كارنيجي | الهنديات يصوّتن.. هل يتغير المجتمع الهندي بمشاركة النساء في الانتخابات؟


١١ نوفمبر ٢٠١٨

ترجمة - آية سيد
هل النساء الهنديات يصوّتن بمعدلات أكثر من قبل؟
النساء في الهند يدلين بأصواتهن بصورة أكثر تواترًا, وبأعداد أكبر. اليوم, أصبحت نسبة مشاركة النساء أعلى من الرجال في ثلثي انتخابات الولايات الهندية. هذا تحول مذهل في الأحداث في مجتمع أبوي محافظ بشدة.

لماذا يُعد هذا مفاجئًا؟
كان الرجال في الهند يشاركون في التصويت بأعداد أكبر من النساء, بحسب البيانات المتوفرة. في 2004, تقدم الرجال على النساء في نسبة المشاركة بـ8,4 نقطة مئوية في الانتخابات الوطنية. لكن بحلول 2014, انكمشت هذه الفجوة لتصل إلى 1,8 نقطة مئوية.

لماذا يحدث هذا؟
يظل هذا أشبه باللغز. هناك على الأرجح مزيج من العوامل: المزيد من النساء يرغبن في التصويت, والمؤسسات تشجعهن أكثر على الذهاب إلى لجان الاقتراع.

يرتفع مستوى النساء الهنديات في التعليم, والثقافة, والثراء. ربما يجعلهن هذا أكثر وعيًا من الناحية السياسية. لقد كنّ يشاركن أيضًا في التنظيم الجماعي بأعداد غير مسبوقة, عادةً من خلال مجموعات محلية صغيرة حيث تشجع النساء بعضهن البعض على ادّخار المال وتجميع مواردهن لتوفير الاحتياجات الطارئة. تشير بعض الأدلة إلى أنه عندما تشارك النساء في هذه الشبكات الاجتماعية, فإنهن مرجحات أكثر للمشاركة في السياسة. لم تتشكل هذه المجموعات لتحقيق أهداف سياسية, لكن ربما يكون لها تبعات سياسية.

كانت مؤسسات الدولة أيضًا تحاول أن تجعل التصويت أسهل على النساء. على سبيل المثال, كانت لجنة الانتخابات الهندية تحاول تشجيع المزيد من النساء على التصويت عن طريق تحسين أمن مراكز الاقتراع للحد من ترهيب الناخبين وعن طريق إقامة طوابير منفصلة للنساء في يوم الانتخابات.

لماذا هذا التحول في الهند بالتحديد؟
لعقود, كان التصويت في الهند خاضعًا لهيمنة الرجال؛ ولأن الكثير منهم كانوا يشاركون دائمًا في التصويت, فليست مفاجأة أن أحزاب التيار الرئيسي لم تر النساء جمهور ناخبين حيوي يستحق التودد إليه.

يبدو منطقيًا أن بعض المخاوف التي تؤثر على النساء على نحو غير متكافئ – مثل السلامة العامة أو الرعاية الصحية – تحتل مكانًا ثانويًا؛ لأن النساء اتجهن تاريخيًا لأن يكنّ أقل انخراطًا في السياسة من الرجال.

هل يعني هذا التحول أن النساء يصوّتن في الهند أكثر من الرجال عمومًا؟
لا, لا يعني هذا. المزيد من النساء يصوّتن أكثر من ذي قبل, لكن الحجم العام ككتلة تصويت لا يزال متأخرًا عن الرجال.

هذا لأنه على الرغم من أن نسبة مئوية أعلى من الناخبات الإناث يذهبن إلى لجان الاقتراع, هناك انعدام توازن كبير بين الجنسين في عموم سكان الهند. وفقًا للتعداد السكاني لعام 2011, كانت الدولة بها 943 امرأة تقريبًا لكل ألف رجل. هذا يضع الهند بالقرب من المؤخرة عند 186 من أصل 194 دولة, وفقًا للبنك الدولي.

هذا يعني أنه, بالرغم من التقدم, تعاني النساء الهنديات من ضربة مزدوجة في صناديق الاقتراع: علاوة على التفضيل الراسخ للأبناء (الذي ينتج عنه إجهاض انتقائي للجنس غير قانوني وفرص تعليمية للفتيات أقل من الأولاد), النساء أقل ترجيحًا من الرجال لأنْ يُسجلن للإدلاء بأصواتهن.

هل حقيقة أن المزيد من النساء يصوّتن تصنع فرقًا فيما يخص السياسة؟
يبدو هذا. بينما تصبح النساء الهنديات أكثر اهتمامًا بالسياسة, يبدو أن هذا يغير كيف ينظم المرشحون حملاتهم وكيف يحكمون بمجرد توليهم المنصب.

على سبيل المثال, في ولاية بهار, سنّ كبير الوزراء نيتيش كومار قانونًا صارمًا جديدًا لمكافحة الكحول في 2015 عندما أُعيد انتخابه. قال كومار إن ما حفّز هذا الحظر هو الوعد الذي قطعه للنساء أثناء حملته الانتخابية, عندما أخبرته النساء أن إدمان الكحول المنتشر يدمر عائلاتهن ومجتمعهن.

بينما تستعد الهند للانتخابات العامة في 2019, أصبح وضع النساء نقطة محورية في خطاب الحملات الانتخابية. رئيس الوزراء ناريندرا مودي جعل ما وُصفت بأنها سياسات صديقة للمرأة السمة المميزة لبرنامجه الانتخابي.

يقول مودي باستمرار أن جهود إدارته لتحسين الصرف الصحي, وتحسين إعانات الرعاية الاجتماعية (لصالح أمور مثل تعليم الفتيات ومنح وقود نظيف للطهي), وضمان أن تكون المصرفية الشاملة تحولية لنساء الهند. هذا لأن أعباء توفير الخدمات غير الكافية تقع على عاتق النساء على نحو غير متكافئ. النساء مرجحات أكثر لتحمل المهام المنزلية اليومية مثل جمع المياه للاستخدام اليومي, أو رعاية الأطفال المرضى. تبنت الأحزاب المعارضة هذه الصيغة أيضًا, لمواجهة مزاعم مودي.

كم عدد النساء اللائي يترشحن مقارنةً بالسابق؟
ارتفع عدد المرشحات الإناث, لكن لا يزال أمامهن طريق طويل.

في عام 1962, في أول انتخابات عامة يتوفر لها بيانات عن نوع الجنس, كان 3,7 في المائة من المرشحين نساء. ظل هذا الرقم كما هو حتى عام 1991. في التسعينيات, بدأت نسبة النساء المرشحات في الارتفاع, بفضل الضغط الأكبر على الأحزاب السياسية لاختيار مرشحات إناث.

في 2014, كان 8 في المائة من المرشحين في السباق البرلماني نساء. يُعد هذا تحسنًا كبيرًا لكنه يبقى نسبة ضئيلة من حيث الأرقام المطلقة.

وفقًا للبيانات التي جمعتها فرانسيسكا جنسينيوس عن انتخابات الولايات الهندية, فإن الأمور ليست أفضل على مستوى الولايات. في الفترة بين 2011 و2015, 7,3 في المائة فقط من المرشحين لرئاسة الولايات كانوا نساء.

ما نوع المناصب السياسية التي تترشح لها النساء الهنديات؟
وجدت الأبحاث أن النساء الهنديات مرجحات أكثر للترشح في نوعين من الدوائر الانتخابية. أولًا, المرشحات الإناث شائعات في الدوائر الانتخابية التي بها نسبة رجال أكبر نسبيًا من النساء. هذا مدهش, لأنه قد يتوقع المرء أن النساء يترشحن حيث يكون لهن تمثيل أفضل بين السكان. لكن لا يبدو أن هذا هو الحال.

ثانيًا, النساء مرجحات أكثر للترشح في الدوائر الانتخابية المحجوزة للمجموعات المحرومة تاريخيًا. تمتلك الهند واحدًا من أنظمة العمل الإيجابي الأكثر تقدمًا في العالم. إن ربع المقاعد التشريعية تقريبًا على مستوى الولايات والمستوى الوطني محفوظ لمجموعتين: الطبقات المصنفة والقبائل المصنفة.

هذان النمطان محيران, وعجز الباحثون عن تحديد السبب الدقيق. تقول واحدة من النظريات عن نسبة الجنس إن النساء يتجهن إلى الترشح حيث يضعف تمثيلهن وسط السكان لأن الانضمام إلى المعركة الانتخابية هو الطريقة الوحيدة لكي تصبح أصواتهن مسموعة. في الأماكن التي يوجد بها توازن أكبر بين الرجال والنساء, يسير المنطق بأنه ربما القوة في الأرقام تعني أن النساء لا تحتاج بالضرورة لأن تصبح سياسات كي يمارسن النفوذ.  

إن الصلة بين المقاعد المحجوزة وترشح النساء على الأرجح لها علاقة بالانتهازية السياسية. تجد الأحزاب السياسية أنه من الأسهل إبعاد الرجال الشاغلين للمقاعد المحجوزة لصالح النساء لأن الرجال من هذه المجتمعات المحرومة يُنظر لهم على أنهم يمكن الاستغناء عنهم أكثر من الشاغلين الذكور الآخرين. تحتاج الأحزاب للوفاء بحصتها من المرشحات الإناث في مكان ما, وترى أن هذه المقاعد هي الأقل قيمة وأسهل خيار. مع الأسف, التسلسل الهرمي لنظام الطبقات يتواجد داخل الأحزاب السياسية أيضًا.

إلى أي مدى النساء مرجحات للفوز عندما يترشحن للمنصب؟
عندما يترشحن, تتحمل النساء الهنديات أكثر من طاقتهن. على سبيل المثال, 8,1 في المائة من المرشحين البرلمانيين في 2014 كانوا نساء, لكن 11,6 في المائة من الرابحين النهائيين كانوا نساء.   

هذا لا يعني بالضرورة أن النساء سياسيات أفضل من الرجال. من الممكن أن النساء مرجحات أكثر للطعن على نتيجة الانتخابات في معاقل الحزب أو الترشح لمقاعد أقل تنافسية.

تدرس الحكومة الهندية خطة لزيادة تمثيل النساء عبر توفير حصص للإناث ضمن الأعضاء التشريعيين, مثل تلك التي وفّرتها الدولة للأقليات الأخرى. إن مشروع القانون المقترح سيحفظ للنساء ثلث المقاعد التشريعية على المستوى الوطني ومستوى الولايات. في حين أن معظم الأحزاب تدعي دعمها للخطوة, غير أن المفاوضات تعرقلت بسبب التساؤل عما إذا كان ينبغي تخصيص حصص فرعية للطبقات المختلفة داخل حصة النساء هذه.

هل أثرت حركة (#METOO) على السياسة الهندية بشكل ملموس, أم أنها كانت موضوعًا رائجًا على وسائل التواصل الاجتماعي؟
استغرقت حركة #MeToo وقتًا طويلًا للانتشار في الهند. لكن في الشهر الماضي, انفجر وسم #MeToo على وسائل التواصل الاجتماعي, حيث بدأت النساء الهنديات التحدث عن معاناتهن من التحرش اللفظي والجسدي داخل وخارج مكان العمل.

هذه الاتهامات أثّرت على عالم الأفلام, والإعلام, والأعمال التجارية, وحتى السياسة. على سبيل المثال, وزير الشئون الخارجية السابق "إم جيه أكبر" واجه اتهامات بالاعتداء من أكثر من 21 امرأة وأُجبر على الاستقالة على خلفية هذه الاتهامات. على الرغم من أن "أكبر" لا يزال يحتفظ بمقعده البرلماني وتعهد بمحاربة هذه الاتهامات, بيد أن استقالته من منصبه كوزير كانت انتصارًا كبيرًا للحركة. ربما تظهر المزيد من الفضائح لرجال السياسة في الأسابيع والشهور القادمة.

هل وجود المزيد من الناخبات والمرشحات والسياسيات الإناث سيغير فعلًا التوجهات الثقافية الهندية تجاه دور المرأة في المجتمع؟
هناك بعض الأدلة على أن وجود المزيد من النساء في المنصب يغير التصورات عن نوع الجنس.

على سبيل المثال, إحدى الدراسات عن العمل الإيجابي للنساء في السياسة المحلية الهندية، وجدت أنه في حين أن وجود سياسيات إناث لا يعني بالضرورة أن الناخبين لن يفضلوا القادة الرجال, لكن هذا يساعد في الحد من الصور النمطية عن دور الجنسين في الحياة العامة والخاصة.

وجدت دراسة أخرى أن وجود سياسيات إناث قد يكون نافعًا بشدة للتطلعات والتحصيل العلمي للفتيات اللائي يعشن في دائرة اختصاصهن. وجد بحث آخر أن الممثلات الإناث مرتبطات بالمستوى الأعلى للنمو, وكذلك أيضًا بالمستوى الأقل للفساد والانتهازية السياسية.

هل النساء الهنديات مرجحات أكثر للتصويت لصالح المرشحات الإناث؟
لا. لا توجد أدلة تشير إلى هذا. الأحزاب التي تقودها نساء بارزات لا تحقق نتائج أفضل من الأحزاب الأخرى لدى الناخبات الإناث,  على الرغم من أن هذا ربما يتغير.

وجدت دراسة أخرى أن توفير المزيد من الأمن عند لجان الاقتراع يشجع المزيد من النساء على التصويت – لكن حصة أصوات المرشحات الإناث تنخفض نتيجة لهذا. أحد التفسيرات المحتملة هو أن الكثير من النساء الهنديات, مثل الرجال, لديهن تحيزات متأصلة ضد القيادة النسائية.

في الوقت الذي تصوّت فيه المزيد من النساء.. هل سينضممن أيضًا إلى القوى العاملة بأعداد أكبر؟
لا, لن يفعلن هذا. هذا تناقض رئيسي في المستقبل السياسي والاقتصادي للهند. بالرغم من تمتعهن بتمكين اجتماعي وسياسي غير مسبوق, تترك النساء الهنديات القوى العاملة بوتيرة سريعة.

هذه علاقة إحصائية معروفة تأخذ شكل حرف (U) بين دخل الفرد ومشاركة الإناث في القوى العاملة. في البلاد الفقيرة جدًا وفي البلاد الغنية جدًا, تتجه النساء للمشاركة في القوى العاملة بمعدلات أعلى.

لكن في منتصف توزيع الدخل, تنخفض مشاركة النساء, حيث تصل الأسرة إلى الحد الأدنى لدخل الفرد مما يشجع (أو يُجبر) النساء على البقاء في المنزل.

بالمقارنة مع الدول ذات مستويات الدخل المشابهة, معدل مشاركة الإناث في القوى العاملة في الهند يمثل قيمة مختلفة.

بالإضافة إلى هذا, ازداد معدل النساء الهنديات اللاتي يعملن خارج المنزل سوءًا. ووفقًا لمنظمة العمل الدولية, تحتل الهند المرتبة 121 من أصل 131 دولة في مشاركة الإناث في القوى العاملة. اليوم, رُبع نساء الهند تقريبًا جزء من القوى العاملة, مقارنة بأكثر من الثلث في 2005.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق