جلوبال ريسك إنسايتس | العراق.. المليشيات والاقتصاد السياسي


٢٢ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٢:٠٩ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

طالبت الاحتجاجات الأخيرة في العراق بإنهاء الفساد الحكومي المتفشي والقضاء على النفوذ الاجنبي في السياسة العراقية وتوفير خدمات مناسبة للشعب.

العلاقة بين الدولة والمجتمع في العراق

إن الأسباب التي تقف وراء هذه المطالب تشكّلت جزئيًّا بفعل المليشيات المتنوعة التي بدأت في الظهور بعد الإطاحة بالنظام البعثي عام 2003، وقد زادت أهمية هذه المليشيات ردًا على تهديد داعش لشيعة العراق. إن أبرز هذه المجموعات الشيعية، والتي تعمل تحت مظلة قوات الحشد الشعبي، تستخدم روابط المحسوبية مع حكومة بغداد لدعم أنشطتها غير الشرعية التي تحرم غالبية العراقيين من ثروات بلادهم.

وبالتالي، فإن العلاقات بين الدولة والمجتمع في العراق تتضمن أن "تحتفظ النخب السياسية في بغداد بعلاقات بجماعات مسلحة ترعاها الدولة"، وذلك لدعم سلطة الدولة المركزية، وهو ما يمنع قيام حكومة جامعة أو حدوث رخاء اقتصادي واسع النطاق.


ممارسات اقتصادية ابتزازية

من بين الطرق التي استخدمتها قوات الحشد الشعبي لنشر نفوذها في البلاد، هي إدارة شبكات التهريب وفرض ضرائب عليها. تشكّلت هذه الشبكات في أواخر التسعينيات مع محاولة نظام صدام حسين البعثي الالتفاف على نظام العقوبات الشامل المفروض من مجلس الأمن، والحصول على عوائد مالية من تهريب النفط الخام.

وبعد مرور عقد على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، انضم العديد من مسئولي البعث الذين هرّبوا النفط لحساب صدام لتنظيم داعش واستخدموا طرق التهريب القديمة ذاتها، ويُقال إنهم كانوا يجنون مليون دولار يوميًّا عندما وصلت عمليات التهريب ذروتها.

في مطلع عام 2007، ذكرت تقارير أن مليشيات شيعية سيطرت على بعض طرق التهريب القديمة، وباتت تمتلك طرق تهريب مهمة من وإلى إيران وسوريا وتركيا. وتقول تقارير إن مدينة البصرة، وهي أكبر منطقة منتجة للنفط في العراق، وكانت مركزًا للحركة الاحتجاجية التي بدأت عام 2018، باتت خاضعة لسيطرة المافيات التي تُدير اقتصاد ريعي أخفق في تحويل موارد هذه المنطقة الهائلة إلى مكاسب اقتصادية واسعة النطاق.

نقاط التفتييش هي الأخرى تحقق دخلاً، إذْ تقع هذه النقاط على طول طرق التهريب التقليدية التي تديرها مجموعات عديدة من الحشد الشعبي (مثل كتائب حزب الله ومنظمة بدر وعصائب أهل الحق وسرايا السلام ذت النفوذ القوي). تتلقى هذه المليشيات دعمًا إضافيًّا من الشرطة العراقية الاتحادية والمليشيات العشائرية السُنيّة. إن فرض ضرائب على الطريق الواصل بين مدينة البصرة الغنية بالنفط والحدود الأردنية، هو مصدر حيوي للدخل، وذلك بدعم ضمني من الدولة العراقية.

وذكرت تقارير أن مليشيا "عصائب أهل الحق" مثلا تحصل على 300 ألف دولار يوميًّا من رسوم نقاط التفتييش المنتشرة في عموم محافظة ديالى. وبالتالي، فإن الاقتصاد السياسي للعراق مبني على أساس أن يستفيد مسئولو الدولة في بغداد من الممارسات الاقتصادية الابتزازية التي تقوم بها جماعات مسلحة غير تابعة للدولة، والتي تحقق مكاسب مستغلة علاقات المحسوبية مع الحكومة المركزية. خذ مثلا "منظمة بدر"، التابعة لمليشيات الحشد الشعبي، فهي تمثل الجناح العسكري لتحالف "الفتح" الذي يمتلك 48 مقعدًا في البرلمان العراقي.

نتيجة لهذا، تحصل مليشيات الحشد الشعبي 2,17 مليار دولار من الميزانية الاتحادية تدفعها كرواتب للمنتسبين إليها (ما يوازي ضعف الأموال التي تحصل عليها قوات البيشمرجة الكردية). وبهذا، نجد أن هناك أوجه تشابه بين حزب الله اللبناني والمليشيات العراقية.

بالرغم من المرسوم الذي أصدره رئيس الوزراء الأسبق "عادل عبد المهدي" في شهر يوليو، والذي يطالب فيه مليشيات الحشد الشعبي بإخلاء مقرّاتها والاندماج رسميًّا في قوات الأمن الحكومية، واصلت هذه المليشيات ترسيخ نفوذها في الحكومة وبقية البلاد.

لهذا، فإن العلاقة بين الجماعات غير التابعة للدولة والحكومة المركزية وأنشطة التهريب والابتزاز، هي عنصر أساسي لاقتصاد العراق الحديث، كما أن دعم إيران يفاقم من مشكلة الجماعات الشيعية المتنفذة.

دور إيران

بالرغم من الطابع اللامركزي والمتنوع لمليشيات الحشد الشعبي، إلا أن أبرز جماعات الحشد الشعبي تؤمن بعقيدة الثورة الإسلامية. تتماهي مليشيات الحشد مع "فيلق القدس" الإيراني، وهو الذراع الخارجي للحرس الثوري الإيراني ذي النفوذ القوي؛ حيث إن "أبو مهدي المهندس"، رئيس هيئة الحشد الشعبي وكتائب حزب الله، كان قد خدم سابقًا في قوات الحرس الثوري الإيراني ضد العراق تحت حكم نظام البعث.

كما أن "منظمة بدر"، التي أُنشئت كتشكيل تابع للحرس الثوري الإيراني أثناء الحرب العراقية - الإيرانية، لديها تاريخ طويل من الولاء لطهران.
علاوة على هذا، يُعتقد أن الجماعات الناشئة والجديدة في الحشد لديها علاقات أوثق بالحرس الثوري، ما يشير إلى الدور الإيراني الكبير في أنشطة الحشد الشعبي.

صنّف الرئيس ترمب في شهر أبريل الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس منظمتين إرهابيتين. وكانت الولايات المتحدة صنفت "كتائب حزب الله العراقي"، وهي مليشيا بارزة مناهضة للولايات المتحدة، منظمة إرهابية عام 2009.

والمفارقة، أن هذا التصنيف، الذي يعدّ جزءًا من حملة الرئيس ترامب القصوى ضد إيران، ربما أضرّ بالمصالح الأمريكية الاستراتيجية في العراق. لقد قيل إن هذه العقوبات تهدف عمومًا لتحقيق الاستقرار داخليًّا في العراق وتحريره من التدخل الأجنبي (أي التدخل الإيراني، حسب ما يُفهم).

هذا التصنيف والعقوبات الاقتصادية التي تبعته، جعل مصالح الحشد الشعبي التجارية أكثر ارتباطًا بمصالح طهران والحرس الثوري. فبسبب العجز عن الوصول للأسواق العالمية، يكون هناك حافز أكبر للاحتفاظ بما يسمى "الاقتصاد الريعي".

خلاصة

إن النظام المبني على علاقات المحسوبية بين الدولة والمليشيات المرتبطة بالخارج، والذي يحفز الاقتصاد القائم على الابتزاز العنيف، ولّد الكثير من المظالم التي تحرّك الاحتجاجات الراهنة. هذ يفسر جزئيًّا أيضًا سبب انخراط قوات الحشد الشعبي في قمع هذه الاحتجاجات الدموية؛ إذ قُتل ما يزيد على 300 شخص وأُصيب 15 ألف آخرين. بالتالي، فإن هيكل الحُكم في العراق الذي يحفز المليشيات لمواصلة ممارساتها الاقتصادية الابتزازية، يجب معالجته قبل تلبية مطالب المحتجين.

مع هذا، فإن التغلغل الواسع لهذه الشبكات المليشياوية في المجتمع العراقي، يعني أن مشكلة الفساد والتدخل الأجنبي، لن تُحل بمجرد استبدال النخب السياسية الراهنة، لكنه سيتطلب إعادة تشكيل من القاعدة للقمة لجزء كبير من الاقتصاد العراقي. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية العراق الحكومة العراقية

اضف تعليق