رضوى عاشور.. هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة


٠١ يونيو ٢٠٢٠

 أماني ربيع

"العمر حين يطول يقصر، والجسد حين يكبر يشيخ، والثمرة تستوي ناضجة ثم تفسد، وحين يقدم النسيج يهترئ".

كانت رضوى عاشور مولعة بالحياة تكتب ببساطة لأنها، كما قالت دوما، تحب الكتابة لأن الحياة تستوقفها، تُدهشها، تشغلها، تستوعبها، تُربكها وتُخيفها لكنها تحبها أيا كان ما تحمله لها من أفراح أو مآسٍ.

أستاذة الجامعة دقيقة الجسم كالأطفال تواجه العالم بعيون واسعة ونظرة جريئة، وبقلم ثاقب يرمي إلى ملامسة الذات، ويحرض على الحركة والإبداع والتفكير وعدم التصالح مع الواقع الرديء السائد.

مهمومة هي بهاجس الهوية، وبالوطن الأكبر، كانت "الطنطورية" أولى لقاءاتي مع قلمها المبدع، عن فلسطين كانت تحكي عن رائحة الخبز التي شممناها بين أبجدية محمود درويش وزيت الزيتون والشاي بالميرمية، عن الشتات عن وطن طالما حملته داخل قلبها.

 يلمسك في طنطوريتها دفء حكايات المسنين، وهمسات العابرين، وكتابات من عاشوا في فلسطين وعاشت فيهم فلسطين انعجنوا بخبزه وزيتونه.

فتحت "طنطورية" رضوى عاشور نافذة ليرى من خلالها القراء فلسطين بعيون جديدة، ليتها حكت عن رؤوس متطايرة وأطراف مبتورة أو أشلاء ودماء،  لكنها لم تفعل، وبدلا من ذلك حدثتنا في رقة فنان تأثيري،  وطلاقة شاعر عن وجع التهجير والشتات وألم الفراق، فراق الأمكنة والروائح والبشر، وفجيعة الموت الأول وتلك الدهشة التي تتحول مع الوقت إلى ألفة لمشاهد الموت والدمار، ثم انتظاره بعد ذلك.



"الذاكرة لا تقتُل، تؤلم ألمًا لا يطاق، ربما، ولكننا إذ نطيقه تتحول من دوامات تسحبنا إلى قاع الغرق إلى بحر نسبح فيه،  نقطع المسافات، نحكمه و نملي إرادتنا عليه".

وبين أنقاض الذاكرة كانت سيرتها في "أثقل من رضوى"، التي بدت صفحاتها وكأنما تؤبن رضوى مسبقا، عبر حكايتها مع المرض والحياة، كانت تهيأها لمواجهة الموت، هي التي طالما واجهت المحن بالضحكة والسخرية، فهي تفرض الحزن الذي قالت عنه: "الحزن قوة جاذبة تشد لأسفل، تسحب الرأس والكتفين إلى تحت، كأن الجسم في حزنه يُمسي واهناً خفيفاً فتستقوي عليه الجاذبية وتستشرس".

عادت رضوى في سيرتها لتروي لنا في سرد مليء بالدهشة والقلق والتمرد سطورا من حياتها الحافلة، ضفرت رضوى ذكريات رحلتها العلمية والمهنية مع الجامعة وإصابتها بالسرطان مع موقفها من ثورة 25 يناير 2011، وحكت عن الكتابة والعائلة والأصدقاء.

ألقت كشافات ساطعة على ذاتها عرتها للقراء بكل جسارة، ليجيء "أثقل من رضوى" كتابا مترعا بالصدق والعفوية الآسرة وجماليات البوح والإفضاء والحميمية التي تدخلك عالمها دون تصنع.

كانت تعمد لمخاطبة قرائها من داخل النص، لتحفزهم على مواصلة القراءة والصبر على تفصيلات عملها بالجامعة أو يومياتها خارج البلاد مع مرض السرطان، وأحيانا تخبرهم عن شعورها بالذنب لأنهم بالتأكيد مضطرون لاصطحاب مناديل كثيرة للبكاء خلال رحلتهم مع معاناتها، لذا تقرر أن تهديهم أشياء مسلية وممتعة كما كان يفعل مؤلفو التراجيديا قديما فيهدون مشاهديهم فاصلا كوميديا يخفف من وطأة المأساة، وكانت حكمتها من ذلك أنها تريد تقديم نصا محملا بالألفة كي تترك القارئ العادي يتأمل قدراً شبيهاً بقدره، ويحاور إنساناً قريباً منه.
 
تمقت رضوى الهزيمة، لا تقبل بها، وطالما قالت: " فإن قضت علينا، نموت كالشجر واقفين، ننجز أمرين كلاهما جميل، شرف المحاولة وخبرات ثمينة، تركة نخلفها بحرص إلى القادمين، عزيزي القارئ عزيزتي القارئة، أستدرك لأنهي حديثي بالسطر التالي: هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا" .



لم تستغرق رضوى يوما داخل ذاتها، وجعلها عملها بالجامعة لصيقة بالواقع وبالشباب، الذين أمدوها دوما بالحيوية، وكانت صوتا مثقفا للمصريين ليس نخبويا ولا متعاليا، وإنما شجاعا ومتمردا، وتقاطعت أعمالها الأدبية مع تاريخ مصر والوطن العربي، وتحدثت عن ذلك قائلة: "لأني أشعر بالخوف من الموت الذي يتربص وما أعنيه هنا ليس الموت في نهاية المطاف فحسب، ولكني أعني أيضًا الموت بأقنعته العديدة، أعني الوأد، أنا امرأة عربية ومواطنة من العالم الثالث وتراثي في الحالتين تراث الموؤودة، أعي هذه الحقيقة حتى العظم مني وأخافها إلى حد الكتابة عن نفسي وعن آخرين أشعر أنني مثلهم أو أنهم مثلي".

كانت ثقافة رضوى الواسعة وعقلها المتقد إرثا لنشأتها داخل عائلة جمعت بين الأدب والعلم، فوالدها مصطفى عاشور محامٍ صاحب اهتمامات أدبية، ووالدتها، مي عزام، شاعرة وفنانة، وفي كنفهما تربت رضوى على سماع وقراءة النصوص الشعرية للأدب العربي من قبل جدها عبدالوهاب عزام، وهو دبلوماسي وأستاذ للدراسات والآداب الشرقية في جامعة القاهرة، وهو أول من ترجم "كتاب الملوك" الفارسي  المعروف بـ"شاه ناما" إلى اللغة العربية، زغيرها من كلاسيكيات الأدب الشرقي.

دخلت كلية الأداب في جامعة القاهرة في نهعاية السيتينات، وهي فترة كانت غنية بالأحداث السياسية والتمرد الطلابي، وحصلت على الماجستير في عام 1972، ثم حصلت على درجة الدكتوراة من جامعة ماساتشوستس عام 1975، ثم عادت لتدرس في جامعة عين شمس، وأصبحت أستاذةً للغة الإنجليزية والأدب المقارن عام 1986، ثم أصبحت رئيس قسم اللغة الإنجليزية والأدب في الفترة من 1990 إلى 1993.

مسيرتها الأكاديمية لم تبعدها عن العمل السياسي، وكانت من أكبر مهاجمي التطبيع مع إسرائيل، وساهمت عاشور في إنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الصهيونية في الجامعات المصرية.



طوعت رضوى التاريخ لخيالها الأدبي، ليس لقراءة الماضي فحسب، لكن للحديث عن الحاضر أيضا، بشكل يتحايل على الرقابة وحراس البوابة، الذين يقمعون الحريات.

كان أول أعمالها، "الرحلة: أيام طالبة مصرية في أمريكا" الذي صدر عام 1983، وتم اعتبار "ثلاثية غرناطة" التي كتبت أول أجزائها عام 1994، واحدة من أفضل الروايات العربية في القرن العشرين من قبل اتحاد الكتاب العرب.

وأبرز أعمالها: "الرحلة: أيام طالبة مصرية في أمريكا"، عام 1983، حَجَر دافئ" عام 1985، خديجة وسوسن" عام1987، و"رأيت النخل" (مجموعة قصصية)، عام 1987، سراج" عام 1992، "غرناطة" (الجزء الأول من ثلاثية غرناطة) عام 1994، "مريمة والرحيل" (الجزءان الثاني والثالث من الثلاثية) 1995. نشرت الطبعة الثانية بعنوان ثلاثية غرناطة عام 1998، "أطياف" عام 1999، "تقارير السيدة راء" (نصوص قصصية) عام 2001، "قطعة من أوروبا" عام 2003، "فرج" عام 2008، "الطنطورية" عام 2010.

وفي عام 1995 نالت جائزة أفضل كتاب عن "ثلاثية غرناطة" من المعرض الدولي للكتاب، وعن نفس الرواية نالت الجائزة الأولى من المعرض الأول لكتاب المرأة العربية، وفي عام 2007، حصلت على جائزة قسطنطين كفافيس الدولية للأدب في اليونان، وجائزة تركوينيا كارداريللي الإيطالية في النقد الأدبي عام 2009، وجائزة بسكارا بروزو عن الترجمة الإيطالية لرواية أطياف في إيطاليا عام 2011، وفي عام 2012، نالت جائزة سلطان العويس للرواية والقصة.
   



كانت قصتها مع الشاعر الفلسطيني مراد البرغوثي تشبه الروايات، فقد جمعهما الحب بين أروقة الجامعة، وتزوجا في عام 1970، ولهما ابن واحد هو تميم، ولم تكن علاقتهما جنة وردية، وكانا جوما أشبه بمحاربين يقاتلان لإبقاء هذا الحب قويا رغم الصعوبات ورغم الفراق، فقد تم ترحيل البرغوثي عام 1977 من مصر قبل زيارة السادات إلى القدس، ولم يعد إلى مصر إلا بعد 17 عاما، تشتت فيها شمل العائلة الصغيرة، إلى أن حبال الحب لم تنقطع أبدا.

قالت عن علاقتها بمريد: "غريب أن أبقى محتفظة بنفس النظرة إلى شخص ما طوال ثلاثين عامًا، أن يمضي الزمن وتمر السنوات وتتبدل المشاهد وتبقى صورته كما قرّت في نفسي في لقاءاتنا الأولى".

عانت رضوى من مرض السرطان الذي روت حكايتها معه في كتاب "أثقل من رضوى"، وفي غرفة يكللها الأبيض.. معاطف الأطباء.. زي الممرضات، لون الأسرة والملاءات، غامت روحها وكأنما يزفها الأبيض إلى كفن، أفلت الضحكة عن الوجه البشوش كشمس غاربة صوبت دفئها نحو المغيب، مريد يصرخ: "عودي يا ضحكتها عودي.. ولكن في النهاية كان الموت أثقل من رضوى.."، لتفارق الحياة عن 68 عاما.




الكلمات الدلالية مريد البرغوثي رضوى عاشور

اضف تعليق