فورين بوليسي | بعد استقالة بوتفليقة.. ما هي أبرز التحديات التي تواجه مستقبل الجزائر؟


٠٤ أبريل ٢٠١٩

ترجمة - آية سيد



في انتصار لملايين الجزائريين, أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يوم الاثنين عن نيته للاستقالة قبل نهاية أبريل. يأتي هذا الإعلان بعد استبدال 21 من أصل 27 وزيرًا من وزراء الدولة وبعد دعوة رئيس الأركان أحمد قايد صالح للمحكمة الدستورية بالإعلان أنّ بوتفليقة لا يصلح للحكم. أما المتظاهرون, الذين ينظمون الاحتجاجات كل جمعة منذ منتصف فبراير, فعارضوا في البداية ترشح بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة حينها في أبريل. لقد اكتسبوا الزخم بعد أن ألغى الرئيس الانتخابات كلية, متعهدًا بإقامة مؤتمر وطني بدلًا منها، ورفض المحتجون هذا المقترح, حيث إنه اقتضى ضمنًا مد الولاية الرابعة لبوتفليقة إلى أجل غير مسمى؛ فيما عني إعلان الجيش أنه أيضًا يعارض الخطة. هذه التطورات تُعد بمثابة فوز للحركة الاحتجاجية, لكن تبقى تحديات كبيرة. وسيواجه أي رئيس محتمل تحديات اقتصادية واسعة الانتشار, وغياب القائد الواضح أو البرنامج السياسي الموحد قد يحبط الحركة الاحتجاجية. وتبدو روسيا, وهي واحدة من أكبر حلفاء الدولة ومزوديها بالسلاح, مؤيدة لفترة انتقالية بوساطة القوى القائمة.

إن إعلان صالح خطوة في منتهى الأهمية: كان الجيش فاعلًا مركزيًا في السياسة الجزائرية منذ الاستقلال عام 1962، وخلال حرب التحرير التي بدأت من عام 1954 حتى 1962, عندما عزلت الدولة نفسها عن الحكم الاستعماري الفرنسي, كان جيش التحرير الوطني (الذي سيتحول لاحقًا إلى الجيش الوطني الشعبي) فعالًا في هزيمة الفرنسيين. وبسبب دوره التاريخي كرمز ومحرك للهوية القومية, ظل الجيش مشاركًا في الشئون المدنية عن كثب. لقد اختار, أو وافق على, أو عزل كل رئيس منذ 1962. لقد تدخل قادته لإلغاء الانتخابات التشريعية لعام 1992, بعد الانتصارات الساحقة التي حققها الحزب الإسلاموي البارز, الجبهة الإسلامية للإنقاذ, في الانتخابات الإقليمية وانتخابات المحليات. وأطلقت هذه الخطوة العنان لحرب أهلية مدمرة بين الحكومة (التي تشمل الجيش) وجهات فاعلة إسلاموية مسلحة والتي استمرت لقرابة العقد وحصدت أرواح تُقدّر من 150 ألف إلى 200 ألف شخص، يُعتقد أن ذكرى هذه الحرب سبب رئيس في أن الاحتجاجات كانت سلمية حتى الآن.

قبل إعلان بوتفليقة, كان الجيش قد دعا إلى تطبيق المادة 102 من الدستور, التي من شأنها أن تفوض رئيس مجلس الأمة الحالي لتولي مهام بوتفليقة لمدة لا تقل عن 45 يومًا ولا تتجاوز 135 يومًا, إلى أن تُعقد انتخابات جديدة. ستُفعّل المادة بشرط أن تؤكد المحكمة الدستورية والبرلمان عدم أهلية بوتفليقة كرئيس، بيد أن معظم المعارضة رفضت خارطة الطريق هذه, داعية لتشكيل حكومة من أشخاص لم تكن لهم مشاركة مسبقة في السياسة لتنظيم الانتخابات الجديدة, بدلًا من السماح للاعبي القوى القائمة بفرض الفترة الانتقالية.

إن إصرار آلاف المحتجين الباحثين عن تمثيل حقيقي واستجابة سلمية مستدامة من الحكومة   يشير إلى إمكانية للإصلاح الحقيقي في حكومة الجزائر. لكن المعوقات والمخاطر طويلة الأمد المتعددة ربما لا تزال تمنع التغيير الهادف, حتى لو تنحى الجيش جانبًا وتنحى بوتفليقة مثلما وعد.

العقبة الأولى هي الحالة المتداعية للاقتصاد؛ ويأتي ثلث الناتج المحلي الإجمالي الجزائري من الهيدروكربونيات, ويمثل النفط والغاز أكثر من 90% من صادراتها. وعلى الرغم من اعتراف السلطات في السنوات الأخيرة بالحاجة للتنويع, لا سيما منذ التراجع العالمي في أسعار النفط في 2014 (جزئيًا بسبب الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط الأمريكي, الذي دفع الولايات المتحدة إلى تخفيض وارداتها من الجزائر), بيد أن جهود المتابعة واجهت عقبات متعددة. وعلى الرغم من أن الحكومة حاولت تشجيع الاستثمار الأجنبي, تبقى بيئة الاستثمار غير جذابة للشركات الجديدة والعمال الدوليين, وخاصة منذ هجوم متطرفين مسلحين على حقل غاز "عين أمناس" ومقتل أكثر من 30 عاملًا أجنبيًّا في 2013. لقد قوبلت مبادرات البدء في عمليات التصديع من أجل الغاز الصخري باحتجاجات؛ ما دفع الحكومة إلى تعليق أول برنامج تطوير خاص بالغاز الصخري. عانت شركة الطاقة الحكومية, سوناطراك, من أزمة شرعية بسبب عدة فضائح فساد, التي أدت إلى عدة تحولات في قيادتها. الآن, من المرجح أن يُؤجل القانون الجديد للهيدروكربونيات المطروح كجزء من استراتيجية لتعزيز الإنتاجية والاستثمار في القطاع بسبب الأزمة السياسية الحالية.

وقد أعرب صندوق النقد الدولي عن مخاوف أخرى بشأن الاقتصاد. تقلصت الاحتياطيات الأجنبية, وارتفع الدين العام, وتظل البطالة مرتفعة باستمرار. توجد علامات على الكفاءة المنخفضة في الاستثمار العام؛ وفي الوقت نفسه, أعاقت سياسات الإنفاق العام استثمار القطاع الخاص. بالرغم من الوعود المستمرة بعدم المساس ببرامج معينة, أدت تخفيضات الإنفاق الحكومي إلى احتجاجات.

فيما وجه التراجع الاقتصادي الضربة الأقوى للسكان المستضعفين. على الرغم من الاستثمار الحكومي الضخم في الإسكان الشعبي, وأدت الهجرة الكثيفة إلى المدن (جزئيًا نتيجة للنزوح الريفي خلال الحرب الأهلية) إلى نقص في المساكن، كما يعاني قطاعا الصحة والتعليم من نقص شديد في الموارد، والذي ينعكس في تواجد الاطباء والطلاب ضمن المحتجين في الشوارع. وقد أدت الظروف المعيشية المتدهورة إلى تدفق متزايد للهجرة من البلاد, لا سيما بين الشباب, بينما تصارع الدولة أيضًا مع عدد متزايد من طالبي اللجوء من الدول المجاورة، سوف تتطلب معالجة الإصلاحات الاقتصادية قيادة حازمة ومن المستبعد أن تحدث بينما تتراجع هذه القضايا في الأولوية أمام الغموض السياسي المتزايد.

أحد المخاطر المحتملة الأخرى للحركة الاحتجاجية هي صعوبة البقاء موحدين في الفراغ السلطوي. كانت هناك علامات على الخلاف داخل الحركة حول خارطة الطريق الملائمة للفترة الانتقالية، عندما أصدر مجموعة من النشطاء يسمون أنفسهم هيئة التنسيق الوطني للتغيير بيانًا في أواخر مارس بعنوان: "برنامج التغيير"، تنصل منه عدة موقعين ورفضه بعض المحتجين, الذين كانوا متشككين في الموقعين الذين لديهم انتماءات إسلاموية مزعومة.

تفتقد الحركة أيضًا لقيادة واضحة. طرح بوتفليقة اسم الأخضر الإبراهيمي, الدبلوماسي الجزائري الذي عمل وسيطًا للأمم المتحدة في سوريا في الفترة بين 2012 و2014, لكي يقود المؤتمر الوطني, لكن يعتبره الكثيرون جزءًا من الزمرة الرئاسية. يُعد المحامي والناشط الحقوقي مصطفى بوشاشي شخصية بارزة تتمتع بالمصداقية لدى الحركة الاحتجاجية, لكنه يريد أن تأتي القيادة الجديدة من بين شباب الدولة. إن صفة غياب القيادة عن الحركة لا تشكّل بالضرورة نقطة ضعف؛ لقد وُصفت ثورة تونس 2011 بنفس الطريقة، لكن تفتت القيادة التقليدية, الذي ينعكس في انشقاقات رجال الأعمال, وحزب الرئيس, وغيره من الجماعات التي كانت موالية من قبل مثل أكبر اتحاد عمال في البلاد, بالإضافة إلى الاضطراب في أوساط أحزاب المعارضة, يجعل الدولة عُرضة للمناورات واختطاف السلطة, ربما بواسطة الجيش. وعلى الرغم من أن الكثير من قادة الحركة دعوا الجيش للابتعاد عن التدخل في الأزمة, طلب بعضهم منه أن يفعل هذا, نظرًا للاحترام الشديد الذي لا تزال تتمتع به المؤسسة.

أحد المخاطر الأخرى, وإن كان أصغر, هو التدخل الخارجي. كانت روسيا تعيد تأكيد نفوذها تدريجيًّا في شمال أفريقيا وسعت بشكل محدد إلى توطيد علاقاتها الاقتصادية مع الجزائر, ويشمل ذلك التعاون في قطاع الطاقة وتجارة السلاح. في العادة, سيشير هذا ضمنيًّا إلى رغبة في الحفاظ على الوضع القائم تحت حكم بوتفليقة والجيش. تفاعلت روسيا بطريقة حذرة مع التطورات في الجزائر, داعية إلى عدم تدخل الدول الأخرى مع ربط المعارضة بالحركات الإسلاموية. في مارس, قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن روسيا قلقة بشأن الاحتجاجات في الجزائر وما سمّاه محاولات زعزعة استقرار الدولة. وفي اجتماع مع نائب رئيس الوزراء الجزائري المعين حديثًا حينها رمطان لعمامرة, أيد لافروف مقترح حكومة بوتفليقة بتأجيل الانتخابات الجديدة. مع هذا, كان لعمامرة من ضمن الوزراء المفصولين يوم الإثنين. وبينما يستمر وسطاء السلطة في الجزائر في التغير ويظهر المزيد من الوضوح عن الفترة الانتقالية المحتملة, من الجدير أن نراقب رد فعل روسيا.

وفي الوقت نفسه, تواصل الجماعات المتطرفة, ومن ضمنها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية, العمل بالقرب من حدود الجزائر. وعلى الرغم من أن الأخيرة زادت من الإنفاق الدفاعي في السنوات الأخيرة واشتركت في أنشطة عسكرية متعددة لمكافحة هذا التهديد, غير أن الغموض الذي يواجه دور القوات المسلحة في قيادة الدولة قد يشجع الجماعات المتطرفة.
ومثلما ذكر أحد المحللين, الذي يتبنى لغة المحتجين: "نحن في الجزائر نشهد ’توسيع مجال الممكن"، لكن نتيجة الربيع العربي في المنطقة أظهرت مدى صعوبة تحقيق الإصلاح الحقيقي, وفي الجزائر, مزيج فريد من العوامل ربما يحبط الأهداف الديمقراطية للمحتجين مرة أخرى.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق