ناشيونال إنترست | ماضي إيران الإمبريالي يلقي بظلاله على مستقبلها


٢٠ ديسمبر ٢٠١٩ - ١٢:٥٠ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

مَن يتحدث باسم إيران؟ عندما ينخرط المجتمع الدولي مع الجمهورية الإسلامية، فإنه يميل إلى التعامل مع هذا البلد باعتباره مجموعة متجانسة وكيانًا سياسيًّا وطيدًا تحكمه نخبة دينية مترسخة، غير أن هذا ليس صحيحًا. وفي الواقع، فإن إيران عبارة عن بوتقة متنوعة ومعقدة مكوّنة من هويات عرقية متعددة ومتنافسة تكبحها سلطة مركزية قوية - لكن بالكاد. 

إن هذا الوضع هو نتاج طبيعي لتاريخ إيران الإمبريالي. ففي ذروة قوتها في أواخر القرن السابع عشر، سيطرت السلالة الصفوية الحاكمة، وهي أعظم إمبراطورية إيرانية والتي استمرت لما يزيد على 500 عام، على أراضٍ امتدت من وسط أفغانستان حتى جنوب شرق تركيا، وضمّت ملايين الناس وعشرات المجموعات العرقية المميزة. وعلى مدار السنوات، ومع توسّع وتقلّص حدود الإمبراطورية الإيرانية، خضع طيف واسع من الثقافات والعرقيات لسيطرتها، ومع مرور قرون من الزمن، أدّت الهجرات والتجارة إلى صهر هذه المجتمعات المختلفة وتشكيل ما يُعرف اليوم بإيران.     
  
مع هذا، فإن السؤال الخاص بمدى تنوّع إيران عرقيًّا لا يزال محل نقاش. تقول "بريندا شافر"، الأستاذة بجامعة جورج تاون، وواحدة من أبرز الخبراء المتخصصين في شئون الأقليات العرقية في إيران: "لا يوجد الآن مصادر أكاديمية أو حكومية متفق عليها بخوص التركيبة العرقية لإيران"، ونتيجة لعدم وجود مصادر، فإن تقديرات الحكومة الأمريكية - من بينها كتاب الحقائق العالمي الشهير لوكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي آيه) والذي تعتمد عليه المعاهد والمؤسسات الأكاديمية بشكل روتيني فيما يخص الإحصائيات - تعكس عمومًا البيانات الرسمية الإيرانية فيما يتعلق بسكان أقاليمها.

وتشدّد "شافر" على أن هذا خطأ؛ لأن النظام الإيراني لديه مصلحة خاصة في تضخيم أعداد الغالبية الفارسية، والتقليل من حجم وأهمية المجموعات العرقية الأخرى.

ووفقًا لتقديراتها، فإن "التقديرات الأكثر موثوقية لتركيبة إيران الداخلية" يمكن استخلاصها من دراسات استقصائية اجتماعية سابقة غير مسيّسة تمت في سبعينيات القرن الماضي.

وتتوقع "شيفر" أنه وفقًا لهذه الإحصائيات يتكون سكان إيران الحاليون البالغ عددهم خمسة وثمانون مليون نسمة مما يزيد على اثنين وأربعين مليون فارسي، ونحو سبعة وعشرين مليون أذربيجاني، وقرابة ثمانية ملايين كردي، وخمسة ملايين عربي، ومليوني تركماني، ومليون ونصف بلوشي.

بعبارة أخرى، فإنه بالرغم من أن الفرس يشكّلون غالبية داخل الجمهورية الإسلامية، إلا أن أعدادهم أقل بكثير مما يُروّج له علنًا، أما بقية سكان البلاد فتتشكّل من مجموعات عرقية كبيرة ومؤثرة.

تتركّز تلك المجموعات في معظمها في أقاليم إيران المختلفة، بداية من أذربيجان الشرقية، وغرب أذربيجان وأردبيل في شمال غرب البلاد (حيث يعيش أغلب الأذربيجانيون الإيرانيون)، وصولًا إلى منطقة سيستان -بلوشستان في جنوب غربي البلاد، حيث يعيش معظم السكان البلوش، غير أن نفوذ هؤلاء يصل إلى أبعد من حدود مناطقهم. وتلفت "شافر" إلى أن مراكز إيران الحضرية، من دون استثناء، هي متنوعة عرقيًّا - نتيجة لعقود من الزواج المختلط بين سكان الحضر وسكان المناطق الأخرى للبلاد (ونتيجة أيضًا لتأثير الإمبراطورية قبل ذلك).

وأبرز مثال على هذا الاتجاه هو المرشد الإيراني الأعلى نفسه "علي خامنئي"، حيث إن أصوله الأذربيجانية هي معلومة معروفة للجميع داخل البلاد.

مع هذا، يظل سكان أقاليم إيران هم الأكثر تمسكًا بهوياتهم العرقية والأكثر نشاطًا سياسيًّا مقارنة مع باقي مناطق البلاد، ولهذا السبب تمثل هذه المناطق تهديدًا على نظام البلاد الديني.

تلفت "شافر" إلى أنه على مدار التاريخ الإيراني "كلما كان المركز ضعيفًا، انتفضت الأطراف". والحالة هي نفسها اليوم. مع اندلاع الاضطرابات في إيران منذ ديسمبر 2017 وحتى الآن، برزت الجيوب العرقية في إيران بوصفها المركز الأقوى للمقاومة ضد الحكم الديني في البلاد. وفي المقابل، استعمل النظام الإيراني أقسى أنواع القمع -من بينها الاعتقالات الجماعية وممارسة العنف المدعوم من الدولة - في مدن تقع في أقاليم تشكل الأقليات غالبية سكانها.

إن وحشية الردّ الرسمي تعكس مدى خوف السلطات الإيرانية من النشاط السياسي وإمكانية زعزعة المجتعات العرقية لأركان هذا النظام، كما أن السلطات لديها سبب وجيه للقيام بهذا، ففي السنوات الأخيرة، برزت حركات عرقية متشددة في أقاليم مختلفة في عموم البلاد بوصفها تحديًا أمنيًا خطيرًا على النظام في طهران.

في محافظة سيستان - بلوشستان، المحاذية لباكستان، ينشط تمرد منخفض المستوى منذ منتصف العقد الماضي، إذ تسببت الهجمات التي شنتها مجموعات بلوشية سُنيّة متشددة مثل "جند الله" و"جيش العدل" ضد أهداف تابعة للنظام في وقوع خسائر فادحة للنظام. على سبيل المثال، في أكتوبر 2018، اختطف متطرفون بلوش عشرات من جيش إيران الديني، الحرس الثوري، في هذه المحافظة. كما أسفر هجوم آخر في فبراير 2019 على قافلة للحرس الثوري كانت تمرّ في المنطقة عن سقوط نحو ثلاثين قتيلاً.

لقد استمرت أعمال العنف في مناطق البلوش بالرغم من التفاهم الذي جرى في 2014 بين إيران وباكستان، والذي تعهّدت بموجبه الدولتان برفع التعاون المتعلق بمكافحة الإرهاب على طول حدودهما المشتركة.

وتشهد مناطق إيران ذات الغالبية الكردية مثل غرب أذربيجان وكردستان وكرمنشاه اضطرابات مماثلة. على مدار السنوات الماضية، أصبح الجنود الإيرانيون أهدافًا منتظمة لهجمات في تلك الأماكن نفذتها مجموعات راديكالية محلية، تتعاون غالبًا مع عناصر متعاطفة على طول الحدود مع العراق.

أبرز هذه المجموعات هي "حزب الحياة الحرة الكردستاني" (بيجاك)، وهو مجموعة كردية انفصالية لديها صلات بحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، إذ شنت هذه المجموعة حملة عسكرية ضارية ضد عناصر النظام الإيراني في المنطقة بين عامي 2004 و2011، وخاضت هذه المجموعة صدامات عسكرية متقعطة مع قوات النظام منذ ذلك الوقت.

أما إقليم خوزستان الواقع في غرب إيران، فيشهد نشاطًا انفصاليًا مهمًا تقوده الأقلية العربية في البلاد، ولدى تلك المنطقة تاريخ طويل من النشاط السياسي يعود إلى عشرينيات القرن الماضي، لكن الوضع أصبح أكثر اضطرابًا في السنوات الأخيرة، ويعود هذا جزئيًّا إلى أنشطة تمارسها جماعة متمردة اسمها "حركة النضال العربي لتحرير الأهواز".

وبين عامي 2005 و2015، اندلعت اضطرابات شعبية واسعة في هذه المحافظة، بما يعكس الاضطرابات العرقية التي تقع في أماكن أخرى في الجمهورية الإسلامية. وبالرغم من تراجع حالة الغليان هذه نوعًا ما منذ ذلك الوقت، إلا أنه ما تزال هناك إمكانية لوقوع أعمال عنف واسعة النطاق. وفي إبريل 2018، اندلعت احتجاجات كبيرة في جميع أرجاء محافظة خوزستان، وأسفرت الصدامات مع السلطات الإيرانية عن سقوط عشرات القتلى. وفي سبتمبر من ذلك العام، هاجمت مجموعة إرهابية عرضًا عسكريًا في مدينة الأهواز، ما أسفر عن مقتل نحو ثلاثين جنديًّا ومدنيًّا، في أسوأ حادث عنف تشهده إيران في الآونة الأخيرة. وتوضح "شافر" أن انعدام الاستقرار في محافظة خوزستان مقلق بوجه خاص للنظام؛ لأن هذه المحافظة هي مركز إنتاج النفط في البلاد.

لهذا، ليس مستغربًا شعور قادة إيران بعدم الثقة تجاه أقليات البلاد العرقية، ورغبتهم الشديدة في قمعها. لقد طبقت السلطات الإيرانية منذ زمن طويل سياسات أكثر تمييزًا وإجراءات أمنية أكثر تشددًا من تلك التي تطبقها في أماكن أخرى في البلاد. في آخر تقرير له، أوضح "جافيد رحمان"، مقرر الأمم المتحدة الخاص بشئون حقوق الإنسان في إيران، بالتفصيل الشديد الأشكال التي يتخذها هذا الاضطهاد ضد الأقليات، وأكد أن النظام مسئول عن "الحرمان التعسفي من الحياة والإعدامات خارج إطار القانون، وتنفيذ أعداد غير متناسبة من عمليات الإعدام بناءً على تهم مرتبطة بالأمن القومي، واحتجاز أعداد غير متناسبة من المعتقلين السياسيين، وتنفيذ اعتقالات وعمليات احتجاز تعسفية مرتبطة بطائفة من الأنشطة السلمية، مثل الدعوة لحرية استخدام اللغة، وتنظيم احتجاجات والمشاركة فيها، والارتباط بأحزاب معارضة، والتحريض على الكرهية والعنف، والإغلاق القسري للأعمال التجارية، والقيام بممارسات تمييزية، والحرمان من العمل، وفرض قيود على الوصول للتعليم وخدمات أساسية أخرى". 

إن مشاعر القلق تجاه الأقليات العرقية، تطال أيضًا الهيكل الداخلي للنظام. تقول "شافر" إنه مثلما تعامل الحزب الشيوعي السوفيتي مع الخطر الذي مثّلته الأقليات المتنوعة التي جرى إخضاعها لسيطرة الاتحاد السوفيتي، تمارس طهران على المستوى الرسمي اليوم جهودًا مضنية لضمان ألا يؤدي جنود الجيش الإيراني خدمتهم العسكرية في محافظات تقطنها أقليات عرقية ينتمون إليها، ويسعى النظام الإيراني بهذه الطريقة للحيلولة دون أن تحل الهوية العرقية محل الولاء للدولة، في حال تدهورت الأوضاع في البلاد.

لكن، لو حدث هذا التدهور، فستعتمد السلطات الإيرانية على حلفاء غير متوقعين: الإيرانيون العاديون أنفسهم. فبالنسبة لمعظم الناس، تعتبر الوحدة الوطنية هي أهم شاغل لهم، وسيفضّل الكثير من الإيرانيين وجود بلد موحّد - حتى لو كان خاضعًا لحكم ديني - على وجود بلد ممزق في مرحلة ما بعد الحكم الديني.

لهذا السبب، فإن السياسات المتعلقة بالعرقيات هي مسألة حساسة للغاية في أي مناقشة حول مستقبل إيران، وحتى أشرس المعارضين للنظام الحالي يوضحون جليًّا أنهم سيدعمون الوضع القائم لو كان البديل هو تفكك البلاد على أسس عرقية. بدوره، استغل النظام الديني في إيران هذه المخاوف، ناشرًا رسائل تشدد على أنه هو وحده القادر على منع هذا السيناريو.

ولهذا السبب أيضًا لم تكرّس مجموعات المعارضة الإيرانية المتباينة سوى وقتًا قليلاً لمناقشة محنة الأقليات العرقية في البلاد، واكتفت بإطلاق وعود عامة عن معاملة هذه الأقليات معاملة متساوية في أي نظام جديد يبرز عقب انهيار الجمهورية الإسلامية، وترتكز سياسة عدم التدخل هذه على حقيقة مزعجة مفادها: أن التأكد من بقاء الأقليات العرقية المختلفة في إيران راضية ومشاركة وملتزمة بوحدة البلاد، هو أهم هدف يواجه أي طرف يأمل في حكم هذا البلد بعد رحيل آيات الله.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية النظام الإيراني إيران

اضف تعليق