آسيا تايمز| لماذا تهتم الولايات المتحدة بتحالفات شرق آسيا؟


٠٩ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٦:١٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

كشف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بوضوح عن تصميمه على انتزاع المزيد من الأموال من الحلفاء الأوروبيين في قمة الناتو، التي عُقدت في العاصمة البريطانية لندن.

ولدى ترامب وجهة نظر، فحالة العديد من الجيوش الأوروبية مثيرة للشفقة، ومخصصات الإنفاق الدفاعي تافهة، والنتيجة؟ الإفراط في الاعتماد على القوات والأصول الأمريكية.

من المتوقع أن يكرّر ترامب مطالبته في يوليو بأن تحدد دول الناتو 2٪ على الأقل من ميزانياتها للدفاع. لكن "يانس ستولتنبرج"، الأمين العام لحلف الناتو، يتوقع أن ثمانية فقط من أعضاء الناتو البالغ عددهم 29 (بمن فيهم الولايات المتحدة) سيكونون قد وصلوا إلى هذه النسبة بحلول نهاية هذا العام.

بينما يظهر هذا السيناريو في لندن، يشير منظور أوسع إلى أن التهديد الذي يواجهه حلفاء الولايات المتحدة في المحيط الأطلنطي أضعف وأكثر أحادية من الضغوط المتصاعدة ضد حلفاء الولايات المتحدة في المحيط الهادئ.

ففي أوروبا، يواجه حلف الناتو روسيا، وهي دولة تتمتع بقوة عسكرية مسلحة نوويًّا، لكن اقتصادها من الدرجة الثانية. ولكن في شمال شرق آسيا، حيث موطن قوى التصنيع الرائدة في العالم، وإلى جانب الاتحاد الأوروبي ونافتا، فهي أحد أكبر ثلاث مناطق في العالم في النشاط الاقتصادي، وهو التهديد الأكثر حزمًا وأكثر تعددًا في الأبعاد.

فلم تكن اليابان وكوريا الجنوبية، حليفا الولايات المتحدة، جزءًا من تحالف متعدد الأطراف يضم 29 عضوًا. ومع ذلك، فإنهما مرتبطان بالأمريكيين باتفاقيات أحادية وثنائية، وفي منطقتهما، لا يواجهان روسيا الآسيوية فقط، ولكنهما يواجهان أيضًا كوريا الشمالية الأكثر خطرًا والمسلحة نوويًّا، إضافة إلى الصين، القوة الاقتصادية والعسكرية الأكثر فرضًا والطموحة السريعة.

وعلى خلفية هذا التهديد متعدد الأوجه، يطالب ترامب بمبالغ كبيرة للقوة الأمريكية.

وليس الأمر كما لو أن اليابان وكوريا الجنوبية لم تكونا منفقين بالفعل. فوفقًا لبيانات البنك الدولي، أنفقت اليابان، القوة الاقتصادية الثالثة في العالم، في عام 2018، 0.9٪ من ميزانيتها على الدفاع، في حين أنفقت كوريا، أكبر اقتصاد في العالم الحادي عشر، 2.6٪.

وتخطط اليابان لإنفاق 50.3 مليار دولار في عام 2020 على الدفاع، بزيادة قدرها 1.2 ٪ عن العام الحالي. فيما تستثمر كوريا الجنوبية بشكل أكبر نسبيًا، حيث تسعى سيول إلى زيادة بنسبة 7.4٪ العام المقبل، بقيمة 41.29 مليار دولار.

ويستثمر كلا البلدين بكثافة في الأجهزة الأمريكية. خذ مثلًا المقاتلة الشبح الأمريكية الرائدة "إف 35"، تسعى اليابان لشراء 147، بينما تحاول كوريا الجنوبية الحصول على 60، غير أن طلب ترامب الكبير ليس الشراء، بل دفع تكاليف القوات الأمريكية المتمركزة في الدولتين.

وأفادت التقارير بأن ترامب يسعى خلال سلسلة من المحادثات الجارية، إلى رفع مساهمة اليابان من 1.7 مليار دولار إلى 8 مليارات دولار، ورفع مساهمة كوريا من 893 مليون دولار عام 2019 إلى 4.7 مليار دولار. ووفقًا لمنظمة وسائل الإعلام على الإنترنت (كونفرزيشن)، فإن تكاليف القواعد الأمريكية في اليابان وكوريا على دافع الضرائب الأمريكي، والتي تبلغ على التوالي 5.7 و4.5 مليار دولار.

وهذا بدوره يثير سؤالًا كبيرًا: هل يفهم ترامب – الذي ربما يكون أكثر الرؤساء الأمريكيين تركيزًا على التجارة في الذاكرة الحديثة – سياسات القوى الكبرى واستراتيجيتها؟

أحد المبادئ الأساسية للاستراتيجية هو الدفاع المتقدم، حيث من الأفضل – على افتراض أن المرء لديه لوجستيات قوية – أن يقاتل إلى أقصى حد ممكن، وعادةً ما تفهم واشنطن هذا الأمر، كما أثبت ذلك أحد أبرز الأحداث في تاريخ الولايات المتحدة.

ففي أكثر الحروب دموية في العالم، كانت الضربة الأولى ضد القوات الأمريكية قد وصلت إلى 378 ميلًا من الساحل الغربي للولايات المتحدة، إلى بيرل هاربور في هاواي. وطوال فترة الصراع، أمَّنت عملية النشر المتقدم للولايات المتحدة درعًا للأراضي الأمريكية، ولا يمكن حساب قيمتها، بينما يتم تدمير أوروبا وآسيا تحت وقع المعارك البرية، وسياسة الأرض المحروقة في الانسحاب، والقصف الكاسح، ظلت أراضي الولايات المتحدة حَرمًا آمنًا.

إن دفاع الولايات المتحدة في المحيط الهادئ بات أفضل اليوم. فالخط الأمامي– الذي يضم أصول الدفاع البري والجوي والبحري– جرى دفعه لمسافة 4662 ميلًا إلى الغرب من هاواي، وهذا يتيح لها "الدفاع في العمق" الحقيقي.

فالقوات الأمريكية في كوريا تُمثّل خط المواجهة الأمريكي في الأراضي الآسيوية نفسها. والخط الثاني هو اليابان، ثم غوام، ثم هاواي، وأخيرًا الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا جرى التخلي عن أي من هذه الخطوط، فإن واشنطن ستفقد ميزة الإنذار المبكر، ومساحة المناورة الجوية – البحرية، والقدرة على استخدام الأصول والوحدات الدفاعية في الموقع.

وعلاوةً على ذلك، فإن موطئ قدم الولايات المتحدة في اليابان وكوريا ليست دفاعية بحتة. كما أنها تعمل كقواعد عمليات متقدمة، حيث توفر نقاط انطلاق لعمليات المراقبة في المنطقة في حالة حدوث أي صراع أو اعتراض أو مشاركة في المستقبل.

إن الاستراتيجية مرتبطة بالجغرافيا، وتُعد كوريا الجنوبية وجزيرة جيجو وأوكيناوا اليابانية مواقع مثالية لتغطية الدخول والخروج من الساحل الشرقي للصين، كما أن شمال اليابان يمنح القوات الأمريكية وضعًا جيدًا لمراقبة التحركات الجوية والبحرية الروسية حول مدينة فلاديفوستوك، فيما تتشارك كوريا الجنوبية الحدود مع كوريا الشمالية.

في القرن الحادي والعشرين، يعتقد البعض أن الأصول، مثل حاملات الفرق القتالية واستطلاع الأقمار الصناعية، تتجنب الوجود على الأرض، ولكن هذا مجرد سذاجة.

تحتاج القوات البحرية إلى قواعد، ويتيح معسكر هامفريس – القاعدة الأمريكية الشاسعة التي تمولها كوريا الجنوبية جنوب سيول– مساحة أكبر من مساحة جميع الناقلات في الأسطول الأمريكي مجتمعة، كما أن استطلاع الأقمار الصناعية لا يمكنه تعويض طائرات التجسس، والتنصت الإلكتروني واستخلاص المعلومات عبر الاستخبارات البشرية، وبينما تواصل الصين صعودها على حساب آسيا والمحيط الهادئ، فإن الصراع الإقليمي يدور حول أنظمة الحكم والنفوذ السياسي والاقتصادي.

ولم تعد هياكل السلطة اليوم أحادية البعد؛ فهناك قوة ناعمة، وهي قوة الجذب، وهناك قوة حادة، وهي قوة التأثير والتلاعب، لكن بالنظر إلى حقائق المنافسة الاستراتيجية، لا يمكن شطب القوة الصلبة القديمة والتي تعني قوة الإكراه، وأشد أشكال القوة الصلبة هي القوة العسكرية.

في عام 2018، حدّدت وزارة الدفاع الأمريكية القضايا الرئيسية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على النحو التالي: الدفاع عن الوطن؛ أن تظل القوة العسكرية الأبرز على الأرض؛ ضمان بقاء موازين القوى في المناطق الرئيسية لصالح الولايات المتحدة؛ وتعزيز نظام دولي يضمن أمن الولايات المتحدة وازدهارها.

وفي النهاية؛ إذا قبل ترامب بهذا التقييم – وقبل ذلك، إذا كان يريد أن تظل الولايات المتحدة مهيمنة وقادرة على الدفاع عن نفسها – فإن التحالفات الآسيوية وعمليات الانتشار تظل ضرورية وذات قيمة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق