لماذا يجب أن تكون الحكومة اللبنانية أكثر حرصًا عند الحديث عن اكتشافات النفط والغاز؟


١٥ فبراير ٢٠١٨

ترجمة - شهاب ممدوح

تعوّل الحكومة اللبنانية على اكتشافات النفط والغاز من أجل بناء مستقبل مشرق جديد للبنان. لكن هناك تحديات بدأت للتوّ في الظهور أمام هذا البلد الصغير الذي فقد شعبه الثقة في السياسيين, والذي يعاني من صراعات جيوسياسية مستمرة.

نشر وزير الطاقة اللبناني "سيزار خليل" تغريدة على موقع تويتر يقول فيها: "مبروك للبنانيين... دخول لبنان نادي الدول النفطية" وذلك عقب إغلاق لبنان أول جولة تراخيص للتنقيب على النفط في الخريف الماضي. وافقت الحكومة اللبنانية في الرابع عشر من ديسمبر 2017 على عرض من قِبل كونسورتيوم (اتحاد شركات) يضم شركات توتال الفرنسية وإيني الإيطالية ونوفاتك الروسية للاستكشاف وإنتاج النفط في منطقتين بحريتين, وذلك بعد تأجيل تلك العملية لثلاث سنوات بسبب فشل الأحزاب السياسية في ترشيح رئيس للجمهورية والمصادقة على تشريعات مهمة.

إن التوقعات السياسية كبيرة فيما يتعلق بهذه الاكتشافات, كما يعكف مجلس النواب على البحث في مشاريع قوانين تهدف لتأسيس صندوق ثروة سيادية وشركة نفط وطنية. لكن ثمة خطر من أن لبنان يبالغ في تفاؤله.

تقول التقديرات إن لبنان يمتلك احتياطيات من الغاز الطبيعي تبلغ 25 تريليون قدم مكعب, وفقا لدراسات , لكن عمليات التنقيب لم تؤكد هذا الأمر, كما أن هذه الاحتياطيات ربما تكون غير مجدية تجاريًا. إن الشعب اللبناني, الذي عبّر عن خيبته وعدم اكتراثه بسبب التأجيلات المتكررة والشلل السياسي, سيكتشف خديعة الحكومة اللبنانية لو اتضح أن هناك أبارًا جافة, أو كانت الاكتشافات المستقبلية غير مجدية تجاريًا, أو إذا لم تؤد تلك الاكتشافات إلى إحداث التغيير النوعي الذي وعدت به الحكومة.

إدارة التوقعات
لقد أجّج عدد من السياسيين آمال اللبنانيين إزاء قدرة القطاع النفطي على تغيير حياتهم. إذ قال وزير النفط اللبناني آنذاك "جبران باسيل", في ديسمبر 2013, إن عائدات النفط والغاز ستحقق "الاستقلال الاقتصادي" لبلده, وتسدد الدين العام, وتخلق الوظائف وتنشر الثروة. كما انتشرت لوحات إعلانية كبيرة فى أرجاء البلاد هدفها الترويج لتلك الوعود. تداول مسؤولون حكوميون أرقامًا بشأن موارد الطاقة المحتملة, قائلين إن هناك احتمال بنسبة خمسين بالمائة لوجود احتياطيات غاز طبيعي تبلغ 95,5 تريليون قدم مكعب, وهو الرقم الذي فسّره غير الخبراء بأنه احتياطات مؤكدة. أما الاحتياطيات النفطية فلن يُعلم حجمها حتى إجراء عمليات حفر الآبار.

ينبغي على الحكومة اللبنانية أن تشرح للشعب أن هناك احتمالًا كبيرًا بفشل عمليات الاستكشاف, وأن رحلة الإنتاج ستكون طويلة. لن تبدأ عملية التنقيب قبل عام 2019. إن الكونسورتيوم (اتحاد الشركات) ملتزم بحفر بئرين في عام 2019, كل واحد منها في رقعتين منفصلتين. ومن المحتمل أن تكون هناك آبار جافة. وفقا لبيانات مؤسسة "ريتشموند إينرجي بارتنرز", فإن معدلات النجاح التجاري في عمليات الاستكشاف بين عام 2012 و 2016 كانت 31 بالمائة إجمالاً, و7 بالمائة بالنسبة للأقاليم الحدودية مثل لبنان. لو كان هناك اكتشاف, فإن عائدت الإنتاج لن تأتي على الأرجح قبل مرور عشر سنوات بعد أول جولة تراخيص.

إذا لم يجر شرح طول الفترة الزمنية اللازمة للإنتاج (المحتمل) والعقبات التي ستظهر في الطريق, فإن المواطنين ربما سيفترضون (على أسس وجيهة) أن غياب العائدات يعود إلى الفساد. إن "مؤشرات الحوكمة العالمية" الصادرة عن البنك الدولي, تضع لبنان في المرتبة الرابعة عشر على مستوى العالم في عام 2016 من ناحية تصورات "ضبط الفساد", ما يشير إلى وجود أرضية خصبة لانعدام ثقة الشعب في تعامل الحكومة مع عائدات النفط.

إن تبنّي الحكومة اللبنانية لاستراتيجية إعلامية منسّقة موجهة للجمهور فيما يتعلق بالقطاع النفطي, سيساعد في إيصال رسالة متوازنة بشأن فرص هذا القطاع. ولاستعادة الثقة, ينبغي على الحكومة أيضا إتاحة عقود الطاقة لعامة الجمهور, وجعْل عمليات استدراج العروض منفتحة وتنافسية.

التخفيف من المخاطر الجيوسياسية
إن برنامج التنقيب في لبنان تكتنفه مخاطر جيوسياسية كبيرة. إذ أن إحدى الرقع البحرية تقع في منطقة بحرية متنازع عليها مع إسرائيل مساحتها 860 كيلو متر مربع. لقد كانت الحدود قضية ساخنة لسنوات عديدة بين هذين البلدين, اللذين يعتبران من الناحية التقنية في حالة حرب. لقد قامت إسرائيل ولبنان بترسيم مناطقهما الاقتصادية الخالصة بصورة منفردة, لكن عمليات الترسيم المنفردة تلك لا يمكن اعتبارها نهائية من الناحية القانونية.

عند رسم خريطة المساحات التي ضمّت المياة المتنازع عليها مع إسرائيل, حاول المسؤولون اللبنانيون, عن حق, احتواء التوتر بالقول إن هذه الخريطة تهدف لتأكيد الحقوق السيادية للبنان, وأن الشركات غير مضطرة للتنقيب في تلك المنطقة. لكن منح لبنان حق التنقيب لكونسورتيوم من الشركات في شهر ديسمبر الماضي, يؤدي لنشوء حالة عدم يقين جديدة, لأن الكونسورتيوم تعهّد بالتنقيب في تلك المنطقة.

إن التوتر الجيوسياسي بين البلدين تعود جذورة إلى قضايا أخرى تتجاوز مسألة موارد الطاقة, كما شهد العام الماضي تصعيدًا في المواقف العدائية بين البلدين. مع اقتراب نهاية الصراع السوري, ومحاولة السعودية وإسرائيل احتواء التوسُّع الإيراني في المنطقة, ربما قد يتحول لبنان لمسرح لحرب بالوكالة. في ضوء تلك التوترات الإقليمية المتصاعدة, فإن تطوير موارد الطاقة في المياة المتنازع عليها أو بالقرب منها, قد يشعل فتيل الحرب.

إن التخفيف من حدة هذه المخاطر هو أمر مهم. ولتخفيف التوترات, يمكن لحكومة لبنان أو كونسورتيوم الشركات التوضيح بأن عمليات التنقيب ستقتصر على الرقعة البحرية التي فازت بها تلك الشركات. يكمن الحل طويل الأمد في تسوية النزاع الحدودي عبر الوساطات. لكن المسارات القانونية -التحكيم وإرسال القضية لمحكمة العدل الدولية- تسبب إشكالية, لأنها تتطلب التزامًا من الطرفين باحترام قرار المحكمة, والاعتراف بولايتها القضائية, والخيار الأخير يتطلب اعتراف لبنان بدولة إسرائيل.

لقد تغلّب لبنان على العديد من التحديات الداخلية للوصول إلى هذه المرحلة في تطوير قطاعه النفطي, لكن طريق الانضمام ل "نادي الدول النفطية" طويل ومحفوف بالمخاطر, والتحديات الحقيقة بدأت الآن تتشكل. إن التخفيف من حدّة المخاطر الإقليمية وإدارة توقعات الجمهور, هما أمران مهمان لوضع البلاد على الطريق الصحيح.  

المصدر - تشاتام هاوس


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مظاهرات لبنانية

اضف تعليق