كيف تناولت الصحافة الفرنسية مسيرة 10 نوفمبر المناهضة للإسلاموفوبيا


١٧ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٤:٥٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما


لماذا لم تحظ المسيرة المناهضة للإسلاموفوبيا بالإجماع؟

لم تخلُ جميع الصحف الفرنسية لهذا الأسبوع من عنوان يتحدث عن الإسلاموفوبيا، فقد نشرت صحيفة "لوباريزيان" مقالًا توضح من خلاله ملابسات هذا الحدث. فمنذ الإعلان عن تنظيم مسيرة تهدف لإدانة الوصم الذي يعاني منه المسلمون، حظيت مسيرة "لا للإسلاموفوبيا" بردود أفعال واسعة، لا سيما في ظل السياق الحالي من التوترات القائمة حول الحجاب.

ما الهدف من هذه المسيرة؟

الهدف هو شجب وصم المسلمين في فرنسا، حيث يرى الموقعون على الإعلان أن "الإسلاموفوبيا في فرنسا أمر واقع. وبات من الضروري تحدي هذه الظاهرة والبحث عن الوسائل اللازمة لمكافحتها، حتى لا يتعرض المسلمون والمسلمات لهذا النوع من المعاملة من جديد".

وأطلقت الدعوة لهذه المسيرة بعد سلسلة من الخلافات المتعلقة بالدين الإسلامي، خاصة ارتداء النساء المرافقات للرحلات المدرسية للحجاب، وبعد أن تفاقمت حالة التوتر هذه بعد الهجوم على مسجد بايون، والذي تسبب في جرح شخصين؛ لذا تقول السيدة "إستير بنباسا" النائبة في حزب البيئيين، وواحدة من الموقعين على الدعوة: "إنه في وقت قصير للغاية، انتشرت الكثير من الموضوعات التي توصم المسلمين، حتى أصبح المناخ أكثر سوءًا، وبات من الضروي في مرحلة ما أن نقول لا".

من الذين يدعون للاحتجاج؟

بدأت الدعوة بنص نشرته شخصيات وجمعيات، كماجد مسعود، النائب عن سانت دوني ورابطة مكافحة الإسلاموفوبيا في فرنسا. ووقّع على النص بعد ذلك عدة مئات من الشخصيات القيادية اليسارية والنشطاء. وتشمل قائمة الموقعين جميع نواب حزب فرنسا شامخة، والناشطة النسوية كارولين دي هاس، ولاعب كرة القدم السابق فيكاش دوراسو، والأمين العام للاتحاد العام للعمل فيليب مارتينيز وجيروم رودريج، أحد الشخصيات البارزة في السترات الصفراء.. وغيرهم.

لماذا اعترض بعض الموقّعين؟

يرى البعض أن رابطة مكافحة الإسلاموفوبيا في فرنسا هي منظمة مقربة من جماعة الإخوان المسلمين والأوساط المتطرفة وتيارات الإسلام السياسي، ويزعم معظم الموقّعين على المبادرة أنهم لم يعرفوا بكل من شملتهم القائمة، حيث تقول إستير بنباسا: "لقد كنت من بين أول الموقّعين ولم أسأل من الذي سيقوم بالتوقيع بعد ذلك، وأنا سعيدة لانسحاب بعض الشخصيات المثيرة للجدل".

لماذا يثير نص الدعوة كل هذا الجدل؟

بعيدًا عن بعض الموقّعين المختلف حولهم، أثارت بعض المصطلحات المستخدمة في النص الكثير من ردود الأفعال، حيث يقول البرلماني يانيك جادو، إنه لم "يتحقق من صحة النص بالكامل"، معترضًا على سبيل المثال على وجود عبارة "عنصرية الدولة في بلدنا". من جانبه أصدر الحزب الاشتراكي، الذي لم يوقّع أي مسئول منه على النص، بيانًا قال خلاله إنه لا يوافق على وصف النص للقوانين العلمانية المعمول بها في فرنسا بأنها تُصادر الحريات.

وتعليقًا على بيان الحزب الاشتراكي يقول الناشط الشاب طه بوحفص: "سننظم المسيرة دون مشاركتهم"، فقانون عام 2004 الذي يحظر ارتداء الحجاب في المدارس "يُعدّ مُصادرًا لحريات المسلمين". كما يرى العديد من الموقعين على النص أن حالة الطوارئ وقانون الأمن الداخلي الصادرين عام 2017 يستهدفان المسلمين بشكل صريح.

وعلاوة على ذلك، فإن كلمة "الإسلاموفوبيا"، التي تظهر في عنوان الدعوة، لا يتم استخدامها عادة من قبل قادة حزب فرنسا شامخة حيث يقول النائب أوجو بيرناليسي: "لا أعتقد أن مصطلح الإسلاموفوبيا هو المصطلح الصحيح للاستخدام. ويجب ألا يمنعنا دعم المسلمين من انتقاد الإسلام". بينما يعتقد العديد من نشطاء الحزب ضرورة شجب الإسلاموفوبيا لأنها تؤطّر للكراهية والعنصرية ضد المسلمين.

الانضمام إلى المتطرفين الإسلاميين خطأ سياسي جسيم لأحزاب اليسار

واستعرض موقع "ليبراسيون" موقف اليسار السياسي في فرنسا من المسيرة، حيث يرى "مانويل بوشيه" أستاذ علم الاجتماع، أن الشخصيات اليسارية المشاركة في مسيرة الأحد في باريس ضد " الإسلاموفوبيا" مخطئة، ويستحيل وجود ثمة تقارب في النضال مع أعداء القيم العامة للجمهورية إلا إذا كان الهدف هو المشاركة في تفتيتها.

وفي إطار المناخ الهستيري الذي تشهده الساحتان الإعلامية والسياسية حول الحجاب الإسلامي والنقاش حول "الإسلاموفوبيا"، وقَّع جزء من تيار اليسار على الدعوة المطالبة بوضع حد للظاهرة عبر تنظيم مسيرة في شوارع باريس لرفض وصم المسلمين في فرنسا. وفي أعقاب الهجوم الذي وقع في مدينة بايون، يبدو أن الخروج في مسيرة لرفض الكراهية ضد المسلمين وأماكن عبادتهم بات أمرًا ضروريًّا لكل من يكافحون العنصرية. غير أن الأمر الذي يتسبب بإحداث انقسام داخل اليسار هو أن هذه المبادرة تدعو لرفض وصم المسلمين فيما يعرف بمصطلح "الإسلاموفوبيا"؛ هذا المصطلح الذي يستخدمه الرافضون لأي انتقاد للإسلام بشكل ممنهج للخلط بين العنصرية ضد المسلمين والتساؤل عن الإسلام وتفسيراته.

خطأ سياسي

وعبر الدعوة إلى تنظيم مسيرة بالتعاون مع الناشطين الإسلامويين، تساعد شخصيات يسارية بارزة على إضفاء الشرعية على التنظيمات السياسية الدينية المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والذين يدّعون أنهم يحملون لواء الدفاع عن مصالح كافة المسلمين ويتصرفون باعتبارهم ممثلين لكيان واحد وهو الأمة الإسلامية، ويفرضون عليها إطارًا مرجعيًّا إسلاميًّا واحدًا يؤمن بفرضية ارتداء الحجاب، ويعتقد بأنهم وحدهم من يمتلك التفسير الشرعي الوحيد للدين الإسلامي في فرنسا وأوروبا.

وبالدعوة إلى السير إلى جانب الإسلامويين، تعترف هذه الشخصيات اليسارية التي تتبنى خطاب الضحية السلفي الاستقلالي الذي يرى أن جميع المسلمين ضحايا للاضطهاد الغربي، بأن أي انتقاد للإسلام والتساؤل حول معنى ارتداء الحجاب الإسلامي يعد صورة من صور العنصرية التي تسمى "الإسلاموفوبيا". ولذلك يعد السير إلى جانب الإسلامويين والاستقلاليين خطأً سياسيًّا كبيرًا لأنه يعزّز من انقسام تيار اليسار بشأن المكانة التي ينبغي منحها للمطالب المتعلقة بالهوية والطائفية في التنظيم الاجتماعي والسياسي الفرنسي، ويمنح الشرعية للحركات المضادة والشخصيات الداعية للطائفية والعنصرية التي تحارب النموذج التاريخي للاندماج داخل المجتمع الفرنسي، وتخدم مصالح اليمين المتطرف القومي الكاره للأجانب، والذي يدين بدوره النفوذ المتزايد للمنظمات العنصرية المناهضة لفرنسا والإسلاموية التي تُعرّض وحدة فرنسا للخطر.

ويعاني المجتمع الفرنسي متعدد الثقافات من توترات متعددة فيما يخص العنصرية حيث يتطلب التظاهر ضد الممارسات والسلوكيات الكارهة للأجانب والعنصرية والمناهضة للمسلمين، تحلي القوى السياسية بالمسئولية الأخلاقية بعيدًا عن منطق العمالة والمصالح الانتخابية الذي يتبناه قادة اليسار السياسي. وإذا ما تعرضت أحد المعابد اليهودية أو الكنائس المسيحية لأعمال عنف، هل سيكون بوسع هذه الشخصيات اليسارية نفسها التظاهر إلى جانب منظمات التمييز العِرقي اليهودية أو المسيحية المتطرفة؟

"التعايش ضرورة".. شعار التظاهرة المناهضة للإسلامفوبيا

وسلّط موقع "فرانس إنفو" الإخباري الفرنسي الضوء على أهم الشعارات التي نادت بها المسيرة التي حشدها نحو ثلاثة عشر ألف وخمسمائة شخص في شوارع باريس ضد الإسلاموفوبيا، فمنذ نشر النص المعادي لتلك الظاهرة، أعلن كل تيار اليمين السياسي والحكومة بوضوح رفضهم للجوء لمثل هذا النهج الرافض لاستخدام مصطلح الإسلاموفوبيا ووصف منظمي هذه التظاهرة بالطائفيين. من جانبه، وبسبب عدم ارتياحه لهذا النص، فضل الحزب الاشتراكي عدم التوقيع عليه، غير أن عضو مجلس الشيوخ عن الحزب "رشيد تمال" قرر تنظيم مسيرة أخرى "ضد كافة أشكال العنصرية" في 20 نوفمبر الجاري.

ومن ناحية أخرى، وقّع "يانيك جادو"، رئيس حزب البيئيين، على نص الوثيقة، غير أنه اعترف في وقت لاحق أنه لم يقرأ نصها. وفيما شارك برلمانيون آخرون عن الحزب ذاته في هذه المسيرة، صرح جوليان بايو، المتحدث الرسمي باسم الحزب، أن النص يحتوى على مقاطع مبهمة لا يوافق عليها المدافعون عن البيئة. وأضاف: "لكن المهم يتمثل في التأكيد على تضامننا مع جميع شركائنا المواطنين [...] ومن المؤكد أن ثمة رد فعل يجب اتخاذه بعد هجوم بايون؛ ولذلك فنحن حاضرون الآن".

وداخل حزب فرنسا شامخة، أثارت المسيرة المناهضة للإسلاموفوبيا حالة من الشقاق، بيد أن ذلك لم يمنع العديد من قادة الحزب من المشاركة بها في النهاية، حتى أن جان لوك ميلينتشون رئيس الحزب، عقد لقاءً صحفيًّا مصغرًا قبل انطلاق المسيرة للتأكيد على دعمه للمسلمين، وتابع: "علينا أن نتحلى ياليقظة والانتباه وأن نتسم بالمودة لهؤلاء، ويجب أن نكون قادرين على الوقوف كوحدة واحدة، وتقريب الصفوف حول ضحايا هذا النوع من التمييز".

التضامن مع المحجبات

اتخذت المظاهرة طابعًا سياسيًّا بامتياز، ليس فقط بسبب الجدل الذي أثارته، ولكن أيضًا بسبب الشعارات التي رفعتها ونادت بها مثل: "التضامن مع المحجبات"، "نعم لانتقاد الدين، لا لكراهية المؤمنين"، " التعايش ضرورة ملحة"..

ومن بين المتظاهرين، كان هناك العديد من العائلات والآباء والأطفال الذين أتوا ليعبروا عن رغبتهم في أن ينظر إليهم الجميع على أنهم فرنسيون ومسلمون على حد سواء. وتحكي بعض النساء اللاتي شاركن والعلم الفرنسي مربوط على أكتافهن أو على رؤوسهن ويحملن البطاقات الانتخابية في أياديهن، الصعوبات اللاتي تواجههن في الحياة اليومية، والسباب والاعتداءات التي يتعرضن لها بسبب ارتدائهن للحجاب، حيث قلن: "إننا نطالب بالاحترام وحرية ممارسة ديننا الذي لا يتنافى مع العلمانية وعدم الخلط بيننا وبين الجهاديين المتطرفين".

الإسلام والإرهاب والتطرف في فرنسا.. نقاش في غير محله حول موضوع خطير

في ظل الأوضاع المتوترة التي يشهدها الداخل الفرنسي بشأن مكافحة الإرهاب والتطرف، يؤكد معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية أن حالة من الخلط المقصود أو غير المقصود بين الإسلام والإرهاب تهيمن على الوضع، وهو ما قد يُدخل البلاد إلى منزلق لا يمكن السيطرة عليه في المستقبل؛ فكل هجوم أو عنف يتم نسبه إلى أحد المسلمين يؤدي بالتالي إلى إنعاش الجدل حول مكانة الإسلام في فرنسا والحجاب والهجرة.

وغالبًا ما تحمل ردود أفعال بعض أبرز السياسيين والباحثين تجاه هذه الأعمال الإرهابية إيماءات تساوي بين الإسلام والإرهاب، حيث يرون أن الإسلام هو العامل الأساسي للتطرف الذي يؤدي بدوره إلى الإرهاب. وبالنسبة لموضوع خطير كالإرهاب، نرى أن من المؤسف للغاية ملاحظة عدم إحراز أي تقدم حول النقاشات القائمة بهذا الصدد.

وبسبب التوجه السياسي الذي يتم اعتماده في كثير من الأحيان عند التعامل مع مسألة الإرهاب والتطرف، تتحول النقاشات سريعًا إلى جدليات وتحليل سطحي وعاطفي، ناهيك عن التصريحات المخادعة وكراهية الأجانب لدى الخبراء والسياسيين، ووصولًا إلى رأس الدولة، بدلًا من الاستعاضة عن ذلك بالتحليل الجاد والتفكير المحايد.

ونود من خلال هذا المقال أن نلفت الانتباه إلى المخاطر التي تنطوي على حالة الخلط التي حدثت بالفعل بين الإسلام والإرهاب الإسلامي، وتجاهل التسييس المتزايد للمكافحة الأمنية والقانونية للإرهاب والتطرف. كما سنحاول تسليط الضوء على الظاهرة الإرهابية من خلال الحقائق الموضوعية، وتحديد بعض المفاهيم والأفكار المتعلقة بهذا الموضوع، مثل التطرف والجهاد، إلخ. ومما لا شك فيه أن محاربة الإرهاب والتطرف أمر ضروري بامتياز؛ لذلك فإن الخطأ في إدراك وتقدير هذه الظاهرة يؤدي بكل تأكيد إلى سلوك نهج غير مناسب أو حتى معاكس.

وتستند حالة الخلط القائمة بين الإسلام والإرهاب الإسلامي إلى الاعتقاد بأن الإسلام دين عنيف بشكل أساسي وذو أيديولوجية راسخة، كما لو أن الانتماء إلى الإسلام يشجع في حد ذاته على التطرف واللجوء إلى العنف الإرهابي عندما تقتضي الحاجة. ويُعد تحول النقاش حول أسباب التطرف إلى نقاش حول الحجاب ومكانة الإسلام في فرنسا هو النتيجة المباشرة لهذا الخلط.

الضراوة الإعلامية

ويعتبر التساؤل حول العلاقة بين الدين الإسلامي والعنف أمر شرعي تمامًا، حيث إن الإرهاب الإسلامي على غرار نموذجي القاعدة وداعش يستدل بالنصوص القرآنية والشريعة الإسلامية لإضفاء الشرعية على ما يقومان به. لكن وبالرغم من ذلك، فلا شيء يبرر الضراوة الإعلامية لبعض السياسيين والمثقفين، أمثال إريك زيمور وغيرهم ضد المسلمين، وتشكيكهم في مكانة الإسلام والمسلمين في فرنسا، والذهاب إلى حد التشكيك في العلمانية ذاتها.

هؤلاء المثقفون يسعون بذلك إلى تحويل العلمانية، والتي ينبغي بها أن تضمن حرية الاختيار العقدي وحيادية الدولة تجاه جميع الأديان، إلى أداة لتقييد أو حتى انتهاك حقوق المواطنين الفرنسيين المسلمين. وتكمن المفارقة الأخرى في حقيقة أن السلطات تعلن الحرب على الإسلاموية - الإسلام السياسي - من ناحية، وتناشد من ناحية أخرى المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بانتظام للتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية للمسلمين.

وتدعم هذه الرؤية بالطبع بعض الأعمال الأكاديمية والصحفية التي تعتمد على تحليل مُعقد لبعض الحقائق والبيانات، تقوم من خلاله هذه الأعمال بنسج رواية تبدو في الظاهر صحيحة حول أصل الإرهاب الإسلامي والتطرف ودوافع الجماعات الجهادية كذلك. فعلى سبيل المثال، يرى الكاتب ألكساندر ديل فالي، في كتاب بعنوان "استراتيجية التخويف: من الإرهاب الجهادي إلى الشرعية الإسلامية"، أن الإسلام والإسلاموية والإرهاب كتلة واحدة متجانسة. كما يرى أن الهجمات الإرهابية تُعد جزءًا من استراتيجية غزو الإسلام للغرب، حيث تشارك في هذه الاستراتيجية منظمات إسلامية، مثل رابطة العالم الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين.

وفي كتاب "الرعب في فرنسا"، يتبنى الكاتب الفرنسي جيل كيبل نفس الرؤية ويشرح العلاقة السببية بينهما عبر المقاربة بين أعمال الشغب في الضواحي وتصاعد الأصولية الإسلامية السلفية التي تظهر على صورة تواجد كثيف للحجاب في بعض الأحياء من ناحية، والهجمات الإرهابية في فرنسا منذ هجمات باريس 2015 من ناحية أخرى. ومع ذلك، تشير العديد من الدراسات إلى أن غالبية الجهاديين الشباب لا يهتمون بالأصولية الدينية ولم ينشطوا لأي سبب في حياتهم؛ فمعظمهم يأتي من عالم الجريمة. إن الانتماء إلى الإسلام ليس سوى أحد العوامل التي تزيد من حدة الشعور بالرفض والاستبعاد الاجتماعي والعرقي الذي يعاني منه ذوو الأصول المهاجرة في فرنسا، وغالبية هؤلاء من المسلمين.

الخوف من الإسلام والمسلمين

يلعب الخطاب الجهادي لداعش بشكل خاص على هذا الشعور بالرفض مع القدرة على توجيه الشباب وإضفاء الشرعية على تطرفهم؛ ما يؤدي بهم في النهاية إلى الانتقال من حالة الضحايا والمهمشين إلى حالة الأبطال. وتقدم العملية الدعائية لداعش لهؤلاء المتطرفين إمكانية تسجيل أعمالهم العنيفة في إطار خطاب متماسك ومثالي، حتى لو تنوعت دوافع وعوامل التطرف.

وتعود التجاوزات في النقاش الحالي حول التطرف إلى الجهل بظاهرة الجهاد بقدر ما تعود إلى الخوف من الإسلام والمسلمين. هذا الخوف يستمد جذوره من الفكر الاستشراقي والاستعماري الذي يرى أن تحرر المسلمين سيؤدي بالضرورة إلى تدهور الغرب، وهذه الرؤية الظلامية التخريبية لا تزال مترسخة لدى بعض سياسي ومثقفي تيار اليمين المتطرف والمؤمنين بصراع الحضارات الذين يتسببون بحالة الارتباك هذه.

ومن ناحية أخرى، فإن ما يدعو للأسف هو حقيقة أن السلطات وكبار المسئولين في الدولة الفرنسية يشاركون في هذا الخلط ووصمهم المسلمين، حتى وصل ذلك إلى حد إدراج الأصولية الدينية ضمن علامات التطرف، وهو ما يضعنا أما سؤال صعب وهو: كيف يمكن محاربة التطرف دون وصم المجتمع المسلم؟

وهنا بالضبط يكمن التناقض في مكافحة الإرهاب والتطرف، بداية من الفرضية القائلة بأن العنف والطائفية صفتان أصيلتان في الإسلام، واعتبار أن الالتزام التام بالدين الإسلامي سيؤدي إلى التطرف والعنف الإرهابي بسبب وجود نصوص قرآنية تدعو إلى الجهاد. وحينئد يصبح الإرهاب الإسلامي، الذي ينظر إليه باعتباره الجهاد، نتيجة حتمية للتفسير الحرفي للقرآن، وبذلك يكون المسلمون أكثر عرضة للتطرف من غيرهم، والدليل من وجهة نظر البعض، أن الجهاديين يصرخون "الله أكبر" عند الشروع في أي عمل إرهابي.

القضية الإسلامية تتطلب شجاعة سياسية

من جانبه، سلّط موقع لاكروا الفرنسي المتخصص في الأديان الضوء على التقرير الذي نشره معهد توماس مور، الليبرالي المحافظ للأبحاث بعنوان "35 مقترحًا" من أجل الإسلام في فرنسا. حيث أجرى حوارًا مع "صوفي دي بيريه" مؤلفة هذا التقرير، التي تطالب بالتأكيد على تفرد الحالة الفرنسية.. وإلى أهم ما ورد في الحوار:

جريدة لاكروا: في رأيك.. ما المشاكل الرئيسية للإسلام في فرنسا حاليًا؟

صوفي دي بيريه: هناك حالة من الانزعاج الواضح حول هذه القضية، ولا سيما هذا الخريف. ومع ذلك، يعد نشر هذا التقرير في هذا الوقت من قبيل المصادفة، حيث أعمل عليه منذ عام.

وتتمثل إحدى المشكلات الرئيسية في غياب شجاعة السياسية في تناول هذه القضايا، فكلمة القيادة السياسية في هذا الشأن إما نشاز، كما رأينا مؤخرًا بتصريحات وزير التعليم جان ميشيل بلانكير عندما قال إن الحجاب "غير مرغوب فيه"، لكن إصدار قانون بهذا الشأن سيأتي "بنتائج عكسية"، وإما غير موجودة، حيث لا يزال أمام الرئيس إيمانويل ماكرون عامان لمعالجة هذا الملف! وإذا كانت فرنسا فريدة كما يقول ماكرون في كثير من الأحيان، ألا ينبغي لنا إذًا أن ندافع عن هذا التفرد ونضع حدًّا لهذه الطائفية؟

من بين هذه الخصائص الفردية لفرنسا نجد العلمانية التي تسبب الكثير من التوترات.. كيف يمكن الخروج من الجدل الدائر بشأنها؟

إن الاضطرار الدائم لاتباع هذا المصطلح بصفة كالجمهورية والمفتوحة والمغلقة والجديدة...الخ يؤكد بالفعل أن هناك مشكلة. وحتى وصول الإسلام إلى الأراضي الفرنسية، كان الجميع يعلم جيدًا معنى العلمانية، لكننا مضطرون الآن إلى تعريف هذا المصطلح بوضوح وبأسرع وقت ممكن، وهذا التعريف يجب أن يكون ملزمًا من الناحية القانونية.

هل يمكن إيجاد تفسير لقانون 1905؟

أرى أن من المهم عدم المساس بهذا القانون. فالمشكلة تتمثل في عدم احترامه بالشكل الكافي، حيث تنص المادة الثانية منه على أن الجمهورية "لا تدعم أي ديانة"، ومع ذلك نجد أن رئيس بلدية باريس ينظم أمسيات لإفطار شهر رمضان! وما يدهشني هو أن مثل هذه الانتهاكات للقانون لا تسبب أي انزعاج.

من بين مقترحاتك الخمسة وثلاثين، نجد أن بعضها بعيد تمامًا عن المتوقع، مثل ضرورة ترحيب فرنسا بالمرتدين عن الإسلام وحديثي العهد به المهددين في جميع أنحاء العالم..

تسعى فرنسا للدفاع عن الحريات ومن بينها الحرية الدينية، والتي هي أيضًا حرية تغيير الدين أو انتقاده. وأعتقد أن على فرنسا أن تدافع عن كافة أشكال هذه الحرية الدينية، وأن تقف إلى جانب المرأة المسلمة التي تقرر ارتداء النقاب وإلى جانب أولئك الذين ينتقدون الإسلام أيضًا. وأعتقد أن على فرنسا أيضًا تشجيع الأبحاث التاريخية النقدية حول هذا الدين.

تقترحين "منح الفرنسيين شيئًا ما ليحبونه".. فهل تريدين إعادة فتح النقاش حول الهوية الوطنية والذي فشل في عام 2009؟

لا شك أن من الضروري البحث عن مصطلح آخر بخلاف الهوية الوطنية، لأنه كان مليئًا بالفخاخ... لكنني أعتقد أن أساس المشكلة يكمن في "الهوية الفرنسية". فما الذي يجعل فرنسا أمة؟ وما هو نموذج المجتمع الذي نريده؟ وإذا أقررنا بأن فرنسا فريدة، فهذا الأمر يستدعي النهوض بما يشكّل فرنسا، بما في ذلك الأشياء الصغيرة كالشهامة والأزياء الراقية وحتى الوقاحة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق