاء المصرية، من الاستهزاء والتنمر تجاه أي شخص يصاب سواء بفيروس كورونا المستجد أو بأي مرض آخر.

وأضافت الإفتاء، عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أن التشاؤم والاستهزاء والتحقير والتنمر بالمصابين والمرضى سلوك ذميم منهيٌ عنه شرعًا.

وأوضح الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، في تعقيبه على رفض بعض المواطنين دفن شهداء فيروس كورونا، قال فيه إنها لا تمت إلى الدين أو الأخلاق بصلة.

وأضاف المفتي، في بيان السبت: "لا يجوز اتباع الأساليب الغوغائية من الاعتراض علي دفن شهداء فيروس كورنا التي لا تمت إلى ديننا ولا إلى قيمنا ولا إلى أخلاقنا بأدنى صلة، فإذا كان المتوفى قد لقي ربه متأثرا بفيروس الكورونا فهو في حكم الشهيد عند الله تعالى لما وجد من ألم وتعب ومعاناة حتى لقي الله تعالى صابرًا محتسبا، فإذا كان المتوفى من الأطباء المرابطين الذين يواجهون الموت في كل لحظة ويضحون براحتهم بل بأرواحهم من أجل سلامة ونجاة غيرهم، فالامتنان والاحترام والتوقير في حقهم واجب والمسارعة بالتكريم لهم أوجب".



بدوره، استنكر الأزهر الشريف، تعامل البعض مع مصابي كورونا، على أنهم مذنبون أو أصحاب خطيئة!

وأوضح مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، عبر حسابه على "فيس بوك"، حكم التنمر ضد مصابي كورونا وذكر أن الإصابة بفيروس كورونا ليست ذنبا أو خطيئة ينبغي على المصاب بها إخفاؤها عن الناس، كي لا يعير، بل هو مرض كأي مرض، ولا منقصة فيه، وكل إنسان معرض للإصابة به، ونتائج إخفاء الإصابة به من قبل المصابين كارثية.

وشدد مركز "العالمي للفتوى الإلكترونية" على حرمة إيذاء المُصاب بفيروس كورونا، أو الإساءة إليه ولو بنظرة، أو امتهان من تُوفي جرّاءَه، وبوجوب إكرام بني الإنسان في حياتهم وبعد موتهم، مؤكدا أن التنمر من السلوكيات المرفوضة التي تنافي قيمتي السلام وحسن الخلق في شريعة الإسلام، وأن هذا السلوك يزداد إجرما وشناعة إذا عومل به إنسان لمجرد إصابته بمرض هو لم يختره لنفسه، وإنما قدّره الله عليه، وكل إنسان معرض لأن يكون موضعه لا قدر الله.

ودعا إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي لكل مصابي كورونا وأُسرهم وجنود هذه المعركة من أطباء وممرضين وغيرهم، وإلى تكاتف أبناء الوطن جميعا للقيام بواجبهم كل في ميدانه وبما يستطيعه إلى أن تتجاوز مصرنا الحبيبة هذه الأزمة بسَلامٍ وسَلامة إن شاء الله تعالى.





تنديد شعبي

على المستوى الشعبي، فحدث ولا حرج، حيث أجمع السياسيون والمشاهير، وحتى رواد مواقع التواصل الاجتماعي، على الرفض والتنديد الشديدين، للسلوكيات غير المسؤولة التي ينتهجها البعض، بحق أفراد، وهبوا حياتهم لخدمة وطنهم، مضحين في ذلك، براحتهم ومصالحهم الشخصية والاجتماعية، بل وبأرواحهم أحيانًا، كي يحيى غيرهم منعمين بالصحة والأمن والأمان، لا يقل دورهم في ذلك، عن أصحاب العيون الساهرة، من أفراد القوات المسلحة والشرطة.

وفي أول تعليق على الأزمة الأخيرة، قال النائب في البرلمان المصري أيمن أبوالعلا، إن الدولة المصرية بكافة مؤسساتها تقوم بدورها في المواجهة الشاملة لجائحة فيروس كورونا، وجهودها المبذولة تمثل نموذج فى التعاطي لهذه الأزمات الصحية، سواء علي مستوي الإجراءات والتدابير الإحترازية أو التعامل مع الضحايا وخاصة فيما يتعلق بطريقة الغسل والدفن.

وأضاف عضو لجنة الصحة بمجلس النواب: إن وزارة الصحة طمأنت جموع المصريين منذ البداية بشأن طريقة الدفن والغسل لضحايا كورونا، حيث عند الوفاة يتم إكمال التعامل مع الحالات بنفس إجراءات العزل (رزاز/ تلامس) كما هو متبع، وبعد الغسل والتكفين يتم النقل  بسيارة إسعاف، والجثمان داخل الكيس غير المنفذ للسوائل عبر صندوق مغلق لا يفتح إلا بالمدفن، ومن يتولى عملية الدفن.

أما على مستوى رواد مواقع التواصل، فنستعرض أبرز ردود الأفعال فيما يلي:










اضف تعليق