يوراسيا ريفيو | تركيا تصعّد التوترات في شرق المتوسط


٢١ ديسمبر ٢٠١٩

ترجمة - شهاب ممدوح

لقد كان هناك سبب وراء غزو تركيا لشمال قبرص في عام 1974، وهي منطقة تقطنها غالبية من العرقية التركية، كانت تركيا حينها تردّ على انقلاب عسكري خططت له حينئذ الطغمة العسكرية الحاكمة في اليونان، وكان يهدف للإطاحة بالحكومة القبرصية واستبدالها بحكومة أخرى مؤيدة لفكرة الاتحاد مع اليونان.

سيطرت تركيا في نهاية المطاف على نحو أربعين بالمائة من مساحة الجزيرة، وأقامت جمهورية شمال قبرص التركية، لكن العالم لم يعترف مطلقا بها. لم تعترف أي منظمة دولية أو أي دولةبقبرص التركية، ما عدا تركيا. وبالرغم من العديد من المحاولات لإعادة توحيد قبرص خلال السنوات الماضية، إلا أنه لم يتم التوصل لحل سياسي لهذه المشكلة. أما فيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية لإزالة النظام غير الشرعي المدعوم من تركيا، فهذا لا يبدو مطلقا خيارًا ممكنًا. فما من دولة أو كيان دولي مستعد لمواجهة الآلة العسكرية التركية القوية.

على مدار السنوات الخمس والأربعين الماضية، كانت القضية القبرصية واحدة من تلك المشاكل السياسية المستعصية التي يبدو أن العالم يفضّل تجاهلها، مثل استيلاء روسيا على القرم عام 2014. لكن اكتشاف احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي المسال عام 2010 بالقرب من ساحلي إسرائيل وقبرص، كان مُقدرًا له أن يجلب معه أيضًا تداعيات خطيرة. 

واحدة من تلك التداعيات، التي ربما كانت الأقل توقعًا، هي تشكّل كيان جيوسياسي جديد في شرق المتوسط- وهو تحالف ثلاثي بين اليونان وقبرص وإسرائيل، يبشّر بجلب الاستقرار للمنطقة، وتحقيق تقدم تقني واقتصادي وبيئي هائل لشعوبها.

النتيجة الثانية المترتبة، وربما تكون تطورًا مفاجئًا، هي تأسيس "منتدى غاز شرق المتوسط" في يناير 2019، من جانب اتحاد يضم قبرص ومصر واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية. اجتمع وزراء طاقة تلك البلدان في القاهرة في يوليو 2019 لمناقشة طريقة تسريع تطوير موارد المنطقة الهائلة من الغاز وزياة التعاون. كان الاجتماع يهدف لتمهيد الطريق لإنشاء "سوق إقليمي مستدام للغاز" عبر تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة.

إن تركيا ليست موقّعة على قانون الأمم المتحدة للبحار، ولا تعترف بحكومة قبرص ومنطقتها الاقتصادية الخالصة ولا باتفاقياتها الحدودية البحرية مع مصر وإسرائيل ولبنان، أو بتراخيص التنقيب التي منحتها قبرص لشركات الطاقة الأجنبية. وبتجاهلها للاتفاقيات الدولية، سعت تركيا لسنوات للتنقيب عن الغاز في مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص المعترف بها دوليًا. وبالتالي، لم تُوجه لها دعوة للمشاركة في المنتدى الجديد.

صرّح الاتحاد الأوربي مرارًا أنه يعتبر تنقيب تركيا بالقرب من سواحل قبرص عملاً غير شرعي، كما حذرت الولايات المتحدة تركيا بضرورة وقف عملياتها. في شهر يوليو، علّق الاتحاد الأوروبي الحوار رفيع المستوى بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وطالب البنك الأوروبي للاستثمار بمراجعة أنشطته الإقراضية لتركيا. في نوفمبر 2019، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على تركيا، قائلاً إنه سيرفعها بمجرد وقف تركيا لعمليات التنقيب غير الشرعية.

إن تركيا مدفوعة بمنطق غير شرعي. فبعد سيطرتها واحتلالها لشمال قبرص، باتت الآن تزعم أن لها حصة في مخزونات النفط والغاز المسال الوفيرة والهائلة التي اكتُشفت بصورة غير متوقعة قبالة سوحل قبرص الشمالية غير المعترف بها دوليًّا. هي تنظر إلى هذه المناطق البحرية المعنية باعتبارها جزءًا من المناطق الاقتصادية الخالصة لتركيا ولقبرص التركية الشمالية. تمتلك تركيا بالطبع ساحلاً على البحر المتوسط، لكنه يمر بشمال قبرص، بينما تقع احتياطيات الغاز فيما يسمى بمثلث الطاقة في جنوب وشرق جزيرة قبرص. 

في الخامس من ديسمبر، صعّدت تركيا من التوتر في المنطقة عبر إرسال طائرة مسيّرة عسكرية إلى قبرص لحماية سفينتي التنقيب عن النفط والغاز التابعتين لها. انطلقت الطائرة من سواحل تركيا الجنوبية وهبطت في قاعدة جوية في الجزء الذي تحتله تركيا في شمال قبرص، قبل أن تباشر فورًا أولى مهامها. وردًا على اعتراضات الاتحاد الأوروبي الفورية، هدد الرئيس التركي بإغلاق قاعدتين أمريكيتين مهمتين على الأراضي التركية، وهما إنجرليك، التي تنطلق منها طائرات أمريكية لاستهداف تنظيم داعش، وقاعدة كورجيك، التي تستضيف محطة رادار تابعة للناتو.

إن هذا الموقف التركي العدواني الواضح هو ردّ من أردوغان على تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها صواريخ إس400 الروسية المضادة للطائرات. كما أن أردوغان غاضب من اعتراف الكونغرس مؤخرًا بعمليات القتل الجماعية التي نفذها العثمانيون ضد الأرمن بوصفها إبادة جماعية. ينفذ أردوغان أيضا ضربة استباقية ضد خطط واشنطن لإقامة كيان أمني في شرق المتوسط يرتكز على تعاون بلدان مثل اليونان وقبرص وإسرائيل والأردن - وهو مشروع تقول التقارير إنه ستجري مناقشته في القمة الثلاثية بين اليونان وقبرص وإسرائيل، والمقرر عقدها في التاسع عشر والعشرين من ديسمبر.

في غضون هذا، فإن الإمكانيات الهائلة لاحتياطيات النفط والغاز في مثلث الطاقة بدأت تتحقق. إذ ستبدأ إسرائيل في تصدير الغاز لمصر قبل نهاية عام 2019، بينما توصلت قبرص أيضًا لصفقة مؤقتة لتصدير الغاز إلى مصر من حقلها المسمى "أفردويت". هناك أيضًا مشروع مهم للبنية التحتية في المنطقة وهو "أنبوب شرق المتوسط"، المزمع إنجازه بحلول 2025. بدعم سياسي من قبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا، صُمم هذا الأنبوب لربط موارد الغاز الساحلية لقبرص وإسرائيل، باليونان وإيطاليا. إن إحباط تركيا بسبب استبعادها من هذا المشروع المربح للغاية هو أمر مفهوم، لكنها من غير المتوقع أن تحصل على حصتها عبر القيام بتحركات ضد الإرادة المشتركة لبقية العالم.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية تركيا شرق المتوسط

اضف تعليق