وسط انشغال ترامب بـ"كوريا الشمالية".. بكين تتوسع في بحر الصين الجنوبي


٢١ نوفمبر ٢٠١٧

ترجمة - شهاب ممدوح

ركّز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال جولته الآسيوية التي دامت 12 يومًا بصورة كبيرة على قضيتي كوريا الشمالية والتجارة, متفاديًا النزاعات المتأججة في بحر الصين الجنوبي, ومتحاشيًا توجيه انتقادات حادة لأنشطة بكين العدوانية المتزايدة هناك.

ومع تركيز إدارة ترامب اهتمامها على أماكن أخرى في الوقت الراهن, تمضي الصين قدما بهدوء في تنفيذ أجندتها في أحد أكثر الممرات المائية إستراتيجية, حيث تبني المزيد من المنشآت العسكرية على جزر اصطناعية لتعزيز مزاعمها التوسّعية, ولتوسيع وجودها بصورة هائلة في البحر على حساب جاراتها الأصغر حجما.

إن التقدم الذي تحرزه الصين بعيدا عن الأنظار في بحر الصين الجنوبي, قد يمثل أخبارًا سيئة للبلدان في تلك المنطقة, وللولايات المتحدة التي تأمل في الحفاظ على نفوذها في غرب المحيط الهادئ, وللنظام العالمي الذي تحكمه القوانين, والذي سعى لعقود لنشر السلام والرخاء في آسيا.

لقد أشار الرئيس الصيني "تشي جين بينج" خلال مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني في الشهر الماضي, إلى مسألة بناء الجزر في بحر الصين الجنوبي, حيث اعتبر ذلك أحد أهم إنجازاته حتى الآن, كما تفاخر ب "المتابعة الناجحة للحقوق البحرية". لكن يبدو أن هذه الحقوق تتعارض مع القانون الدولي: يعمل "تشي" الآن على طمأنة الجيران القلقين بأن الصين ستوفّر "ممرًا آمنًا" عبر البحار للبلدان الأخرى في المنطقة.

يقول "إيلي راتنر" الباحث في مجلس العلاقات الخارجية, والذي عمل مستشارًا لنائب الرئيس الأسبق جو بايدن:"لقد وقع بحر الصين الجنوبي ضحية لتركيز ترامب  المحدود على كوريا الشمالية, ولنهج إدارة ترامب البطيء والفوضوي في رسم السياسات".

إن الإجراءات الصينية الأخيرة في بحر الصين الجنوبي ليست مذهلة بنفس قدر عمليات البناء السريعة جدا لجزر مرجانية في السنوات الأخيرة, وهذه الجزر هي عبارة عن مشروع هندسي ضخم أطلق عليه أدميرال أمريكي كبير وصف "سور الرمال العظيم". وهذا أحد أسباب وضع النزاعات في بحر الصين في مؤخرة الاهتمامات خلال جولة ترامب المهمة.

يقول "إيفان ميديرس" من مركز "مجموعة اوراسيا" البحثي, والذي أشرف على إستراتيجية إدارة أوباما الخاصة بآسيا:"إن شعورهم بعدم وجود أزمة فورية أو على المدى المتوسط (في بحر الصين الجنوبي), جعلهم لا يضعون هذه القضية على رأس أولوياتهم".

لكن الخبراء يقولون إن تلك الخطوات الهادئة التي تتخذها الصين- ومنها توسيع قواعد عسكرية, وبناء محطات رادار واستشعار, وتشييد ملاجئ صواريخ محصّنة, ومخازن وقود, ومياه, وذخيرة- تهدد بتحويل قبضة الصين الخانقة المحتملة على المنطقة إلى حقيقة.  

لقد تركّز جزء كبير من هذه الأنشطة على ثلاث شُعب مرجانية تم تحويلها إلى جزر اصطناعية عبر عمليات تجريف واسعة النطاق: الشعب المرجانية الثلاث هي  Fiery Cross, و Mischief Reef, و suboi Reef الواقعة في جزر سبراتلي, على بعد 650 ميلاً من جزيرة "هاينان" في جنوب الصين. كشفت صور الأقمار الصناعية في شهر يونيو عن قبة كبيرة بُنيت على شُعبة Fiery Cross المرجانية مع وجود قبة أخرى قيد الإنشاء, ما يوحي بوجود منظومة كبيرة للاتصالات أو الرادار, حسب ما يقول الخبراء. أما في شُعبة Mischief Reef المرجانية, فكان العمال يركّبون قبتين أخريين.

تستطيع الصين عبر المدارج والحظائر المخصصة للطائرات المقاتلة, ومعدات الاتصالات الموجودة على الجزر الاصطناعية, أن تنشر طائرت عسكرية وصواريخ متى تشاء, معززة بذلك قبضتها على المنطقة, ومستخفّة بالقانون الدولي. يقول مسئولون في البنتاغون ومحللون في مجال الدفاع, إن القواعد الثلاث التي بُنيت مؤخرا في جزر "سبراتلي", فضلا عن قاعدة أخرى في جزيرة "وودي أيلاند" ستمكّن الطائرات الصينية من التحليق فوق كل بحر الصين الجنوبي تقريبا. وهذا قد يكون مقدمة لإقامة "منطقة تمييز الهوية لأغراض الدفاع الجوي" شبيهة بتلك التي أقامتها الصين في بحر الصين الشرقي عام 2013.

لقد وسّعت هذه القواعد الجديدة من انتشار الصين في البحر. حيث نشرت الصين المزيد من سفن البحرية, وسفن خفر السواحل, وأسطولاً من قوارب الصيد, وكل هذه السفن تتصرّف باعتبارها مليشيا بحرية موجودة هناك على مدار الساعة تقريبا. بمقدور السفن الآن أن ترسو في منطقة قريبة لإعادة التزوّد بالوقود أو المؤن, بدلاً من الإبحار إلى الوطن, ما يمدّد فترة بقائها في مواقعها, ويعزّز من قدرتها على فرض القوة الصينية عبر المنطقة. وهو ما يغيّر ميزان القوى هناك, حيث يتم إبعاد سفن الصيد وسفن خفر السواحل التابعة لدول أخرى مطالبة بحقها في المياه مثل فيتنام والفلبين من المناطق المتنازع عليها.

في هذا الصيف, على سبيل المثال, كانت فيتنام ترغب في التنقيب عن الغاز الطبيعي قرابة سواحلها. لكن الصين, حسب التقارير, استدعت السفير الفيتنامي لديها وهددت بإجراء عسكري إذا مضت "هانوي" قدماً في تطوير منطقتها الاقتصادية الخالصة. وبعد شعورها بعدم وجود دعم أمريكي كافٍ, تراجعت فيتنام بهدوء وأوقفت عمليات التنقيب.
يقول "جريجوري بولينج" الباحث في مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية:"الأعداد الهائلة للسفن الصينية بدأت في دفع الفلبينيين, والفيتناميين, والماليزيين إلى خارج المنطقة".

إن السياسة التي اتبعتها إدارة ترامب بعد أكثر من تسعة أشهر على توليها للسلطة إزاء قضية بحر الصين الجنوبي, تتناقض مع السياسة الأمريكية المتبعة خلال فترة حكم باراك أوباما- كما تتناقض سياسة ترامب حتى مع اللهجة التصعيدية التي تبناها مسئولو إدارته في بادئ الأمر. حيث أن إدارة أوباما ركّزت على الدبلوماسية, وسعت بصور حثيثة للالتزام بالقانون الدولي فيما يتعلق بذلك الممر المائي المتنازع عليه, بالرغم من امتناعها عن إرسال سفن البحرية الأمريكية إلى تلك المياه من أجل إرسال رسالة قوية إلى بكين.

إما إدارة ترامب, فقد اتخذت نهجًا معاكسًا تقريبا: أصبح إبحار سفن البحرية الأمريكية في تلك المياه من أجل تأكيد الحق في الملاحة أمرًا مألوفًا, لكن ما مِن إشارة حتى الآن تدلّ على وجود سياسة أمريكية جديّة للتصدّي دبلوماسيًا لهذه التجاوزات الصينية, أو لتقديم دعم لحلفاء الولايات المتحدة وشركائها الذين تهددهم بكين, حسبما يقول مسئولون سابقون, وخبراء, ودبلوماسيون أجانب.  

وبحسب "ميرا راب-هوبر", إحدى كبار الباحثين في مركز Paul Tsai China Center التابع لجامعة ييل Yale, فإن "افتقار ترامب لسياسة إزاء قضية بحر الصين الجنوبي, يجعل الصين صاحبة المبادرة".  

قال مسئولون أمريكيون سابقون ومساعدون سابقون في الكونجرس, إنه يبدو أن إدارة ترامب تتساهل فيما يخص قضية بحر الصين الجنوبي, فضلا عن قضايا التجارة, أملاً في الحصول على تعاون الصين في منع حصول كوريا الشمالية على الوقود والمال اللازمين لدعم برنامجها للأسلحة النووية. حتى الآن, لم تتخذ الصين إجراءات قاسية للضغط على نظام بيونج يانج, كما أن المسئولون الصينيون نفوا مزاعم ترامب بأن البلدين وجدا أرضية مشتركة فيما بينهما.

في ختام جولته الآسيوية, عرض ترامب "التوسُّط" بين فيتنام والصين, لكن ذلك أفزع المسئولين في "هانوي" الذين يخشون من أن تصبح بلدهم بيدقًا في لعبة أمريكية-صينية أكبر تتمحور حول كوريا الشمالية.
البيت الأبيض من جانبه رفض طلبات بالتعليق على نهجه المتبع حيال بحر الصين الجنوبي.

ومع ذلك, يشعر بعض المسئولين السابقين في إدارة أوباما بالتفاؤل بأن إدارة ترامب- المكبّلة بسبب نقص أعداد الموظفين في مواقع مهمة لديها, خاصة فيما يتعلق بالسياسة المتبعة تجاه آسيا- بدأت في صياغة سياسة أكثر اتساقًا تجاه تلك المنطقة, ويشمل ذلك التركيز بصورة أكبر على أنشطة الصين في بحر الصين الجنوبي. فعلى سبيل المثال, صدرت بيانات مشتركة في اليابان وفيتنام تشدّد على استمرار الدعم الأمريكي لحكم القانون, ولوضع حدّ لعمليات الإكراه في النزاعات البحرية.

قال "راتنر", المستشار السابق لجون بايدن, إنه يتوقع أن تسلك إدارة ترامب مسارًا أكثر فعالية مع ترسُّخ أقدامها في البيت الأبيض.

ويضيف راتنر:"يبدو أن الإدارة باتت لديها أخيرا سياسة قوية, وأنا أتوقع المزيد من التركيز على بحر الصين الجنوبي خلال الأشهر المقبلة" متابعًا حديثه بالقول "لذا, من السابق لأوانه القول إن تلك القضية ستبقى ذات أولوية متدنية".  
 
المصدر – فورين بوليسي
       

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق