فورين بوليسي| ما لا يفهمه الغرب عن نوايا روسيا في أوكرانيا


٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ - ١٠:٣٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

وسط الدراما المتعلقة بإجراءات مساءلة ترامب، من السهل نسيان قضية أكثر إلحاحًا من الناحية الجيوسياسية في أوكرانيا: تدخُّل روسيا المستمر في الجزء الشرقي من البلاد وشراكة أوكرانيا المتعطلة مع الغرب لردعها. وقبل الاجتماع المقرر عقده الأسبوع المقبل في باريس بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والذي سيحاول فيه القادة الأربعة عقد اتفاقية لوقف إطلاق النار، حان الوقت لكي تولي الولايات المتحدة انتباهها مرة أخرى، لا سيما وأنه توجد مؤشرات على أن بعض الأصوات المؤثرة في موسكو تؤيد النهج الأكثر اعتدالًا. وهذا يعني تفسير أكثر مرونة لاتفاقية مينسك 2 لعام 2015 التي هدفت لإنهاء القتال في دونباس، بمعالجة وافية للمخاوف الأوكرانية، وهذا، بدوره، قد يعزّز فرص السلام.

إن جزءًا من مشكلة الولايات المتحدة هو أنها تخطئ في تشخيص المشكلة في أوكرانيا، يكاد لا يمر يوم دون أن يقترح أحد المراقبين أن روسيا غزت أوكرانيا لأن بوتين لا يسعى سوى لإخضاع تلك الدولة بالكامل إلى موسكو، وشجع سوء الفهم هذا صقور روسيا في الولايات المتحدة ممن أيدوا العقوبات على المشاركة.

إن الحقيقة حول أنشطة روسيا في أوكرانيا تحمل تفاصيل دقيقة. وبدلًا من الضم، فإن هدف الكرملين المبدئي في دعم الانفصاليين الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا هو تأمين الاستقلال الذاتي القانوني لمنطقة دونباس داخل أوكرانيا اتحادية. حينها ستمتلك روسيا نفوذًا على جزء مهم من الأراضي داخل أوكرانيا، وهو ما سيمنح موسكو حق فيتو في كييف على التقارب الاستراتيجي للدولة من الغرب، وتؤكد عدة تصريحات من بوتين نفسه أن روسيا تعتبر اتحادية أوكرانيا أداة جذابة لمنع الاندماج اليورو-أطلسي للدولة؛ وهكذا فإن تأمين ولاء دونباس هو ضمان للتفضيلات الروسية. ربما يكون الكرملين متشددًا عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا، لكنه ليس مجنونًا.

وقد علم بوتين بالتأكيد أن غزو أوكرانيا واحتلالها – ناهيك عن خلق صراع مستعر – سيكون دمويًّا ومكلفًا للغاية، والغزو لم يكن سيساعد روسيا في ترسيخ نفوذها على السياسة الأوكرانية بأقل تكلفة جيوسياسية.

ومن المؤكد أن أنشطة روسيا في أوكرانيا لم تسير كما هو مخطط لها، لقد كانت الستة أشهر الأولى من التدخل الروسي فوضى عارمة، بكل المقاييس، حيث دخلت أجزاء من شرق أوكرانيا في مستويات لا توصف من العنف والفوضى. وفي النهاية، أسّس الكرملين نظامين يمكن إدراتهما في معقلين للانفصاليين في دونباس – لوهانسك ودونيتسك. لكن الوصول لذلك تطلب عملية طويلة ودموية من تطهير المتعصبين أيديولوجيًّا وأولئك الذين لن يمتثلوا للكرملين.

لقد اختبرت صعوبات الحملة في أوكرانيا قدرة النخب الروسية على البقاء متحدة، ومع مرور الوقت ووجود الكثير من الأمور على المحك، يصبح الشقاق الداخلي أكثر وضوحًا. هذه الأيام، تنطوي السياسة الروسية الخاصة بجمهوريات دونيتسك ولوهانسك على عدة مجموعات متنافسة من اللاعبين التابعين للدولة بمصالح متضاربة في بعض الأحيان.

على سبيل المثال، أحد الشخصيات الرئيسية في إدارة الجمهوريتين هو فلاديسلاف سوركوف، الخبير الاستراتيجي السياسي في الكرملين الذي يشرف على السياسة الخاصة بمنطقة دونباس داخل الإدارة الرئاسية، وهو مُكلف بقيادة برامج بناء الدولة في جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك غير المعترف بهما دوليًّا. إن هدفه، بينما يقود وضع القوانين وسياسة الموظفين، هو الحفاظ على الاستقرار السياسي في الجمهوريتين وتأمين مصالحهما في المحادثات الدولية حول الصراع الأوكراني.

وكثيرًا ما يختلف رجال سوركوف مع أجهزة المخابرات والجيش الروسي، المكلفين بإدارة الأمن في دونباس. إنهم يفضّلون أن تصبح الأجهزة الأمنية في الجمهوريتين تابعة لسلطات الجيش الروسي، في الوقت الذي يقدم المديرون السياسيون تقاريرهم إلى فريق سوركوف، ما يجعله من الصعب تجنب الخصومة. وتؤدي أولوياتهم المتضاربة في بعض الأحيان إلى صدامات داخلية، مثلما حدث في 2017، عندما نجح جهاز الأمن الفيدرالي الروسي في تعيين ضابط مخابرات سابق رئيسًا لجمهورية لوهانسك على حساب المرشح المدني المفضل لسوركوف.  

مجموعة المصلحة الروسية الثالثة في دونباس هي المجموعة التي تدير التمويل لعمليات روسيا في المنطقة، وفي السنوات الأخيرة، ترأس نائب رئيس الوزراء الروسي ديمتري كوزاك تلك المجموعة. لقد ناصر نهجًا أكثر مرونة في تطبيق اتفاقيات مينسك، وعلى وجه التحديد، يحب إيجاد طرق لتسوية الصراع والتي ستخفف العبء المالي والاقتصادي الذي تتحمله روسيا بمساندتها لأنظمة عسكرية فاسدة بشدة. على الجانب الآخر، يرى فريق سوركوف هذه الخطوات مؤشرًا على الاستعداد لتقديم تنازلات غير مقبولة.

لقد أدت المنافسة بين الفصائل إلى عدم ترابط في السياسة، ومؤخرًا، إشارات على تغيير محتمل في موقف روسيا تجاه أوكرانيا. على مدار العامين الماضيين، كان موقف سوركوف يضعف تدريجيًّا، وتعرّض للنقد بسبب تشدده. على سبيل المثال، في أكتوبر 2018، أعاد بوتين تشكيل الدائرة الرئاسية الرئيسية المسئولة بشكل غير رسمي عن أوكرانيا، وحدّ من سلطتها. أعقب ذلك تخفيض كبير في عدد موظفي المكتب، وتوجد أيضًا أقاويل بين بعض التكنوقراط والليبراليين عن أن بوادر محدودة لحسن النية تجاه أوكرانيا قد تستحق العناء إذا كانت ستدفع الاتحاد الأوروبي إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن روسيا.

إن العقبة الرئيسية أمام أي تغيير في سياسة روسيا تجاه أوكرانيا هي المعتقد الراسخ بشدة لدى القيادة الروسية بأن تقديم أي تنازلات سيؤدي إلى المزيد من الضغوط والمطالب الغربية. لهذا السبب، مهما كانت التنازلات الأخرى التي يمكن أن تقدمها روسيا، سيظل خطها الأحمر ثابتًا: سيواصل الكرملين الاحتفاظ بموطئ قدم في دونباس والذي سيمده بالنفوذ للتأثير على السياسة الخارجية لأوكرانيا، والتنازلات الصغيرة غير مطروحة على الطاولة ما دامت روسيا تخشى الموقف المتشدد من الغرب.

إن قمة باريس ليست حدثًا للنجاح أو الفشل؛ ولا شك أن المواقف التفاوضية للطرفين لا تزال تبدو غير قابلة للتوفيق، لكن لا ينبغي أن تتجاهل الولايات المتحدة الإشارات بأن أجزاء من النخبة الروسية ربما تكون مستعدة للعثور على حل أفضل من الوضع الراهن. لقد أصبحت أزمة أوكرانيا حالة نادرة حيث نجحت روسيا في غرس بذور الخلاف ليس بالخارج فحسب، بل بالداخل أيضًا. ولذلك السبب، حان الوقت لكي يفكر الغرب في كيف أن منافسة المصالح الروسية ربما تأتي بنتيجة.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق