بوليتيكو| لماذا يُصرُّ ترامب على العفو عن تركيا؟!


٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ - ١٢:٠٤ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

حتى في المكانة المريرة والمرارة التي أصبحت فيها واشنطن في عهد ترامب، يظل عفو البيت الأبيض السنوي عن الديك الرومي تقليدًا يثلج الصدر. كل عام، وقبل أيام قليلة من عيد الشكر، يظهر الرئيس في "روز جاردن" ويعفو عن طائرين – أطلق عليهما هذا العام اسم "بِرِيِد" و "باتر" [خبز وزبدة] – وهو ما يعفيهما من الذبح، ويدخل السرور على الأطفال والأسر الحاضرة.

لكن بصفتي باحثًا في شئون الشرق الأوسط، لا يسعني إلا أن أفكر في العفو الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا عن تركيا - نعم، تركيا. (عفوًا على التورية، لكن ترامب نفسه احتج بها هذا الأسبوع). [الكاتب هنا يستخدم كلمة turkey بمعنى الديك الرومي وتأتي أيضًا بمعنى دولة تركيا Turkey] لبعض الوقت، بدا أن ترامب كان يكسر سابقة أمريكية من خلال ممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية كبيرة على تركيا. 

ويبدو أن حقيقة تأمينه لإطلاق سراح القس الأمريكي "أندرو برونسون"، الذي كان قد سُجن في تركيا بتهم ملفقة، تؤكّد صحة نهج ترامب الصارم. ولكن على مدار العام الماضي، تحول ترامب إلى نمط مألوف من إصدار تهديدات بمعاقبة تركيا بسبب انتهاكات متنوعة ثم يتراجع عنها. وقد عزز هذا الأمر للرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أنه يستطيع تقويض السياسة الأمريكية دون عقاب، مع إحداث عواقب عالمية خطيرة.

كان احترام ترامب لأردوغان واضحًا أشد الوضوح عندما زار الزعيم التركي المكتب البيضاوي في 13 نوفمبر، في وقت أثّرت فيه العديد من القضايا الخطيرة على العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا: 

أولاً: شراء تركيا خلال الصيف الماضي لنظام الدفاع الجوي الروسي الصنع S-400، والذي جرى تصميمه لإسقاط طائرات الناتو.
ثانيًا: غزو تركيا لشمال سوريا هذا الخريف، والذي أسفر عن مقتل وتشريد مئات الآلاف، حيث أعطى ترامب أردوغان الضوء الأخضر للتوغل، فبينما يعقّد هذا الموقف الجهود الأمريكية لمحاربة فلول تنظيم داعش؛ يستهدف الجيش التركي وحلفاؤه الوحدات الكردية التي كانت شريكًا مهمًا للولايات المتحدة. ثم، وفي منتصف شهر أكتوبر، أدانت هيئة محلفين فدرالية في نيويورك مصرف "خلق بنك" المملوك للدولة التركية، لمساعدة إيران في التهرب من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة.

هذا ناهيك عن حملة أردوغان المحلية القمعية ضد الصحفيين وجماعات المجتمع المدني والسياسيين الأكراد والأكاديميين ومنتقدي اجتياحه لسوريا، وأي شخص آخر يعتبره معارضًا. ومن الناحية النظرية، فإن تعميق الاستبداد في تركيا هو تطور ينبغي على المسئولين الأمريكيين معارضته.
ومع ذلك، ففي مؤتمره الصحفي المشترك مع أردوغان، حاد ترامب عن طريقه ليشيد بتركيا باعتبارها "حليفًا عظيمًا لحلف الناتو" و"شريكًا استراتيجيًّا". وقد يبدو هذا بمثابة صيغة شكلية لنمط عقد اجتماع مع نظير أجنبي، ولكن في هذه اللحظة بالذات فهو يتعارض مع الواقع. وعلى الرغم من أن تركيا عملت مع الجماعات الموالية لتنظيم القاعدة أثناء الصراع السوري ونشرت جماعات متطرفة للقتال لصالحها في حملتها الأخيرة على سوريا، قال ترامب أيضًا: "إننا ممتنون للرئيس أردوغان ولمواطني تركيا على تعاونهم في مكافحة الإرهاب المستمرة.. إنه يحارب الإرهاب مثلما نفعل نحن". ثم كرر ترامب نقاط الحوار التركية حول اجتياحها لسوريا، بينما وعد أيضًا بإكمال اتفاقية تجارية أمريكية تركية بقيمة 100 مليار دولار.

بمعنى آخر: إعفاء تام.

تستند الصورة الوردية التي رسمها ترامب لتركيا كحليف ديمقراطي إلى الخرافات التي تم نشرها منذ أن أصبحت تركيا عضوًا في حلف الناتو عام 1952. إنها لا تختلف بشكل رهيب عن الطريقة التي ينظر بها الأمريكيون إلى تركيا كرمز صديق للقيم الأمريكية، ففي حين نجد أن الطيور غالبًا ما تكون سيئة وعدوانية حول الناس؛ نجد أن تركيا الحقيقية لا تشترك مع الولايات المتحدة في مصالحها ولا في قيمها، وعلى عكس ما يفترض أن يقوم به عضو في حلف الناتو، تسعى أنقرة بقوة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية على حساب واشنطن.

وقد كشفت تركيا بالفعل أنها تتجاهل جاذبية ترامب في منتصف نوفمبر. ففي مؤتمره الصحفي مع أردوغان، أشار ترامب إلى أنه يريد إيجاد حل لتجنب العقوبات التي فرضها الكونجرس على تركيا لشرائها إس 400. ولكن بعد أيام قليلة من زيارته للبيت الأبيض، وقالت الصحافة التركية إن أردوغان أوضح لترامب أنه لن يتخلى عن نظام الدفاع الجوي، وهي نقطة أكد عليها وزير دفاع أردوغان، كما أعلن المسئولون الأتراك أيضًا أنه إذا ما عوقبت أنقرة بإخراجها من برنامج "جوينت سترايك فايتر إف 35"، فتركيا التي هي جزء من ائتلاف لتزويد قطع غيار الطائرة المقاتلة الأمريكية المتطورة ذات تقنية عالية، والتي تخطط لشراء 100 طائرة؛ فهم– أي الأتراك– "سيبحثون في مكان آخر" لتلبية احتياجاتهم الدفاعية.

و"في مكان آخر"، على ما يبدو، كانت إشارة سرية إلى روسيا: ففي أواخر أغسطس، أعطى فلاديمير بوتين لأردوغان فرصة النظر في طائرة مقاتلة روسية من طراز سوخوي 57، قبل أن يستمتع الاثنان برقائق الآيس كريم معًا.

وأولت الصحافة اهتمامًا كبيرًا لرسالة ترامب الشهيرة في 9 أكتوبر، والتي نصح فيها نظيره التركي بإنهاء التوغل التركي في سوريا، وتجنب العقوبات الأمريكية، قائلًا: "لا تكن متصلبًا. لا تكن أحمق!"، وما فات الكثير من الناس هو أن ترامب عرض الوساطة للتوصل إلى تسوية بين تركيا وخصمها، وحدات حماية الشعب الكردي السوري. 

وإلى جانب رسالته الخاصة، مرّر ترامب رسالة من قائد وحدات حماية الشعب، الجنرال مظلوم كوباني، تعرض التفاوض – وهو ما رفضه أردوغان بإعادة الرسالة إلى ترامب. وفي مؤتمرهم الصحفي المشترك بالبيت الأبيض، قال أردوغان: "لقد قدمت الرسالة إلى السيد الرئيس وشعرت ببالغ الأسى؛ لأن رئيسًا أمريكيًّا التقى إرهابيًا يدعى "فرحات عبدي شاهين" [اسم مظلوم الفعلي]".

بالطبع، يمكن للإدارة أن تشير إلى وقف إطلاق النار الذي صاغه نائب الرئيس مايك بينس في أنقرة في 17 أكتوبر كدليل على أن البيت الأبيض لا يوافق على تصرفات تركيا في سوريا. لكن اتفاق بينس لم يعزّز سوى أمر واقع تركي، حيث باتت أنقرة تعرف الآن بكل تأكيد أنه لا توجد عواقب على أفعالها. ولإثبات هذه النقطة، فقبل أيام قليلة من عيد الشكر، قام الأتراك – بمساعدة روسية – باختبار نظام S-400 باستخدام طائرات مقاتلة أمريكية من طراز F-16 .

وهناك أشخاص في مجتمع السياسة الخارجية – داخل الحكومة وخارجها – ينحنون أمام التراجع لصالح تركيا، قائلين إنها حليف مهم للولايات المتحدة في المنطقة. وفي البداية، ظهر أن ترامب يقاوم هذا الدافع، ولكنه الآن أعطى أردوغان إعفاءً مؤقتًا؛ لذلك فلا الديوك الرومية (turkeys)، ولا تركيا (Turkey) تستحق ذلك الإعفاء.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات ترجمات رؤية

التعليقات

  1. من هناك1 ٠٧ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٧:٤٩ ص

    لان تركيا سوف تجر اقدام ترامب وادارته الى كشف حقيقة جلب الدواعش للعراق عن طريق تركيا الى الموصل وهاهى تركيا تستبق اوروبا بتهديدهم من خلال تصريحات اردوغان المستمره باعادة الدواعش اليهم ونرى اوروبا يوميا وهم يعلنو عن عمليات اغلبها صوريه وكاذبه استباقا لما يهددهم به اردوغان واما ترامب فهو هنا سيظهر امام الشعب الامريكى بالبطل من ورق فى قتله للبغدادى الصعلوك التابع لاميركا وقد كان سجينا لديهم قامو هم بتدريبه فاتهم ترامب اوباما وهيلارى بانهم خلف الدواعش ولعب هو بورقة البغدادى وقتله ليظهر كبطل ومنقذ لاميركا ويتم انتخابه وليس عزله وفشل ترامب بكل ذلك-وهو الان يصر على اخفاء اى دور لتركيا مع الدواعش والذين كانت الطائرات الامريكيه تلقى عليهم من السماء بالعراق السلاح والامداد والتموين الغذائى باعتراف كبار مسؤولى العراق وبرلمانه فى ذلك الوقت ومنهم المعدوه النائبه النشطه حنان فتلاوى

اضف تعليق