توماس فريدمان يكتب: الصين يمكن أن تبيع التروماي لترامب!


١٨ نوفمبر ٢٠١٧

ترجمة - بسام عباس

هناك مقولة تقول: "عندما لا تعرف إلى أين أنت ذاهب، فإن أي طريق ستوصلك إلى هناك"، وهي تلخِّص بشكل جيد التباين الموجود بين الرئيس الصيني شي جين بينج  والرئيس دونالد ترامب.

فـ  "شي" كان "الأشطر" في اللعب ضد ترامب، حيث أغدق عليه الثناء والتنازلات التجارية قصيرة المدى وشتت انتباهه عن الاختلالات التجارية البنيوية مع الصين، وبالتوازي مع ذلك، فإن شي يبقي عينيه مفتوحتين على الجائزة طويلة المدى المتمثلة في جعل الصين عظيمة من جديد. وفي الأثناء، في حين يروِّج ترامب لكل انتصار صغير باعتباره نصرًا تاريخيًّا ويسلك أي طريق تمنحه شعورًا جيدًا وانتشاء سريعًا. 

فحرفيًّا ليس لدى ترامب أدنى فكره عما يفعله وليس لديه أية استراتيجية متكاملة؛ لأنه– وخلافاً لنظيره الصيني– لم يفكر في الأسئلة الكبيرة التي يبدأ أي زعيم يومه بها: ما العالم الذي أعيش فيه؟ وما أكبر الاتجاهات في هذا العالم؟ وكيف يمكن أن أعدِّل اتجاه بلدي حتى يستطيع عدد أكبر من المواطنين الاستفادة لأكبر قدر ممكن من هذه الاتجاهات والتخفيف من أسوأها؟
ولكن ما العالم الذي نعيش فيه؟ إنه عالم نمرّ فيه من ثلاثة  "تغيرات مناخية" في وقت واحد.

إننا نمرّ من تغير في المناخ الحقيقي: تغير تتسارع فيه الأحداث المناخية المدمرة وتدهور الأنظمة البيئية بشكل مطرد.

ونمرّ من تغير في "مناخ" العولمة: من عالم مترابط إلى عالم يعتمد بعضه على بعض، ومن عالم الجدران، حيث يبني المرء ثروته عبر جمع الموارد، إلى عالم الشبكات، حيث تزدهر عبر ربط مواطنيك بأكبر تدفق للأفكار والتجارة والابتكار والتعليم.

وأخيرًا، نمرّ من تغير في "مناخ" التكنولوجيا والعمل: فالآلات أخذت تكتسب كل الحواس الخمس، ومع البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي، فاليوم بات باستطاعة كل شركة تحليل وتحسين واستشراف وتكييف ورقمنة وأتمتة مزيد من الوظائف والمنتجات والخدمات، والشركات التي لا تقوم بذلك ستختفي وتندثر.

ولكن كيف تتجاوب الصين مع كل هذا؟ ففي تعاملها مع المناخ، تستثمر الصين بشكل كبير جدًا في الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية؛ لأن شعبها لن يستطيع التنفس إنْ لم تقم بذلك، ولأنها تدرك أنه في عالم سيزداد عدد سكانه بمليار نسمة إضافية بحلول نحو العام 2030، فإن الطاقة النظيفة وفاعلية الطاقة ووسائل النقل ستكون هي الصناعة العالمية العظيمة التالية، وإلا فلا أحد في أي مكان في العالم سيستطيع التنفس.

وفي تجاوبها لفكرة "العالم الأكثر ترابطاً"، تعمل الصين على تعميق علاقاتها مع كل الأسواق الآسيوية التي تنمو بسرعة حولها من خلال مشروع "حزام واحد، طريق واحد" وبنكها  "بنك التنمية الآسيوي"، بينما تسيطر بإحكام على سوقها الخاصة، وهو ما أُسميه  "العولمة لي، وليست لك".

ذلك لأن الصين بينما تشيد بالعولمة، فإنها تفرض رسومًا جمركية قدرها 25 % على السيارات المستوردة ومشاريع مشتركة ونقل التكنولوجيا على الشركات الكبيرة التي تريد الوصول إلى سوق الصين العملاقة. وقد أفلتت الصين بفعلتها هذه.

أما بخصوص التكنولوجيا، فإن الصين تنكب على مخطط يدعى "صنع في الصين 2025 " يستثمر الأموال والبحوث الحكومية لتسويق 10 صناعات استراتيجية ووضع قوانين وسرقة الملكية الفكرية من الخارج لجعلها تنمو بسرعة. هذه الصناعات تشمل المركبات الكهربائية، والمواد الجديدة، والذكاء الاصطناعي، والدوائر الإلكترونية المتكاملة، والصيدلة البيولوجية، والحوسبة الكمية، والجيل الخامس من شبكات الاتصال، والروبوتات.

ولكن ماذا عن ترامب؟ بخصوص تغير المناخ، يشجّع ترامب الفحم على الطاقة النظيفة، مثل طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، كما عيّن أشخاصاً معروفين بإنكارهم لتغير المناخ في كل المناصب البيئية المهمة، وبينما يدير الصين مهندسون، ليس لدى ترامب مستشار علمي واحد. 

وبخصوص العولمة، مزّق ترامب اتفاقية  "الشراكة عبر المحيط الهادي"، التي كانت ستضعه على رأس تكتل تجاري من 12 دولة (من دون الصين)، مبني على القيم والمصالح الأميركية، وكانت ستزيل 18 ألف تعريفة مفروضة على الصادرات الأمريكية إلى دول تسيطر، مع الولايات المتحدة، على 40 % من الناتج المحلي الخام العالمي. ثم ذهب إلى الصين وأمتدح بكين لهزيمتنا في مضمارنا! حسنا، يا دونالد، متى تنزع السلاح من جانب واحد، وهذا يمكن أن يحدث.

وبالمناسبة، فإن الدول الإحدى عشر الأخرى في اتفاقية "الشراكة عبر المحيط الهادي" تحاول الآن إنشاء منطقة التجارة الحرة – من دون الولايات المتحدة حتى بعد عقود من المحاولات الأمريكية  فتح جميع أسواقها، فهذه الدول سوف تفتح أسواقها من دوننا. أحسنت صنعًا، سيدي الرئيس، إن الصين تشكرك؛ لأن هذه الدول ستكون أكثر عرضة للضغط الاقتصادي الصيني مع تراجع وجودنا فيها.

أما بخصوص تغير مناخ التكنولوجيا، فإن ترامب يدفع بمشروع قانون خاص بالضرائب لا يستند إلى تحليل للتكنولوجيات الصاعدة، وكيف يمكن أن نصلح قوانينا الضريبية من أجل تحفيز مزيد من الاستثمار فيها، بل إن مشروع القانون سيقضي، في حال تمريره، على الائتمان الضريبي بالنسبة للسيارات الكهربائية والذي يبلغ 7500 دولار، وسيقلّص الائتمانات الضريبية المهمة جدًا لدعم وتشجيع مشاريع طاقة الرياح، وسيفرض ضريبة على أوقاف أغنى كلياتنا، أوقاف تستخدمها كلياتنا حالياً من أجل تمويل البحوث وتقديم المنح للطلبة المحتاجين.

وعلاوة على ذلك، فبينما تكتمل فيه مشاريع الطرق والسكك الحديدية الصينية وتعمل بكامل طاقتها، اشتكت الرابطة الأمريكية للطرق السريعة ومسئولو النقل في رسالة بتاريخ 9 نوفمبر لزعماء البيت الأبيض من أن مشروع قانون الضرائب "أحدث تغييرات كبيرة على بعض آليات التمويل المدعومة اتحاديا والمستخدمة للنقل"،  وعلى وجه التحديد "اقتراح إنهاء سندات النشاط الخاص المعفاة من الضرائب" التي تخدم " أداة تمويل البنية التحتية الهامة التي تجذب استثمارات القطاع الخاص إلى ...  مشاريع النقل الكبيرة في أنحاء البلاد. "

لذا يركز الصينيون على مشاريع الرياح العملاقة للتغيير، ويراهن ترامب على الداخل ويسحب حقيبة التخفيضات الضريبية بدلا من دعم الاقتصاد المتداعي. وإذا كنت لا تعرف إلي أين أنت ذاهب فإن أي تخفيض للضرائب سوف يوصلك هناك، أي بديل لمشروع "أوباما كير" سوف يوصلك هناك، أي جدار سوف يوصلك هناك، أي امتيازات تجارية سوف توصلك هناك.

وشخصياً، لستُ مقتنعاً بأن السياسة الصناعية الصينية، المصممة من الأعلى إلى الأسفل، ستجعل الصين عظيمة من جديد، ذلك أنها خلقت تحديات ضخمة بخصوص الديْن الداخلي تتعلق بصناعاتها المملوكة للدولة وفقاعات قطاعها العقاري، بل إنني متأكد من أن نظامنا الاقتصادي أفضل من نظامها الاقتصادي – نظريًّا.

ولكن الصين، وبفضل قدرتها على التركيز، تحقق على 90 % من أهداف نظامها المتدني، ما جعلها تشق طريقها بسرعة. بينما نحقق نحن – لأننا غير مركزين – على 50 % من أهداف نظامنا الأفضل. وإذا استمر ذلك، فلا شك أنه سيؤثر على ميزان القوة.

والآن صرتم تعرفون لماذا كان الصينيون شديدي السعادة بهذا الاستقبال الحار لترامب في بكين.

المصدر – نيويورك تايمز


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق