بصمات النفوذ الصيني باتت في كل مكان


١٧ يناير ٢٠١٨

ترجمة - فريق رؤية
رؤية
المصدر – واشنطن بوست
ترجمة - شهاب ممدوح


تضمّنت استراتيجية إدارة ترامب للأمن القومي، التي كُشف عنها في الشهر الماضي، فقرة لم تنل حظًا وافرًا من الاهتمام، حيث دعت الفقرة لبذل جهد جديد لمكافحة النفوذ الصيني الذي يؤثر على الجامعات، والمؤسسات البحثية، واستديوهات الأفلام، والمؤسسات الإخبارية الأمريكية.

يقول المسؤولون إن التحقيقات التي يُجريها الكونغرس والإف بي آي بشأن التدخل الروسي في انتخابات 2016 الرئاسية، لن تتأثر بزيادة التركيز على الصين. وعوضًا عن ذلك، سيكون الهدف تسليط الضوء على الأنشطة الصينية التي عادة ما تجري دون حساب، لكن تأثيرها طويل الأمد يمكن أن يكون خطيرًا، نظرًا إلى تنامي ثروة الصين وقوتها.

يقول مسؤول رفيع في إدارة ترامب، إن هناك فريقًا مشتركًا بين الوكالات تابع لمجلس الأمن القومي يعمل على تنسيق جهود الإدارة لدراسة الأنشطة الصينية التي "تقع خارج إطار التجسس التقليدي، في المنطقة الرمادية الخاصة بعمليات النفوذ السري". والمنطق الذي يكمن وراء ذلك، كما يتضح من تلك الوثيقة الإستراتيجية المؤلّفة من 55 صفحة، هو أن "منافسو أمريكا يستخدمون المعلومات كسلاح لمهاجمة القيم والمؤسسات التي تقوم عليها المجتمعات الحرّة، بينما يحمي هؤلاء المنافسون أنفسهم من المعلومات الخارجية".

ومن أجل التصدّي لتلك العمليات الصينية، تسير الإدارة الأمريكية على خيط رفيع بين مساعدة الأكاديميين وخبراء المؤسسات البحثية والصحفيين الأمريكيين من جهة، وتأجيج الرأي العام وإثارة قلقه إزاء أنشطة بكين من جهة أخرى. يقول المسؤولون إنهم يرغبون في تفادي الهستيريا التي حدثت في خمسينيات القرن الماضي- لكنهم يرغبون أيضا في مساعدة المؤسسات الأمريكية على مقاومة ترهيب الحزب الشيوعي الصيني الذي بات يملك ثروة وثقة بالنفس وقدرة على الإغراء لم تعهدها روسيا الشيوعية من قبل.  

قال المسؤول الرفيع في الإدارة الأمريكية في مقابلة يوم الثلاثاء، إن الهدف "ليس القوة الصينية الناعمة والمتمثلة في تبادل الأشخاص والأفكار، وهو أمر نرحّب به. ما نتحدث عنه هو ممارسة أنشطة سريّة وقسريّة هدفها التأثير على الانتخابات، والمسؤولين، والسياسات، وقرارات الشركات، والرأي العام".

عبّر "كورت كامبل"، الذي أشرف على السياسة الخاصة بآسيا أثناء عهد أوباما والذي يدير الآن مجموعة استشارية خاصة بآسيا، عن دعمه الحذر لتلك الخطوة: "يمكن للتحقيق الذي يقوده مجلس الأمن القومي بشأن جهود الصين لبسط نفوذها، في حالة إجرائه باحترافية بعيدًا عن العواطف، أن يكون مفيدًا. نحن نركّز في معظم الوقت على جهود روسيا لنشر نفوذها. لكن الصينيين لديهم جدول أعمال أكثر مكرًا وتعقيدًا".
إن إجراء أستراليا لتحقيق بشأن نفوذ الصين على أراضيها، كان أحد دوافع إجراء إدارة ترامب لهذا التحقيق، حيث كشفت التحقيقات في أستراليا عما وصفه رئيس استخباراتها بتدخل أجنبي "غير مسبوق" يمكن أن يضرّ بسيادة أستراليا. كما اقترح رئيس الوزراء الأسترالي فرض ضوابط جديدة في شهر ديسمبر.

لقد عرض مسؤول الإدارة أمثلة للطرق التي يمكن للصين من خلالها التأثير على المؤسسات الأمريكية:

• تستضيف الجامعات الأمريكية ما يزيد على 350 ألف طالب صيني، يشكّلون نحو ثلث مجموع الطلاب الأجانب هنا. تشجع بكين الطلاب على الانضمام للأفرع المحلية التابعة لمؤسسة "الطلاب والأساتذة الصينيين". ويتعرض الطلاب أحيانا لضغوط. يستشهد المسؤول الأمريكي الرفيع بحالة طالب صيني من أسرة معارضة، حيث حذره زميل له من مغبة مشاركة معلوماته الشخصية، لأن ذلك الصديق سيرسل تلك المعلومات للاستخبارات الصينية.

إن الطلاب ومسؤولي الجامعة الذين يقاومون بكين، يمكن أن يدفعوا ثمن موقفهم ذلك. إذ أُجبرت طالبة صينية تخرجت حديثا من جامعة "ماريلاند" العام الماضي على تقديم اعتذار بسبب تعليق لها تمدح فيه حرية التعبير، وذلك عقب حملة تشهير شُنت ضدها على وسائل التواصل الصينية. وفي جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، أثارت دعوة قدمتها تلك الجامعة ل "الدالاي لاما" احتجاج إحدى المؤسسات الطلابية الصينية المحلية، كما صدرت تحذيرات بأن جامعة كاليفورنيا لن تتلقى المزيد من الطلاب الصينيين، وبأن شهادات خريجيها قد لا يُعترف بها في الصين.

• تتوق المؤسسات البحثية لدراسة الصين، لكن المال اللازم لإجراء الأبحاث يأتي غالبا من رؤساء شركات تربطهم علاقات وثيقة ببكين. وهذا يمكن أن يؤدي لانحياز تلك المؤسسات للصين. يقول المسؤول الرفيع في الإدارة، إنه أجرى محادثات مع قادة تلك المؤسسات البحثية، وأكد خلالها أن " هناك حاجة لتسليط مزيد من الضوء على هذا الأمر. فنحن نعتقد أن ضوء الشمس هو أفضل مطهِّر".

• تواجه إستدويوهات هوليود مشكلة حسّاسة بصورة خاصة، لأن شباك التذاكر داخل الصين مهم للغاية لهم. إذ ارتفعت مبيعات التذاكر في الصين من 1،5 مليار دولار في عام 2010 لتصل إلى 8،6 مليار دولار العام الماضي، محتلة المركز الثاني بعد مبيعات تذاكر أمريكا. إن إستديوهات الأفلام في أمريكا تخشى حتما من الإساءة لحساسيات المسؤولين الصينيين.

• المؤسسات الإخبارية هي الأخرى يمكن أن تواجه ضغوطًا. إذ يمكن أن تحدّ الصين من منح تأشيرات الدخول للصحفيين، أو عرض منشورات تعتبرها عدوانية للغاية. فعقب نشر وكالة "بلومبيرج نيوز" لمعلومات عن ثروات عائلات القادة الصينيين، منعت الصين مؤقتا مبيعات منصات البيانات المالية التابعة لبلومبيرج في الصين، وهي خطوة قد تكون مؤلمة للغاية لبلومبيرج.

إن المظهر الخارجي العصري والبرّاق للصين، عادة ما يُقنع الغرباء بأنها بلد عادي يشبه الدول الغربية. لكن "بيتر ماتيس"- وهو محلل سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ويعمل الآن لحساب مؤسسة "جيمس تاون" في دراسة أنشطة الصين لبسط النفوذ- يقول إن الأمر ليس كذلك. يقول "ماتيس" إنه عندما يتفاعل قادة الفكر الأمريكيون مع ممثلي الصين، فإن "قناة التواصل" لا تكون مفتوحة وانسيابية، لكنها تكون عبارة عن دائرة مُتحكم بها.

لم يسبق أن واجهت أمريكا غريمًا مثل الصين، التي تشكّل عبر قوتها وتمويلها الجيد تحديًا ضد القيم الديمقراطية. إن أمريكا بالتأكيد ليست بحاجة إلى "فزع أحمر" جديد- أي الخوف من الشيوعية- لكنها ربما بحاجة إلى صيحة إيقاظ.                   

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية سياسة الصين الصين

اضف تعليق