فورين بوليسي | اندلعت ومستمرة.. تعرف على ملامح الحرب الباردة الثانية


١٤ يناير ٢٠١٩ - ٠٦:٣٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



في يونيو 2005, نشرت قصة غلاف في مجلة ذي أتلانتك بعنوان: "كيف سنحارب الصين". كتبت حينها أن "منافسة الجيش الأمريكي مع الصين ستُحدد ملامح القرن الحادي والعشرين. وستصبح الصين خصمًا مرعبًا أكثر مما كانت روسيا في أي وقت مضى". ثم أوضحت أن حروب المستقبل ستكون بحرية, بجميع أنظمة المعارك المجردة, على الرغم من أن معارك مكافحة التمرد القذرة كانت رائجة منذ 14 عامًا.

لقد وصل ذلك المستقبل, وهو ليس سوى حربًا باردة جديدة: إن الاختراقات الحاسوبية الصينية المستمرة لسجلات الصيانة الخاصة بالسفن الحربية الأمريكية, وسجلات الموظفين بالبنتاجون وما شابه، تُشكّل حربًا بوسيلة أخرى، وسوف يستمر هذا الوضع لعقود وسيزداد سوءًا, بغض النظر عن اتفاقيات التجارة التي ستُوقع بين الرئيسين الصيني والأمريكي وهما يبتسمان في صورة، والتي ستجعل الأسواق المالية ترتفع بصورة لحظية.

هذه الحرب الباردة الجديدة دائمة بسبب مجموعة من العوامل التي يفهمها الجنرالات والخبراء الاستراتيجيون، لكن الكثير, لا سيما في مجتمع المال والأعمال, لا يزالون يفضلون إنكارها، ولأن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين هي أكثر علاقة مصيرية في العالم – حيث لها العديد من الآثار المترتبة – تصبح الحرب الباردة بين الطرفين هي المبدأ التنظيمي السلبي للجيوسياسة التي سيتحتم على الأسواق تثمينها.

هذا لأن الاختلافات بين الولايات المتحدة والصين صارخة وجوهرية، وبالكاد يمكن إدارة هذه الاختلافات عن طريق المفاوضات ولا يمكن أبدًا تهدئتها.

إن الصينيين ملتزمون بإبعاد القوات البحرية والجوية الأمريكية عن غرب المحيط الهادئ (بحري الصين الجنوبي والشرقي), بينما يصمم الجيش الأمريكي على أن يلزم مكانه، ولا شك أن الالتزام الصيني منطقي من وجهة نظرهم، إنهم ينظرون إلى بحر الصين الجنوبي بنفس الطريقة التي نظر بها الخبراء الاستراتيجيون الأمريكيون إلى البحر الكاريبي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين: إنه الامتداد المائي الرئيسي لكتلة اليابسة القارية, والسيطرة عليه تمكنهم من تسيير أسطولهم البحري في المحيط الهادئ الأوسع والمحيط الهندي, وكذلك أيضًا إضعاف تايوان، إنه يشبه الطريقة التي مكّنت بها الهيمنة على الكاريبي الولايات المتحدة من السيطرة استراتيجيًا على نصف الكرة الغربي ومن ثم أثرت على توازن القوى في نصف الكرة الشرقي في حربين عالميتين وحرب باردة، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة, بدأت القوة العالمية بالكاريبي, وبالنسبة إلى الصين, تبدأ ببحر الصين الجنوبي.

لكن الأمريكيين لن يتزحزحوا عن غرب المحيط الهادئ، في حين تُعدّ مؤسسة الدفاع الأمريكية, النظامية والمدنية, الولايات المتحدة قوة في المحيط الهادئ إلى الأبد: لقد شهد فتح العميد البحري ماثيو بيري لليابان أمام التجارة في 1853, وإخضاع أمريكا وإحتلالها للفلبين في 1899, وإنزال المارينز على مجموعة كبيرة من جزر المحيط الهادئ أثناء الحرب العالمية الثانية, وهزيمة اليابان وإعادة بنائها عقب الحرب العالمية الثانية, والحربين الكورية والفيتنامية, والأكثر أهمية, التحالفات الحالية لواشنطن الممتدة من اليابان إلى أستراليا، هذا يُعد التزامًا معنويًا بقدر ما هو التزام تاريخي: إنه شيء اختبرته شخصيًا كصحفي مرافق للسفن الحربية الأمريكية في غرب المحيط الهادئ.

في الواقع, ينشّط التهديد الصيني وزارة الدفاع الأمريكية أكثر من التهديد الروسي، إذ تفكر في أن الصين, بقدرتها البارعة كقوة تكنولوجية صاعدة، والتي لا تتقيد بالرقابة البيروقرطية الفاترة لأمريكا، قادرة على اللحاق بالولايات المتحدة وربما تجاوزها في شبكات الجيل الخامس ومنظومات المعارك الرقمية. (ببساطة وادي السيليكون لن يتعاون أبدًا مع البنتاجون بنفس الدرجة التي يتعاون بها قطاع التكنولوجيا الفائقة المزدهر في الصين مع حكومته). إن الصين هي التهديد المتسارع الذي يقيس الجيش الأمريكي نفسه مقارنة به.

وما من شك أن هذا الرفض الأمريكي للتخلي عن منطقة مائية لصالح الصين يحظى بتأييد المتشددين الليبراليين الذين من المرجح أن يشغلوا المناصب المتعلقة بآسيا ضمن طاقم أية إدارة ديمقراطية قادمة, ناهيك عن الجمهوريين – الموالين والمعارضين للرئيس دونالد ترامب، أما بالنسبة لمؤيدي مذهب الانعزالية الجدد, فإنهم يرغبون في إخراج القوات البرية الأمريكية من الشرق الأوسط, وهو شيء ربما يعزز الموقف الأمريكي في مواجهة الصين، وبالنسبة إلى التقدميين الديمقراطيين اليساريين, عندما يتعلق الأمر بموقف متشدد في المحادثات التجارية مع الصين, فإنهم لا يبتعدون كثيرًا عن المستشارين الاقتصاديين لترامب، تذكّروا أن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون أُرغمت على التنصل علنًا من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ للتجارة الحرة بسبب ضغط حزبها.

الحقيقة هي أنه منذ ذهاب الرئيس ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972, كانت سياسة الولايات المتحدة تجاه المحيط الهادئ ثابتة بشكل ملحوظ أيًّا كان الحزب الذي يحكم البيت الأبيض, والانقلاب على الصين كان شأنًا بين الحزبين، وهكذا كان من المستبعد أن يتأثر بصورة كبيرة بأية محاكمات أو انتخابات رئاسية.

وفيما يخص المحادثات التجارية نفسها, ما يزعج مؤيدي ترامب والديمقراطيين (المعتدلين والتقدميين على حدٍّ سواء) هي الطريقة التي تؤدي بها الصين الأعمال: سرقة الملكية الفكرية, والحصول على تكنولوجيا حساسة عبر الاستحواذ على الشركات, ودمج القطاعين العام والخاص بحيث تحصل شركاتها على ميزة غير عادلة, والتلاعب بالعملة.. إلخ. لن تستطيع المحادثات التجارية, مهما كانت ناجحة, أن تغير هذه الأساسيات. يمكن أن تعدل الصين نموذجها التجاري هامشيًا فقط.

ولأن التوترات الاقتصادية مع الصين لن تقل بدرجة كبيرة, فإنها ستُلهب المناخ العسكري. عندما يقطع زورق صيني الطريق من أمام مقدمة مدمرة أمريكية, أو ترفض الصين دخول سفينة هجومية برمائية أمريكية إلى هونج كونج – مثلما حدث الخريف الماضي – لا يمكن فصل هذا عن أجواء الخطاب المشحون حول التجارة، في ظل تراجع النظام العالمي الليبرالي, بدأ عصر تاريخي طبيعي من المنافسة الجيوسياسية, والتوترات التجارية ما هي إلا توابع مصاحبة لهذه المنافسة. ولكي نفهم ما يحدث, علينا أن نتوقف عن الفصل بين التوترات التجارية الأمريكية - الصينية والتوترات العسكرية الأمريكية - الصينية.

هناك أيضًا الجانب الأيديولوجي لهذه الحرب الباردة الجديدة، ولعدة عقود, كانت الولايات المتحدة تنظر إلى التطور الخطير في الصين بطريقة إيجابية, وكان يتم التساهل مع استبدادية دينج شياو بينج المستنيرة نسبيًا ومن خلفوه, لا سيما من مجتمع الأعمال الأمريكي. لكن تحت حكم شي جين بينج, تطورت الصين من استبدادية ناعمة إلى استبدادية خشنة، وبدلًا من مجموعة جماعية من التكنوقراط الذين يفتقدون الكاريزما وتقيدهم قواعد التقاعد, يوجد الآن رئيس مدى الحياة يتمتع بقدر كبير من الإعجاب, والذي يشرف على التحكم بالأفكار عبر الوسائل الرقمية – والتي تشمل التعرف على الوجه وتعقب ما يبحث عنه مواطنيه على الإنترنت.

لقد أصبح الأمر مخيفًا, والقادة الأمريكيون من كلا الحزبين يتم صدهم على نحو متزايد. إنه أيضًا نظام سَجَنَ في السنوات الأخيرة ما يصل إلى مليون مسلم من عرق الأويغور في معسكرات للأشغال الشاقة، لذا يصبح الانقسام الفلسفي بين النظامين الأمريكي والصيني كبيرًا بحجم الفجوة بين الديمقراطية الأمريكية والشيوعية السوفيتية.

ضعوا في اعتباركم أن التكنولوجيا تشجع هذا الصراع ولا تكسر حدته، ولأن الولايات المتحدة والصين تقطنان في نفس النظام الإيكولوجي الرقمي, أصبحت حروب الدمج – حيث تكون الحدود على بُعد ضغطة حاسوب واحدة وليس آلاف الأميال – ممكنة للمرة الأولى في التاريخ: يمكن للصين أن تقتحم الشبكات التجارية والعسكرية الأمريكية مثلما يمكن للولايات المتحدة أن تقتحم شبكات الصين. لم يعد المحيط الهادئ الكبير العائق الذي كان عليه من قبل، بمعنى أوسع, كان نجاح عقود من التنمية الاقتصادية الرأسمالية وشبه الرأسمالية في أنحاء المحيط الهادئ هو ما خلق الثروة اللازمة للمشاركة في سباق التسلح العسكري - السيبراني رفيع المستوى هذا. وبصدق, كان العصر الجديد للحرب سيكون مستحيلًا دون الازدهار الاقتصادي الذي سبقه: نصف الكوب فارغ لأن نصفه الآخر ممتلئ، وهذا هو موضوع كتاب البروفيسور بول براكن من جامعة يال الذي صدر عام 1999 بعنوان  Fire in the East: The Rise of Asian Military Power and the Second Nuclear Age.

الخبر الجيد هو أن كل هذا ربما لا يؤدي إلى حرب دموية. أما الخبر السييء فهو أنه ربما يفعل. أنا أعتقد أن فرص حدوث تبادل عنيف لم تقترب من الـ50 في المائة, حيث تصبح الحرب محتملة وليست ممكنة. مع هذا, ارتفعت الفرص ارتفاعًا كبيرًا، وهذا له علاقة بما هو أكبر من نموذج ثوسيديديس الشهير للخوف والصدق والمصلحة، إنه يتعلق بإلى أي مدى يمكن أن يصبح الصينيون انفعاليين بشأن قضية مثل تايوان مثلًا, وكم هو سهل أن تخرج الحوادث الجوية والبحرية عن السيطرة، وكلما تصارعت الدول بسبب التجارة, واقتربت السفن الحربية الصينية والأمريكية من بعضها البعض في بحر الصين الجنوبي, انخفضت سيطرة الجانبين على الأحداث مع مرور الوقت. وكما نعرف جميعًا, بدأت حروب كثيرة على الرغم من أنه ولا طرف رأى أن من مصلحته بدء الحرب، ولا شك أن الصراع الساخن في بحر الصين الجنوبي أو الشرقي سيؤثر على النظام المالي العالمي أكثر بكثير من انهيار العراق, أو سوريا أو ليبيا أو اليمن.

إن ما منع الحرب الباردة من أن تصبح ساخنة هو الخوف من القنابل الهيدروجينية، هذا لا ينطبق بنفس القدر على هذه الحرب الباردة الجديدة. إن استخدام الأسلحة النووية وعصر اختبارها في الجو يتلاشى من الذاكرة, ما يجعل خوف صناع السياسة من كلا الجانبين من هذه الأسلحة أقل من أسلافهم في الخمسينيات والستينيات, لا سيما منذ أن أصبحت الترسانات النووية أصغر من ناحية الحجم والإنتاج, وتكتيكية بصورة متزايدة. علاوة على هذا, في هذا العصر الحديث للأسلحة الموجهة بدقة والهجمات السيبرانية الضخمة المحتملة, اتسع نطاق الحرب غير النووية بقدر كبير، وأصبحت حرب القوى العظمى مُرجحة بطريقة لم تكن عليها خلال الحرب الباردة الأولى.

إن ما يجب علينا أن نخشاه فعلًا ليس الصين الصاعدة وإنما الصين المنحدرة، فالصين التي يتباطأ اقتصادها, في أعقاب تكوّن طبقة متوسطة كبيرة الحجم لها فئة جديدة من الاحتياجات والمطالب, هي صين ربما تشهد المزيد من التوترات الاجتماعية والسياسية في العقد التالي. إن موضوع كتاب عالم السياسة الراحل صامويل هنتنجتون الذي صدر عام 1968 بعنوان Political Order in Changing Societies, هو أنهكلما طورت الدول طبقات متوسطة كبيرة, كلما ازدادت إمكانية الاضطراب السياسي؛ هذا سيشجع قيادة الصين على تأجيج القومية أكثر كوسيلة للترابط الاجتماعي. وفي حين أن المتشككين, لا سيما في مجتمع الأعمال الدولية, يرون أن بحْرَي الصين الجنوبي والشرقي لا يشكلان سوى مجموعة من الصخور البارزة من المياه, لا تراهما الجماهير الصينية بنفس الطريقة. وبالنسبة إليهم, بحر الصين الجنوبي أرض مقدسة, مثل تايوان إلى حد كبير. والحقيقة الوحيدة التي تمنع الصين من أن تصبح أكثر عدوانية في بحر الصين الشرقي هي الخوف من أن اليابان قد تهزمها في صراع مفتوح – وهو شيء من شأنه أن يسبب إهانة للقيادة في بكين لدرجة أنه قد يشكك في استقرار الحزب الشيوعي نفسه. لذلك ستنتظر الصين لعدد من السنوات حتى تتفوق على اليابان في القوة البحرية والجوية. يعلم حكام بكين إلى أي مدى تنسجم استراتيجيتهم مع مشاعر الجماهير الصينية. في الحقيقة, هذه الحرب الباردة الجديدة سريعة التأثر بالعواطف غير المنطقية التي تغذيها الاضطرابات الاقتصادية أكثر من الحرب الباردة القديمة.

في النصف الثاني من القرن العشرين, كان كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يمتلكان اقتصادات حجم داخلية (رغم كونها مختلفة عن بعضها البعض), والتي كانت محمية جيدًا من قوى العولمة المزعزعة للاستقرار على نحو أفضل من الاقتصادات الأمريكية والصينية الآن. إن اندماج التوترات العسكرية والتجارية والاقتصادية والأيديولوجية, مصحوبًا بالاضطراب الذي سببه العصر الرقمي, هو ما خلق دائرة العلاقات غير المثمرة بين الولايات المتحدة والصين.  

إن التحدي الجيوسياسي للنصف الأول من القرن الحادي والعشرين صارخ: كيف نمنع تحول الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين إلى حرب ساخنة، ولا شك أن منع الحرب الساخنة يعني دبلوماسية مكثفة، ليس فقط من وزارة الخارجية؛ بل من البنتاجون أيضًا (أن يتحدث الجنرالات الأمريكيون مع نظرائهم الصينيين ويزورونهم لكي يكوّنوا شبكة من العلاقات التي تُعد مكافئة للخط الساخن الخاص بالحرب الباردة القديمة). يجب أن تتجنب هذه الدبلوماسية إغراء تخفيض العلاقة الأمريكية - الصينية إلى موضوع واحد مثير للجدل, سواء كان التجارة أو بحر الصين الجنوبي، ويمكن أن يعني هذا اللعب بقوة في التجارة مع الحفاظ على الخطاب العام هادئًا وعقلانيًا؛ في حين ستصبح العاطفة العدو الحقيقي في هذه المنافسة؛ لأنه في عالم الصوت العالي لوسائل التواصل الاجتماعي العالمية, تثير العاطفة الدافع للتأكيد على المكانة, التي كانت في كثير من الأحيان مصدرًا رئيسيًا للحروب، وهي تعني اقتباس مفهوم من كتاب الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان عن الاحتواء: كن حذرًا, لكن كن دائمًا مستعدًا للتنازل في القضايا الفردية وفي الأزمات. انتظر حتى يستسلموا؛ لأنه بطريقة مختلفة جدًا عن النظام السوفيتي القديم, يصبح النظام الصيني – كلما ازداد استبدادية –عُرضة للانهيار مع مرور الوقت أكثر من النظام الأمريكي.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق