الصحافة الفرنسية | إيران جنة الفساد.. وإسرائيل وحماس أفضل الأعداء


٢٤ نوفمبر ٢٠١٩

ترجمة - محمد شما


سياسة ترامب في الشرق الأوسط غير متسقة

في حوار له مع صحيفة "لوجورنال دي ديمانش"، وعلى خلفية الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي ضد داعش، استعرض دينيس روس، المنسق السابق للشرق الأوسط في رئاسة بيل كلينتون ومستشار الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، رؤيته حول مصير سوريا بعد الانسحاب الأمريكي... وإلى أهم ما جاء في الحوار:

ماذا تنتظر من هذا الاجتماع؟

أنتظر قرارًا بمواصلة القتال؛ لأن ثمة احتمال بأن تنظيم داعش قد انتشر في جميع أنحاء العالم وبات يمثّل تهديدًا في كل مكان، لذلك آمل أن يتم الإبقاء على استمرارية تبادل المعلومات الاستخباراتية على الأقل، لكن من المؤكد أن أعضاء التحالف سيسألون الولايات المتحدة عما تعتزم فعله بعد انسحابها من سوريا، فلا فرصة لديهم للثقة فيما يقوله ترامب أو وزير خارجيته أو رئيس البنتاغون، بل فيما يتم إنجازه فعليًّا من خلال العمليات على أرض الواقع.

من وجهة نظرك.. كيف سيبرر الأمريكيون انسحابهم من سوريا؟

سيقولون إن تهديد داعش بعيدٌ عن الأراضي الأمريكية، وهذا ما يؤمن به ترامب ومن يعملون معه؛ ولهذا السبب ينتظر البيت الأبيض من حلفائه مساعدة أمريكا في المحافظة على هذا التهديد بعيدًا عن شواطئها، ليس لأن القوة العسكرية الأمريكية قد اختفت أو أنها ستختفي؛ بل لأن واشنطن تنوي استخدامها بشكل مختلف، والدليل على ذلك ما يفعله الجنود الأمريكيون الذين ما زالوا في شمال شرق سوريا؛ فبدلًا من حماية الأكراد، جعلهم ترامب يحمون آبار النفط في منطقة دير الزور، وهذا يمثّل مشكلة لي على المستوى الشخصي لأنه يعني أن الشيء الوحيد الذي يهمنا في الشرق الأوسط هو النفط، وهذا تحديدًا ما تذرّعت به جميع الجماعات المسلحة في المنطقة، من القاعدة إلى داعش، من أجل نهب الموارد وتكثيف هجماتها ضدنا.

كيف يمكن أن يقول ترامب إن عدوه الرئيس هو إيران وفي الوقت نفسه يتركها طليقة في سوريا؟

تنتهج إدارة ترامب استراتيجية الضغط الاقتصادي الأقصى تجاه إيران، وأرى أن هذه سياسة غير متسقة؛ فالسياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج - التي كانت ذات أولوية استراتيجية لدى الولايات المتحدة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي - قد تغيرت بشكل كبير على يد ترامب. وعندما هاجمت إيران مؤخرًا ناقلات النفط في مضيق هرمز والمنشآت النفطية السعودية، رفض ترامب التدخل بسبب أن بلاده لم تعد تستورد قدرًا كبيرًا من النفط من الخليج كما كانت تفعل في الماضي؛ لذا فهو يرى أن هذه المسألة متروكة للجهات الفاعلة المحلية لتحمل مسئولياتها. ومن جانبهم، قرر الإيرانيون التخلي عن سياسة الصبر الاستراتيجي حيال تبني المقاومة القصوى ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة؛ هذا التصعيد يقلقني لأنني ما زلت مقتنعًا بأن أفضل الردع يكون بعدم توقع رد الفعل والخوف الذي يثيره. لكن عدم وجود أي رد أمريكي بعد الهجمات في الخليج وانسحاب القوات الأمريكية من سوريا سيتم تفسيره قطعًا على أنه رفض للتصرف حيال الأمر. أستطيع تفهم وعد ترامب بالانسحاب من "الحروب التي لا تنتهي"، ويمكنني أن أتفهم أيضًا أنه يريد مشاطرة الأعباء العسكرية، لكنّ حلفاءه لن يشاركوه هذه الرؤية إذا شعروا بعدم إمكانية الوثوق بالولايات المتحدة مجددًا.

لدى الفرنسيين والأوروبيين انطباعٌ بأن ترامب يريد تحميلهم مسئولية الأمن في الشرق الأوسط، فقط بسبب قرب الحدود الجنوبية الأوروبية من المنطقة...

نعم، ولأن الأتراك والإيرانيين والروس مهتمون به أيضًا، يعتقد ترامب أن عليهم تحمل المسئولية تجاهه. إنه حقًا موقف شخص من شخص يرى الفوضى الكبيرة التي حلت، ولهذا السبب فهو يريد الخروج منه. إنّ ما يحدث حاليًا يعدّ شكلًا من أشكال الانعزالية، وأعترف أن فكرة إرسال قوات أمريكية إلى الشرق الأوسط كانت خاطئة لأنها تزيد الأمور سوءًا وتعمل كعامل تحفيز لتجنيد الإرهابيين دون حل المشكلات الأساسية. ولا يعني هذا امتناعنا عن المشاركة بل عن اعتماد نفس الطريقة.

لكن مغادرة سوريا أو العراق أو حتى المنطقة بأسرها قد تعني الاعتماد على قوى أخرى ليست حليفة للولايات المتحدة؛ كروسيا أو إيران على سبيل المثال..

هذا هو السبب الذي يقضي بموت هذه الاستراتيجية؛ فبمجرد أن تنسحب الولايات المتحدة من مكان ما في العالم، لا يتوانى أعداؤها، الأسوأ في بعض الأحيان، عن شغله، وعاجلًا أم آجلًا، تنتهي هذه القوى المعادية بتهديدنا، وحينئذ تصبح الخيارات أكثر محدودية وأعلى تكلفة.

وماذا عن أوروبا؟ أنت تقول إن مسئولية الأمن في الشرق الأوسط، وفقًا لترامب، تقع على عاتق الأقرب إليه..
هذا ليس خطأ، وسوف يتعين على أوروبا حال أن تلعب دورًا متزايد الأهمية في الشرق الأوسط؛ لأن الولايات المتحدة لم تعد ترى تهديدًا مباشرًا على مصالحها، ومن الواضح أن هذا يعني أن فرنسا ستبقى في الخط الأمامي في المنطقة بسبب تاريخها وثقلها العسكري بها؛ وبالتالي فمن غير المجدي التفكير في قطع جسور التواصل مع الولايات المتحدة بدافع محاولة فك الارتباط؛ لأننا سنعود بنموذج جديد أكثر توازنًا، يكون فيه فرنسا والأوروبيون حاضرين بشكل أكبر ولكن دون أخذ مكان الولايات المتحدة. أعتقد أن التهديدات لن تختفي بين عشية وضحاها، وأن الشرق الأوسط سيظل بحاجة إلى الولايات المتحدة.

بعد أربع سنوات على هجمات شارلي إبدو.. فرنسا تنأى بنفسها عن المنطقة الرمادية التي تفصل الإسلام السياسي والإرهاب

من جانبها، نشرت صحيفة "أتلانتيكو" حوارًا مع مدير الأبحاث بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي "فيليب ديربارن"، الذي أكد أنه بعد هجمات شارلي إبدو في 13 نوفمبر 2015، شاهدنا إشارات على وجود "منطقة رمادية" تضم منظمات وأفرادًا أظهروا دعمهم الضمني للإرهابيين، والآن وبعد أربع سنوات، ما زال العمل مستمرًا في تلك المنطقة للدعم غير الرسمي للإرهاب، وذلك من خلال خطاب المنظمات الإرهابية.. وإلى أبرز

ما جاء في الحوار:

صحيفة أتلانتيكو: لا زلنا نتذكر الدلائل التي أعقبت الهجمات على شارلي إبدو والباتاكلان.. هل تعتقد أننا لم نراوح مكاننا بهذا الصدد منذ أربع سنوات؟

فيليب ديربارن: في عملية بناء نظام للإرهاب، لا يقتصر الأمر على مظاهر الدعم المباشر فقط، مثل مشاهد البهجة الشعبية التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر في العديد من البلدان الإسلامية؛ بل أيضًا على بذل كل جهد لتنمية ونشر أيديولوجية تشوّه صورة الغرب عبر وصفه بأنه مصدر كل المصائب في العالم الإسلامي الذي يُعدّ ضحية وخاليًا من الأخطاء. وتحرّض هذه الأيديولوجية على كراهية الغرب بشكل ما، وبطبيعة الحال، فإنها لا تؤدي إلى العنف بشكل مؤكد، ولكنها تحبّذه في العقول الهشة أو تلك المحببة له، وبانتشار هذه الأيديولوجية نجد أننا أمام عمل طويل الأمد، وأشك أن تكون الأمور قد تغيرت كثيرًا في السنوات الأخيرة.

هل ما زال القابعون في المنطقة الرمادية يستخدمون هذا الخطاب المؤيد للحريات؟ وكيف؟

في الواقع، هناك خطاب راسخ ومقيد للحرية لأي محاولة للحد من سطوة الإسلام السياسي، أو حتى محاولة للكشف عن العلامات التحذيرية للتطرف الذي يمكن أن يؤدي إلى الإرهاب. وبما أن الإجراءات الملائمة تتعلق بالمسلمين بشكل أساسي، فإنها تظهر تمييزية وتتسم بالوصم.

ويتعرض القانون الخاص بالأمن الداخلي للكثير من الاتهامات التي تشير إليه باعتباره يحمل "تمييزًا غير مباشر"؛ حيث إن التدابير التي تقدم نفسها بوصفها تسعى إلى تحقيق أغراض عامة هي في الواقع موجهة بطريقة تمييزية إلى فئة معينة من السكان. ومن الواضح أن المنطق وراء هذه الحجة ينطوي على إشكالية كبيرة؛ فإذا ما قيست بمخالفة تجاوز السرعة، فيمكن حينئذ القول إنها تستهدف الشباب بصفة خاصة وأنها تمييزية وتنم عن عدم الحيادية تجاههم؛ بل يمكن للمرء أن يقول أيضًا إن عقوبة جرائم القتل تعدّ تمييزًا ووصمًا ضد الرجل لأنه، في الواقع، يرتكبها بمعدل أكبر بكثير من المرأة، ولكن من الواضح أن أنصار الإسلام السياسي يتجنبون المقاربة بين هذه الحالات المختلفة.

ويطال الاتهام بالتعدي على الحريات أيضًا كل ما يتعلق بالزي الإسلامي، حيث تصف رابطة مكافحة الإسلاموفوبيا في فرنسا قانوني عام 2004 الخاص بالشارات الدينية في المدارس، وعام 2010 المتعلق بتغطية الوجه في الأماكن العامة بالإسلاموفوبيا؛ لأنهما يمثّلان اعتداءً على الحرية الدينية، ويستهدفان الإسلام بصفة خاصة؛ وبالتالي يتم عرض الزي الإسلامي كركن من أركان الإسلام شأنه شأن الشهادة أو الصلاة أو الصيام. لكن هذا الارتباط بين الزي والدين لا أساس له لأن الإسلام لا يفرق بين الرجال والمرأة، وفقًا لما تذكره العديد من الآيات القرآنية. ولا يعود التفريق في المعاملة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالميراث والشهادة والزواج والزي إلا إلى المنظور الاجتماعي والسياسي فقط.

كيف تستطيع تلك المنطقة الرمادية الاستمرار في تجنيد الأتباع؟ وما المنهج الأيديولوجي لذلك؟

هناك طريقتان رئيسيتان يتم استخدامهما معا. فمن ناحية، يشجب الخطاب الإسلام بأكمله الإسلاموفوبيا ويرفض بالجملة كل ما يتعرض للإسلام والمسلمين دون مراعاة للدراسات المتعلقة باستقبال المهاجرين والمليئة بالفروق الدقيقة. وبقدر ما يؤمن المسلمون بهذا الرفض، فإنهم يشجعون على التضافر معًا للدفاع عن أنفسهم ضد العالم الغربي، لا سيما ضد المجتمع الفرنسي، لبناء مجتمع مستقل يحكمه الإسلام. وفي الوقت نفسه، نجد أن لدى أنصار الإسلام السياسي تصورًا لتولي المسلمين السلطة. وفي الواقع، يجب الاعتراف بأن الطابع الليبرالي لقانون الجنسية الفرنسية، يعطي المرء الحق في أن يتمتع بجميع حقوق المواطنة دون أن يتعهد بالولاء لفرنسا أو فرض إرادتها.

إيران جنة الفساد


وفي تقرير بصحيفة "جورنال دي مونتريال" أشار إلى انضمام إيران أخيرًا إلى قائمة الدول التي نزل شعبها إلى الشارع؛ مؤكدًا أنه كما هو الحال في كل تلك الدول، يتظاهر الإيرانيون احتجاجًا على الفساد، ورغم إشارة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية إلى سعي بعض الدول الأجنبية إلى تخريب بلاده، غير أن الحقيقة تشير إلى أن الاقتصاد الإيراني منذ زمن بعيد فاسد للغاية، وتزداد الرائحة الكريهة لهذا الفساد عندما يرتبط بالزعماء الدينيين الذين يكتسبون الشرعية من المبادئ العظيمة للدين ويعملون على تعليمها للآخرين.

الاقتصاد تحت سطوة رجال الدين

يقع جزء من الاقتصاد الإيراني مباشرة تحت أيدي القادة الدينيين، ولذلك فإن الشركات التي تعود إليهم تصبح فوق القانون، وتنبع القوة الاقتصادية للزعماء الدينيين من مصدرين: الأول الحصول على أموال الوقف الخيري التي كانت موجودة في عهد شاه إيران، حيث تضم هذه الأموال 120 منظمة تعمل في جميع القطاعات، وهي معفاة من الضرائب وتشكّل 20٪ من الاقتصاد الإيراني. والثاني: مصادرة أموال خصومهم وأموال الإيرانيين الفارين من نظامهم. وبذلك تمكن الزعماء الدينيون من تشكيل مجموعة كبيرة تضم 40 شركة تعمل في مجالات العقارات والتمويل والنفط والاتصالات؛ هذه الشركات تخضع مباشرة للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية.

سحق الطبقة المتوسطة

من المؤكد أن الجميع لا يستفيدون من هذا الفساد واسع الانتشار؛ فمعدل البطالة ارتفع، لا سيما بين الشباب، والتضخم تجاوز عشرة في المائة، ولكن كما هو الحال في جميع البلدان الفاسدة، يكون على البعض دفع الضرائب عوضًا عن أولئك الذين لا يدفعون ما يكفي منها. إنها الطبقة المتوسطة التي تتحمل هذا العناء، حيث تبلغ نسبة مشاركتها في تحمل الضرائب نحو خمسين في المائة، لكن الضرائب التي تدفعها الطبقة الوسطى لم تعد كافية؛ فالعقوبات الاقتصادية الأمريكية قلصت حجم الاقتصاد الإيراني بنسبة عشرة في المائة، بالإضافة إلى ذلك، فقدت العملة الوطنية الإيرانية حوالي ستين في المائة من قيمتها؛ ما تسبب بالمبالغة في أسعار المنتجات المستوردة.

وأمام هذا المأزق قامت الحكومة الإيرانية بخفض المساعدات الموجهة إلى العائلات بشكل كبير وزيادة أسعار المحروقات بنسبة خمسين في المائة، بالإضافة إلى إجراءات أخرى، وتسببت هذه الإجراءات في دفع الإيرانيين نحو الخروج إلى الشوارع للاحتجاج؛ غير أن الشرطة قمعت المظاهرات بشدة وتم تعطيل شبكة الإنترنت بشكل كبير.

وبينما تتزايد حدة الاستياء الشعبي يبدو أن الزعماء الدينيين لن يتخلوا عن امتيازاتهم، ولن يتخلوا عن الشركات الفاسدة التي يحمونها، وبما أن النخبة الإيرانية تظفر بحصة من هذا الفساد في نهاية المطاف، يصبح لديهم مصلحة في دعم الزعماء الدينيين، ودون دعم النخب، ما الذي سيبقى من قوة الزعماء الدينيين في إيران؟  ولكن المهم في النهاية ان الإيرانيين لحقوا بقائمة الدول التي أدركت أن نخبهم غير المؤهلة والفاسدة هي السبب الرئيس لأمراضهم الاقتصادية.

عيد ميلاد أول للسترات الصفراء أفسده المخربون

في الذكرى الأولى لاندلاع تظاهرات السترات الصفراء، قال موقع جريدة "لوفيجارو" إن حركة السترات الصفراء باتت هيكلًا فارغًا وذلك بعد أن جمعت 28 ألف مشارك فقط في نهاية هذا الأسبوع. فبعد مرور عام على احتلالها لمنعطفات الطرقات، والذي غلبت عليه روح العفوية الطفولية المطالبة بالعدالة الاجتماعية والدفاع عن القوة الشرائية ورفض الغباء والركود، تساءل المصدر: ماذا تبقى من حركة "السترات الصفراء" بخلاف الهيكل الفارغ الذي يختبئ في داخله البلطجية المحترفون الذين تحركهم مجموعات من أقصى اليسار؟

بالتأكيد تقلصت قدرة الحركة على التعبئة لتسجل 28 ألف شخص في نهاية الأسبوع الماضي، وهذا أقل بعشر مرات من عدد المواطنين الغاضبين التي نجحت الحركة في تعبئتهم في 17 نوفمبر 2018، حيث بلغ عددهم 282 ألف محتج، وهذا التاريخ يمثل الذروة التاريخية للحركة، وتحولت أصوات الاحتجاجات إلى ثورة فئوية مناهضة للمؤسسات وصارت تقوم بالمزيد من أعمال العنف حتى بات صوتها غير مسموع اليوم. وفي حين أن الحكومة والنقابات ظلوا يتمسكون لفترة من الوقت بالأمل في استعادة السيطرة على هذه الانتفاضة؛ غير أن هذا لم يحدث؛ بل على العكس من ذلك، ومع مرور سبت بعد سبت، اخترق المخربون والمعادون للشرطة الحركة بشكل منهجي.

تحويل ميدان إيطاليا إلى ساحة للتمرد

في نهاية تظاهرات هذا الأسبوع، تكرر السيناريو الذي طالما أثار المخاوف في باريس بالكامل، حيث تجمع نحو أربعة آلاف وسبعمائة شخص من السترات الصفراء. فمنذ حراك الأسبوع رقم 53، لا يتذكر الرأي العام سوى ما حدث في ميدان إيطاليا؛ حيث كان من المخطط أن تبدأ التظاهرة من الساعة الثانية بعد الظهر، لكن مثيري الشغب بدأوا في اتخاذ إجراءات منذ الصباح لمحاولة إغلاق الميدان، ولإعادة تجميع صفوفهم قبل أن تفرقهم قوات مكافحة الشغب.

 ومع الساعة العاشرة صباحًا، نفذت الشرطة 30 حالة اعتقال، وقبل الظهر بفترة وجيزة، صادرت الشرطة الخوذ والمطارق. وبامتلاكهم لجميع الأسلحة اليدوية، والدراجات البخارية الكهربائية التي ألقيت إليهم من النوافذ، حوّل المخربون ميدان إيطاليا إلى ساحة حقيقية للتمرد. وفي مواجهة السيارات المقلوبة والأثاث المكسور في الشوارع والحرائق المشتعلة والمتاريس والأرصفة، ردت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، فيما انتقد وزير الداخلية، كريستوف كاستانير هؤلاء المتظاهرين ووصفهم بأنهم "مجموعة من البلطجية والسفاحين الذين جاءوا للقتال".
اقتحام جاليري لافاييت

وفي الأخير أعلن وزير الداخلية عن تنفيذ (254) حالة اعتقال، (173) منها في باريس وحدها، ومن بينهم "أشخاص من أتباع أقصى تيار اليسار السياسي، وبعضهم معروف لدى الداخلية بالتطرف". ومن بين الذين جرى إلقاء القبض عليهم ناشطة يسارية متطرفة تبلغ من العمر 21 عامًا، وتُعرف باسم "ماري أكاب لاند" ومصنفة من الفئة "إس" بسبب كراهيتها للشرطة، وبعد أن تعرضوا للعنف بشكل كبير؛ لم يستطع أفراد "السترات الصفراء" حشد أكثر من 200 شخص يوم الأحد التالي للاحتفال بالذكرى السنوية الأولى للحركة، ومرت المسيرة بين ميدان الباستيل والقلب المقدس دون أن يلاحظها أحد. 

إسرائيل وحماس.. أفضل الأعداء

علقت جريدة "لوبوان" على القصف الإسرائيلي لغزة، وأشارت إلى أنه لأول مرة يقوم الجيش الإسرائيلي بتحييد حركة حماس الإسلامية، والتي لم تكن السبب وراء اندلاع العنف الحالي ضده. فبينما تبدو الاعتداءات الإسرائيلية على غزة معتادة، إلا أن ثمة فرق يمكن ملاحظته في هذا الحدث المأساوي، ولأول مرة، لا يشمل الاعتداء على غزة حركة حماس.

وفي الواقع، لم تستهدف أي ضربة إسرائيلية حتى وقتنا هذا مواقع الحركة في غزة، والتي حرصت بدورها على عدم الرد على الغارات الإسرائيلية. وبالرغم من أن عقيدة جيش الاحتلال الإسرائيلي تؤمن بأن حماس، باعتبارها حاكم القطاع، هي المسئولة عن جميع الهجمات التي تتعرض لها من غزة، بيد أن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قال: "لقد أردنا إبقاء حماس خارج العملية، وأعمالنا سترتكز فقط حول الأصول العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي".


إبعاد حماس عن القتال

يقول إيلي كرمون، الباحث في القضايا الاستراتيجية ومكافحة الإرهاب: "من مصلحة إسرائيل أن تقتصر العملية على هدف واحد سريع، وليس حماس التي يمكن لمهاجمتها أن تؤدي إلى نشوب صراع طويل الأمد، كما أن حركة الجهاد الإسلامي هي الطفل المرعب لقطاع غزة ولا تخضع لسيطرة حماس".

لقد تأسّست حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في أوائل الثمانينيات على يد جماعة الإخوان المسلمين التي صنّفتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالإرهابية، وتهدف هذه الحركة العسكرية الأكثر تطرفًا والأقل تسليحًا من حماس، إلى تدمير إسرائيل وإنشاء دولة فلسطينية إسلامية، وتمتلك ما يقرب من ستة آلاف مقاتل في قطاع غزة. يقول إكزافييه جينارد، المدرس في كلية العلوم السياسية بباريس والباحث المتخصص في الشأن الفلسطيني: "تعتمد حركة الجهاد الإسلامي بالكامل على المساعدات الإيرانية، وتؤمن بضرورة تحرير فلسطين قبل المشاركة في اللعبة السياسية الفلسطينية، الأمر الذي يمنحها قدرًا  كبيرًا من الدعم بين السكان".


مناقشات مع إسرائيل


يقول كرمون: "تخضع حركة الجهاد الإسلامي بالكامل لإيران وتتصرف بناءً على أوامر طهران من أجل زعزعة استقرار إسرائيل، وهذا ليس هو الحال بالنسبة لحماس التي تعدّ حليفًا للجمهورية الإسلامية"، وتمتلك فرعًا سياسيًّا إلى جانب فرعها العسكري. لقد استطاعت حركة الجهاد الإسلامي (التي تطالب رسميًّا باختفاء إسرائيل والمؤلفة من ثلاثين ألف شخص والتابعة لجماعة الإخوان المسلمين) الوصول إلى السلطة في غزة في عام 2006. ويقول اكزافييه جينارد: ليس لحماس مصلحة في أن تدخل من جديد في دائرة العنف؛ لأنها ستدفع بسرعة ثمن التدمير الجديد لغزة في صورة استياء شعبي، لا سيما مع وجود إمكانية لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية لأول مرة منذ أربعة عشر عامًا دون معارضة قادة الحركة الإسلامية.

وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية، برّر باسم نعيم، أحد كبار قادة حماس، ضبط النفس الحالي الذي أظهرته الحركة قائلا: "تؤمن حماس بحق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم ومقاومة الاحتلال، لكن يجب أن ندير علاقاتنا مع قوات الاحتلال وأن نأخذ في الاعتبار السياق المعقد؛ ما يعني ضرورة تخفيف ردنا في بعض الأحيان من أجل تحقيق المصلحة العليا لفلسطين. ومنذ عام تتفاوض حماس، بدعم من إيران وتركيا وقطر، على وقف دائم لإطلاق النار مع إسرائيل بوساطة مصرية وأممية، لتحسين الأمن والظروف المعيشية لسكان غزة.

وفي مواجهة الحصار البحري والبري والجوي الذي تفرضه إسرائيل على مدار الثلاثة عشر عامًا الماضية، لا يعفي سكان غزة حركة حماس من المسئولية حيث يعتبرونها مسؤولة جزئيًّا عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على البلاد. وفي ظل النهج "العملي" الذي يجسده زعيم حركة حماس الجديد "يحيى السنوار"، والذي تولى رئاسة الحركة منذ فبراير 2017، قامت حماس تحت قيادته بتخفيض عدد الصواريخ التي أطلقت مباشرة ضد الدولة اليهودية، تاركةً هذا الدور لحركة الجهاد الإسلامي. ويقول الباحث اكزافييه جينارد: "هناك قيادة عسكرية موحدة بين جميع الفصائل في غزة للتنسيق بشأن نوع الرد الذي يجب اعتماده ضد إسرائيل، ويبدو أن هذه الهيئة الاستشارية قد فوضت حركة الجهاد الإسلامي بالرد على اغتيال قائدها".

وبالتوازي مع ذلك، وافقت إسرائيل على تخفيف الشروط الصارمة للحصار على غزة. وبعد أشهر من التوترات مع الفصائل الفلسطينية، سمحت الدولة اليهودية لقطر بدفع عشرات الملايين من اليورو لمسئولين في غزة، وتوسيع منطقة الصيد في الجيب إلى 15 ميلًا بحريًّا، ومنح السكان الآلاف من تصاريح العمل الإضافية داخل إسرائيل، وفي هذا الإطار أكد كرمون أنه من الواضح أن حماس ليس لديها مصلحة في الانتقام من إسرائيل في الوقت الحالي".



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق