الجارديان | حرب أفغانستان كانت خطأ بأكثر من تريليون دولار


١١ ديسمبر ٢٠١٩

ترجمة - آية سيد

لقد علم الشعب الأمريكي أن الحرب في أفغانستان كانت قضية خاسرة منذ فترة لا بأس بها. وبحسب مركز بيو للأبحاث، بدأت آراء الأمريكيين عن الحرب في التراجع في نهاية 2011، حتى بدأت الأغلبية في النهاية ترى مظاهر الفشل بعدها بعامين.

لهذا السبب فإن تقرير واشنطن بوست الصادر هذا الأسبوع عما يُدعى "وثائق أفغانستان"، والذي يوضّح بالتفصيل كيف أن المسئولين الأمريكيين "ضللوا الرأي العام عمدًا" عن تقدم الحرب، لم يكن مميزًا. إذا كان هذا المقال سلب أي براءة متبقية من هذا المشروع المروع، فهي على الأرجح أن بعضنا ظن أن قادتنا، بينما فشلوا فشلًا ذريعًا في بناء دولة على بُعد آلاف الأميال، كانوا على الأقل يعملون بنية حسنة.

في الوقت نفسه، تقرير واشنطن بوست يثير الغضب، ليس فقط بسبب الغباء المطلق للقادة الأمريكيين الذين واصلوا خوض حرب يعلمون أنهم لا يستطيعون ربحها؛ بل أيضًا لأن إحجامهم عن تحمل مسئولية السياسة الفاشلة تسبب في الكثير من الوفيات والدمار والحسرة، لا سيما بين الأُسَر الأمريكية التي كرّست حياتها لخدمة بلدها، والعدد الذي لا يُحصى من المدنيين الأفغان المحاصرين في حلقة من الحرب اللانهائية التي لا علاقة لهم بها. 

بالطبع، "وثائق أفغانستان" استدعت على الفور ذكريات وثائق البنتاجون المسربة إلى صحيفة نيويورك تايمز قبل نصف قرن تقريبًا؛ لأنها أيضًا كانت وثائق حكومية توضح كيف أن عدة إدارات أمريكية كذبت على الشعب بخصوص فيتنام – وهي حرب أخرى غير ضرورية ومكلفة وطويلة من دون حل عسكري.

لكن هناك فرق رئيسي: الحرب في أفغانستان ليس لها تأثير مباشر على أرواح الأمريكيين العاديين مثلما فعلت حرب فيتنام، عندما عنى التجنيد الإجباري أن الجميع سيتحتم عليهم التعامل مع صراع الحرب الباردة بالوكالة في جنوب شرق آسيا بطريقة أو بأخرى. وعليه، فمن الممكن جدًا أن هذا التقرير المهم لواشنطن بوست سيذهب سُدى مثل عشرات الأخبار في عصر ترامب التي كانت، على سبيل المثال، ستُسقط أي رئيس أمريكي آخر في "الأوقات العادية".

لكن يوجد سؤال مهم يثيره تقرير واشنطن بوست لكنه لا يتناوله: لماذا؟ لماذا شعر الكثير من الأشخاص – من المتعاقدين الحكوميين وضباط الجيش ذوي الرتب الكبيرة، إلى مسئولي وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي – بالحاجة للكذب بشأن سير الحرب في أفغانستان؟

الإجابة السهلة هي أنه يوجد تقليد قديم في واشنطن، لا سيما لدى مؤسسة السياسة الخارجية، بأن التأمل الذاتي، وتحمل المسئولية والاعتراف بالفشل مرفوضون تمامًا. يمكن أن تُدان بالكذب على الكونجرس بشأن مبيعات الأسلحة غير القانونية، والتغطية على الأعمال الوحشية، ومع هذا تحصل على وظيفة في وزارة الخارجية. هل عذّبت أحدًا؟ لا توجد مشكلة.

في حين أن ثقافة العاصمة بعدم تحمل المسئولية تلعب بالتأكيد دورًا في هذه القضية، فإن الإجابة الأكثر إقناعًا تكمن بالقرب من حقيقة أنه بمجرد أن تعمل ماكينة الحرب الأمريكية، فلن تعترض طريقها أي حقائق تقوّض تواجدها.

في الواقع، وزعت الولايات المتحدة حتى الآن ما يقرب من 1 تريليون دولار على الحرب في أفغانستان (التكلفة الحقيقية للحرب ستكون أكثر بكثير) والجميع يقبلون الرشوة: من الرؤساء التنفيذيين لصناعة الدفاع، وجماعات الضغط وخزائن الحملة السياسية الأمريكية، إلى مسئولي الحكومة الأفغانية ومزارعي الخشخاش إلى أي شخص وأي شيء بين ذلك.

والأكثر من ذلك أن هذه المجموعة العسكرية – الصناعية - البرلمانية معزولة إلى حد كبير عن المساءلة الشعبية، إذن ما الحافز لتغيير المسار؟ تعمل ميزانية البنتاجون بنفس الطريقة تقريبًا: مبالغ غير مسبوقة في اعتمادات غير ضرورية نتج عنها مئات المليارات من الدولارات المبددة في الإهدار، والاحتيال وسوء الاستخدام. مع هذا يواصل الكونجرس تقديم المزيد والمزيد من الأموال لوزارة الدفاع كل عام دون أن يطلب منها توضيح كيف تنفق هذه الأموال. في الواقع، الحرب في أفغانستان أمر تافه بالمقارنة.

الخلاصة هي أن وثائق أفغانستان توضح أن الكثير من الأشخاص قد قُتلوا وأصيبوا وتعرضوا لسنوات، إن لم يكن طوال حياتهم، للصدمة النفسية والمعاناة المالية؛ لأن حفنة من الرجال في واشنطن لم يريدوا الاعتراف علنًا بما علموه في السر طوال الوقت. إذا لم نبدأ في مساءلة هؤلاء الأشخاص – والأمر لا يتعلق بأفغانستان فقط – فستستمر مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن في التصرف دون عقاب، ما يعني أنه من المرجح أن يكون هناك بعد 50 عامًا مجموعة أخرى من "الوثائق" التي تكشف مرة أخرى أننا فشلنا في تعلم الدروس الواضحة من الماضي.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق