الرئيس الصيني بات أكثر نفوذا من ترامب: هل يجب أن يقلق العالم؟


١٧ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٧:١٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
ترجمة - شهاب ممدوح

المصدر - إيكونومست

لطالما كان حديث الرؤساء الأمريكيين عن نظرائهم الصينيين يتسم بالرهبة والإعجاب. إذ قال الرئيس ريتشارد نيكسون للزعيم الصيني "ماو زيدونج" -بنبرة لا تخلو من التملّق- إن كتاباته "غيّرت العالم". أما الرئيس جيمي كارتر, فقد أكال المديح على الزعيم الصيني "دينج شياو بينج": "ذكي, وصارم, وصريح, وشجاع, وجذاب, وواثق من نفسه, وودود". كما وصف الرئيس بيل كلينتون الرئيس الصيني في حينها "جيانج زيمين" بأنه "صاحب رؤية" و "رجل ذو فكر استثنائي". أما دونالد ترامب فلم يكن أقل إعجابا بالصينيين من أسلافه. إذا نقلت صحيفة الواشنطن بوست عنه قوله إن الزعيم الصيني الحالي "شي جين بينج" هو "ربما أقوى رئيس صيني" عرفته الصين منذ قرن.

قد يكون السيد ترامب محقا. ولو كان ترامب يعلم أن مديحة للرئيس الصيني لن يؤدي إلى القضاء عليه سياسيا, لكان قد أضاف: "شي جين بينج هو أقوى زعيم في العالم". من المؤكد أن اقتصاد الصين لايزال في المرتبة الثانية من حيث الحجم مقارنة مع اقتصاد أمريكا, أما الجيش الصيني, فبالرغم من الزيادة المتسارعة لقدراتة العسكرية, إلا أنه لا يرقى إلى قدرات نظيره الأمريكي. لكن الثقل الاقتصادي والمعدات العسكرية ليست كل شيء. إن ترامب بوصفة زعيم العالم الحر, يتبنّى نهجا ضيقا مبنيّا على أساس الصفقات في تعامله مع الأجانب, وهو يبدو غير قادر على تفعيل أجندته في الداخل الأمريكي. ماتزال الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم, لكن زعيمها أضعف في الداخل, وأقل تأثيرا في الخارج مقارنة مع أسلافه الذين سكنوا البيت الأبيض, لأسباب ليس أقلها احتقاره للقيم والتحالفات التي يرتكز عليها النفوذ الأمريكي.

في مقابل ذلك, يتجوّل رئيس أكبر دولة مسبتدّة في العالم متبخترًا في الخارج. إذا أن قبضة الرئيس الصيني على السلطة باتت أقوى من قبضة أي زعيم صيني آخر منذ عهد ماو. وبينما كانت الفوضى والفقر الشديد يعصفان بالصين في عهد ماو, إلأ أن الصين اليوم في عهد "شي جين بينج" هي محرك أساسي للنمو العالمي. إن قوة نفوذ الرئيس "شي جين بينج" ستكون على مرأى ومسمع من الجميع قريبا. إذ سيعقد الحزب الشيوعي الصيني الحاكم في الثامن عشر من أكتوبر مؤتمرا يُعقد كل خمس سنوات في العاصمة بكين. سيكون هذا المؤتمر هو الأول الذي يرأسه السيد "تشي", حيث سيكيل المندوبون الحاضرون والبالغ عددهم 2,300 مندوبا المديح على الرئيس تشي. قد يتساءل المراقبون المتشككون عما إذا كان السيد تشي سيستخدم سلطته الاستثنائية في الخير أم الشر.


أيها العالم.. راقبنا 

يقدم السيد تشي نفسه, أثناء جولاته الخارجية العديدة, باعتباره رسولا للسلام والصداقة, وصوتا للعقل في عالم مرتبك ومضطرب. وقد سهّلت إخفاقات الرئيس ترامب من مهمته كثيرا. وعد السيد تشي خلال مؤتمر دافوس في شهر يناير النخبة العالمية, بأنه سيكون مدافعا عن العولمة, والتجارة الحرة, واتفاق باريس للمناخ. وقد أشاع حديثه هذا جوا من الارتياح والسرور لدى جمهور الحاضرين. إذ كان الجمهور يعتقد أنه على الأقل هناك قوة عظمى مستعدة للدفاع عما هو صواب, حتى لو كان السيد ترامب (الرئيس المنتخب في حينها) غير مستعد لفعل ذلك.

لقد حظيت كلمات السيد تشي بقدر من الاهتمام, وذلك يُعزى جزئيا إلى امتلاك بلده لأكبر احتياطي من العملات الأجنبية, وهو ما يعطي لها قيمه. يقود السيد تشي ما يعرف ب "مبادرة الحزام والطريق" التي يثير اسمها الحيرة, لكن رسالة هذه المبادرة واضحة: استثمار الصين لمئات مليارات الدولارت في الخارج في مشاريع السكك الحديدية, والموانئ, ومحطات الطاقة, ومشاريع بنى تحتية أخرى ستساعد مناطق شاسعة من العالم على تحقيق الرخاء. هذا هو نوع القيادة الذي لم تظهره الولايات المتحدة منذ خطة مارشال التي قادتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في غرب أوربا (حيث تعتبر تلك الخطة أصغر حجما بكثير مقارنة مع مبادر تشي).

كما أن السيد تشي يستعرض القوة العسكرية الصينية في الخارج بصورة غير مسبوقة. حيث افتتح في هذا العام أول قاعدة عسكرية خارجية لبلاده في جيبوتي. كما أرسل الأسطول البحري الصيني للمشاركة في تدريبات عسكرية في مناطق أبعد بكثير, بما في ذلك إرسال أسطول بلاده في شهر يوليو إلى معقل حلف الناتو في بحر البلطيق, إلى جانب الأسطول الروسي. تقول الصين إنها لن تغزو أبدا البلدان الأخرى لفرض إرادتها (باستثناء تايوان, التي لا تعتبرها الصين بلدا مستقلا). تقول الصين إن بناءها للقواعد الخارجية يهدف إلى دعم مهمات حفظ السلام, ومكافحة القرصنة, والمشاركة في المهام الإنسانية. أما بالنسبة إلى الجزر الصناعية المزوّدة بمدارج طائرات عسكرية, والتي تبنيها في بحر الصين الجنوبي, فهي لإغراض دفاعية بحته.

إن السيد تشي, خلافا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين, ليس مشاغبا عالميا يسعى لتخريب الديمقراطية وزعزعة استقرار الغرب. ومع ذلك, فهو يتساهل كثيرا مع الشغب الذي تصنعه حليفته كوريا الشمالية التي تلوّح بالأسلحة النووية. كما أن بعض سلوكيات الصين العسكرية تثير قلق جيرانها, ليس فقط في بحر الصين الجنوبي, ولكن في الهند واليابان أيضا.

أما في الداخل الصيني, فإن السيد تشي لا يقل استبدادا عن نظيره الروسي. فهو يؤمن بأنه حتى أقل قدر من التساهل السياسي لن يؤدي إلى القضاء عليه شخصيا فحسب, بل سيؤدي أيضا إلى انهيار نظامه. حيث أن مصير الاتحاد السوفيتي مايزال يطارده, وهذا الشعور بعدم الأمان له تبعاته. فهو لا يثق في الأعداء الذين ظهروا نتيجة عمليات التطهير التي أجراها داخل حزبه فحسب, لكنه لا يثق أيضا في الطبقة المتوسطة المتسارعة النمو والمتسلّحة بالهواتف الذكية, كما انه لا يثق في فروع المجتمع المدني التي انبثقت عندما استلم منصبه. يبدو السيد تشي مصمما على تشديد قبضته على المجتمع الصيني, لا سيما عن طريق تعزيز قدرات الدولة على المراقبة, وعلى الحفاظ على المفاصل الأساسية للاقتصاد تحت سيطرة الحزب الحاكم. كل هذا سيجعل الصين أقل ثراءً مما ينبغي أن تكون عليه. لقد ساءت انتهاكات حقوق الإنسان تحت حكم السيد تشي, من دون صدور أي شكوى من زعماء العالم الآخرين.

لقد شعر الليبراليون ذات يوم بالحزن بسبب "ضياع عشر سنوات" من الإصلاح في عهد الرئيس "هو جينتاو", سلف السيد تشي. لقد تحوّلت العشر سنوات تلك إلى 15 سنة, وربما تتخطى العشرين سنة. يزعم بعض المتفائلين بأننا لم نر بعد السيد تشي الحقيقي, حيث أن مؤتمر الحزب سيساعده في تعزيز سلطته, وبعد ذلك سيبدأ في إجراء إصلاحات اجتماعية واقتصادية بصورة جادة, مستندا إلى نجاحة النسبي في الحدّ من الفساد. إن الأمر المقلق بالنسبة إلى هؤلاء الذين يعتقدون أن كل القادة ينبغي عليهم التنازل عن السلطة بعد فتره معينة, هو أن السيد تشي يُعتقد أنه غير راغب في التنازل عن السلطة في عام 2022, خلافا للسوابق الماضية.

أسباب تدعو للخوف

ربما يظن السيد تشي, أن تركيز السلطة المطلقة على 1,4 مليار من الصينيين في أيدي رجل واحد هو, وفقا لإحدى عباراته المفضلة, "الوضع الطبيعي الجديد" في السياسة الصينية. لكن هذا الأمر ليس طبيعيا, بل خطيرا. لا ينبغي أن يمتلك رجل واحد كل هذه السلطة. إن حكم الرجل الواحد سيؤدي في نهاية المطاف إلى زعزعة الاستقرار في الصين, كما حدث في الماضي, ولنتذكر "ماو" وثورته الثقافية. كما أن ذلك سيقود إلى تصرفات صينية تعسفية في الخارج, وهو ما يثير القلق, في وقت تنكفئ فيه الولايات المتحدة تحت حكم ترامب على نفسها, تاركة وراءها فراغا في السلطة. إن العالم لا يرغب في رؤية ولايات متحدة منعزلة, أو ديكتاتورية في الصين. لكنه للأسف قد يحصل على الإثنين معا. 
   

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق