the diplomat | الأقرب للجميع.. هل تستطيع باكستان لعب دور الوسيط في منطقة الخليج؟


٣٠ يونيو ٢٠١٩

ترجمة - شهاب ممدوح



تصاعدت التوترات في الخليج بصورة كبيرة عقب إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة استطلاع أمريكية فوق مضيق هرمز. هدّد الأمريكيون بتوجيه ضربات عسكرية انتقامية، لكنهم تراجعوا في اللحظات الأخيرة بعد أن حذر مسولون كبار في البنتاغون من أن الردّ الأمريكي يمكن أن يهدّد حياة القوات الأمريكية المنتشرة في عموم  الشرق الأوسط. إن حادث إسقاط الطائرة في العشرين من يونيو، سبقته سلسلة من الهجمات المختلفة ضد ناقلات نفط تعمل في مضيق هرمز، زُعم أن جميعها كان من تدبير إيران. وعلى الرغم من أن احتمال نشوب أعمال عدائية قد تبدّد مؤقتا فيما يبدو، إلا أن دقّ طبول الحرب من جانب أعضاء كبار في إدارة ترمب، فضلًا عن إعلان إيران عزمها تجاوز الحدّ المسموح لتخصيب اليورانيوم، يعني أن الحرب في المنطقة لا تزال احتمالًا واقعيًّا.

إن هذه الأزمة المستمرة تمثّل فرصة فريدة لباكستان لإصلاح علاقتها المضطربة مع إيران، والتي تدهورت كثيرًا في السنوات التي أعقبت اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979. ولطالما نظر الإيرانيون إلى باكستان بتوجّس، بفضل علاقة الأخيرة الوثيقة مع السعوديين، فيما تظل إسلام آباد قلقة بشأن تقارب إيران مع الهند وتطوير ميناء "تشابهار" كبديل محتمل لمشروع ميناء "غوادر" الباكستاني المموّل صينيًّا.

هناك عقبة أخرى أمام توسيع التعاون بين هاتين الجمهوريتين الإسلاميتين، وهي مسألة الأعمال الإرهابية المتكررة عبر الحدود، إذ يتهم الطرفان بعضهما البعض بعدم فعل ما يكفي للحدّ من الشبكات الإرهابية التي تعمل على جانبي الحدود. وبينما أحجمت الحكومة والمسؤولون العسكريون الباكستانيون بشكل كبير عن إطلاق تصريحات علنية ضد إيران، كان الرد من طهران أكثر تشددًا بكثير. في أعقاب الهجوم التفجيري الذي استهدف حافلة تابعة للحرس الثوري الإيراني في إقليم بلوشستان الإيراني في فبراير 2019، تعهّد الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالانتقام، حتى أنه ذهب إلى حدّ التهديد بتوجيه ضربة عسكرية داخل الأراضي الباكستانية. 

وقد أشارت زيارة رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" إلى طهران في شهر إبريل، إلى محاولة أخرى من جانب إسلام آباد لتطبيع العلاقات، وجاءت الزيارة في وقت كانت تواجه فيه باكستان مجموعة من التحدّيات الداخلية والخارجية. يمرّ الاقتصاد الباكستاني بأزمة كبيرة، كما تتهم المعارضة السياسية حكومة خان بأنها نتاج مناورة انتخابية قامت بها الدولة العميقة.

ما تزال العلاقات مع الهند متوترة، كما أن دخول تنظيم داعش إلى جنوب آسيا هو سبب آخر للقلق. وبالتالي، فقد أتاحت زيارة عمران خان إلى طهران فرصة نادرة لباكستان لاستعراض نفوذها الإقليمي، إذ نجحت تلك الزيارة في تخفيف التوترات بين البلدين. وفي إشارة واضحة على تحسُّن العلاقات، زار وزير الخارجية الإيراني جوّاد ظريف باكستان، ساعيًا لكسب دعم إسلام آباد لتفادي اندلاع حرب في المنطقة. إن علاقات باكستان الوثيقة تاريخيًّا مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى اتصالاتها الواسعة مع واشنطن، تجعل هذا البلد في وضع فريد يسمح لها بممارسة دور الوسيط في الشرق الأوسط. 

إن مصلحة باكستان القومية تقتضي منع نشوب حرب أخرى في الشرق الأوسط، وحثّ الطرفين على تخفيف التصعيد. نتيجة لتدهور الوضع الأمني في الخليج، نشرت الهند، عدوّ باكستان اللدود، سفنًا حربية في خليج عُمان لحماية سفنها التي تمر في المنطقة. إن استمرار التوتر لفترة أطول في الخليج ووقوع المزيد من الهجمات على ناقلات النفط، ربما يدفعان الهند للتفكير في تعزيز حضورها البحري في المنطقة، ما قد يدفع بدوره باكستان لمحاولة مواجهة هذا التحرّك الهندي عبر نشر قطع بحرية تابعة لها في الخليج، وسيزيد هذا السيناريو كثيرًا من خطر حدوث صدام باكستاني - هندي غير مقصود في الخليج، وسيعقّد الأوضاع أكثر في بيئة معادية بالفعل. 

هناك مصدر قلق آخر يتمثل في أن الصراع الأمريكي - الإيراني قد يكون له تأثير كبير على الداخل الباكستاني؛ نظرًا لاحتضانها لثاني أكبر تجمّع للشيعة في العالم، حرصت باكستان على تجنّب المشاركة في التزامات قد  تضعها في خلاف مباشر مع إيران. وبالرغم من ضغوط دول مجلس التعاون الخليجي عليها، اختارت إسلام آباد أن تكون في موقف الحياد في الحرب العراقية -الإيرانية وفي صراع اليمن المستمر.

في حال اندلاع حرب إقليمية، ستواجه باكستان ضغطًا كبيرًا من مجتمعها الشيعي للعب دور أكبر في الصراع وإنهاء الأعمال العدائية. وفي وقت تتلقى فيه إسلام آباد من السعودية مساعدات مالية هي في أمسّ الحاجة إليها، يبدو من غير المرجّح أن تخاطر باكستان بتنفير حليفها السعودي القديم. أما على المستوى المحلي، فقد ينظر المجتمع الشيعي إلى فشل باكستان في التحرك باعتباره يرقى إلى حدّ التواطؤ مع السعودية، ما سيزيد من التوترات الطائفية. 

علاوة على هذا، بدأت باكستان وإيران مؤخرًا التعاون في أفغانستان. فالبلدان مشاركان فاعلان في "عملية كابول" للسلام، وكلاهما موقعان على "إعلان طشقند" الصادر عام 2018. كما أن انخراط إيران المتنامي مع طالبان أثمر عن نتائج إيجابية؛ حيث بات مسؤولون كبار من طالبان يقومون الآن بزيارات منتظمة إلى طهران لإجراء مفاوضات، ما دفع الولايات المتحدة لاتهام إيران بتقديم دعم عسكري لطالبان.

إن أي هجوم أمريكي على إيران وما سيتبعه من تغيير للنظام في طهران، سيقوّض بالتأكيد التقدم الذي بُذل لإيجاد حل تفاوضي للحرب الأفغانية، كما لا يوجد أيضًا ما يضمن أن الحكومة الإيرانية التي ستنشأ بعد الحرب، ستكون منفتحة إزاء فكرة شرعنة نفوذ طالبان السياسي في أفغانستان، وقد تلقي تلك الحكومة بثقلها خلف فصائل منافسة أخرى، وسيضرّ هذا السيناريو بالأمن الداخلي لباكستان، حيث إن أي حرب أهلية شاملة أخرى في أفغانستان ستسفر عن ارتدادات سلبية عنيفة، وستُجبِر باكستان على لعب دور أكبر في الصراع.

إن نجاح باكستان في لعب دور الوسيط، سيوفر لعمران خان فرصة لالتقاط الأنفاس هو في أمسّ الحاجة إليها، ورغم تعرُّض السياسات الداخلية لحكومة عمران خان لانتقادات شديدة، إلا أن تعاملة الماهر مع الشؤون السياسية الخارجية أكسبه المديح. ومن أمثلة ذلك، قراره بالإفراج غير المشروط عن الطيّار الهندي الأسير من سلاح الجو الهندي، ومحاولاته لزيادة التعاون مع إيران. مع تصاعد حرارة المناخ السياسي في باكستان مرة أخرى، ومع تهديد المعارضة السياسية بتنظيم احتجاجات هائلة في الشوارع، يمكن لخان أن يدفع لزيادة مستوى الوساطة الباكستانية في أزمة الخليج لتحسين موقفه في الداخل.   



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق