فورين بوليسي | احتجاجات العراق ولبنان فرصة للولايات المتحدة لمساعدة البلدين وإضعاف نفوذ إيران


٢٦ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٦:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

تجتاح الاحتجاجات والاضطرابات كلًا من العراق ولبنان. يوجّه المتظاهرون في الشوارع غضبهم صوب طبقاتهم السياسية الحاكمة وضد الحكومة الإيرانية. إن مواطني لبنان والعراق لم يسأموا من سوء الإدارة الاقتصادية والحُكم الفاشل والفساد المستشري داخل النخب السياسية في بلدانهم فحسب، لكنهم يربطون مباشرة بين أوضاعهم البائسة ونفوذ طهران الفاسد واستغلال الحرس الثوري الإيراني لبلدانهم لتمويل مليشيات مسلحة غير خاضعة للمساءلة في بلدانهم.

يرى الرئيس ترامب اضطرابات لبنان والعراق، إضافة إلى أعمال الشغب الواسعة في إيران، أنها دليل على أن سياسة إدارته المسماة "الضغوط القصوى" والهادفة لسحق الاقتصاد الإيراني باتت تؤتي ثمارها.

وليس مفاجئًا أن الإدارة مصممة الآن على مضاعفة سياسة العقوبات، مقتنعة بأن هذا سيجبر طهران على الرضوخ والتفاوض واستعداد النظام للتنازل عن برنامجه النووي ونفوذه الإقليمي.

لكن منتقدي الإدارة يشككون في نجاح هذه السياسة، مُعتقدين أنها ستحشر الحكومة الإيرانية في الزاوية، وتدفعها لتصعيد الصراع في المنطقة، وليس الاستسلام.

للأسف، فإن لا الإدارة ولا منتقديها قدّموا مقترحات مقنعة على الطاولة لكيفية الردّ على التطورات في العراق ولبنان. بالنسبة للإدارة، فإن تقديم دعم خطابي للشعبين العراقي واللبناني ومطالبة القوات الأمنية في بلديهما لوقف انتهاكاتها، يعكس محدودية ما يمكنها فعله هناك. كما أن منتقدي الإدارة أكثر سلبية، إذ يخشون من أن زيادة التورّط الأمريكي في البلدين سيقلل من التركيز على إيران، أو حتى أسوأ من هذا، سيفاقم الوضع في البلدين، وذلك بالنظر إلى سجل إدارة ترامب المتخبطة في تنفيذ السياسات.

المفارقة أن الإدارة ومنتقديها يعتقدون أن التغيير الحقيقي والدائم غير ممكن في العراق ولبنان، وذلك رغم أن هذا بالضبط هو ما يطالب به المحتجون. إن استقالة رئيسي الوزراء العراقي واللبناني (عادل عبد المهدي وسعد الحريري) لا معنى لها إلى حد كبير. فالنخب السياسية في العاصمتين تركّز على عقد صفقات لتوزيع المناصب في الحكومة المقبلة، بدلاً من تقديم اقتراحات إصلاحية سياسية واقتصادية لتلبية مطالب المحتجين.

الخطة التالية لحكومتي بيروت وبغداد ربما تكون المحافظة على النظام النخبوي الذي يحافظ على نفسه عبر تقاسم السلطة على أسس طائفية. يدرك متظاهرو البلدين تركيز قادتهم الضيق على المحافظة على سلطتهم، وهم غير مسرورين ويبدون متحمسين لمواصلة التظاهر في الشوارع اعتراضًا على ما يحدث.

ولا شك أن تردد وتشكك إدارة ترامب ومنتقديها، ناتج عن تجارب الولايات المتحدة السيئة في محاولة تشجيع التغيير في الشرق الأوسط. فبينما أحجمت الإدارات الجمهورية والديمقراطية المتعاقبة عن تشجيع بلدان المنطقة على إجراء إصلاحات منهجية، وسّعت إيران، في المقابل، فيما يبدو من نفوذها في السنوات الأخيرة، واستغلت الأخطاء الأمريكية والفراغ في السلطة في المنطقة لتوسيع نفوذها وأساليبها القسرية خارج حدودها.

الآن، يشير المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" إلى سوريا ولبنان بوصفهما "الخط الدفاعي الأمامي" لإيران. لقد نفذت طهران استراتيجيتها مستخدمة  قوة صلبة وناعمة، وعبر نقل أسلحة دقيقة إلى مناطق لا تمارس فيها حكومتا العراق ولبنان حقهما الحصري في استخدام القوة، وتدريب ونشر مليشيات شيعية في سوريا والعراق ولبنان واليمن بتكاليف منخفضة بالنسبة لطهران، واستكمال هذه الأدوات العسكرية بمحفزات ناعمة مصممة للسياقات المحلية، مثل التلاعب الطائفي، وشراء العقارات، ورشوة القبائل المحلية، وتوقيع عقود تجارية، وتقديم الخدمات، وكلها مصممة لاستغلال الحكومات الهشة والقادة الضعفاء والمجتمعات المحلية المحتاجة.

والنتيجة النهائية لكل هذا: شدّدت إيران فيما  يبدو من قبضتها على قادة وحكومات العراق وسوريا ولبنان، وحققت هدفها المتمثل في إملاء السياسات وزرع وكلائها (حزب الله ومنظمة بدر وعصائب أهل الحق) داخل مؤسسات الدول لممارسة نفوذ طويل الأمد، وهنا انتبه صنّاع القرار الأمريكيون لهذا الوضع الاستراتيجي، وتحدثوا بجرأة وبشكل علني عن ضرورة انسحاب طهران، لكنهم لم يقدموا مطلقًا استراتيجية فعّالة ومموّلة تمويلًا جيدًا لتحقيق هذا الهدف.

لكن الاحتجاجات الشعبية الأخيرة الواسعة ضد الفساد والضعف الحكومي وانتهاكات قوات الأمن في العراق ولبنان، تشير إلى أن المكاسب الإيرانية ربما تكون غير دائمة، وربما تكون عدوى الاحتجاجات قد انتقلت إلى إيران نفسها.

ولا شك أن ردّ النظام الإيراني العنيف على الاضطرابات التي شهدتها 20 مدينة إيرانية على الأقل - وهو ما أسفر عن مقتل ما يزيد على 300 شخص واعتقال ما يزيد على 7000 آخرين - يشير إلى أن النظام يشعر بالضعف وبحاجته لمنع انتشار الاحتجاجات. لو كان الأمر كذلك، فينبغي للولايات المتحدة ألا تفترض أن وضع إيران الإقليمي قوي ومترسخ  للغاية لدرجة أن واشنطن ليس لديها ما تفعله لمقاومته.

إن مشاركة قطاعات كبيرة من الشيعة في العراق ولبنان في المظاهرات المناهضة للحكم الطائفي ونفوذ إيران المفرط، توضح جليًّا نقاط ضعف إيران وصعوبة محافظتها على وضعها الإقليمي.

علاوة على هذا، يبدو أن استراتيجية القوة الناعمة الإيرانية - أي استغلال العلاقات الشيعية الطائفية في المناطق ذات الغالبية العربية لكسب النفوذ عبر مشاريع دينية وإعلامية واقتصادية - تلاشت وذلك لأن صورة إيران باتت اليوم مرتبطة بالفساد والقادة غير الخاضعين للمحاسبة والحكومة غير الممثلة وسوء الإدارة الاقتصادية وانتهاكات قوات الأمن والرد العنيف على المتظاهرين.

لقد تمدّدت إيران ووسّعت نفوذها بشكل مفرط في المنطقة، ولم يقدم قادتها شيئًا مفيدًا للمواطنين العراقيين واللبنانيين - كما أن قمع إيران الوحشي للمحتجين الإيرانيين فاقم من تدهور صورتها.

تمتلك إيران في الوقت الراهن أدوات وموارد قليلة، لا سيما مع تدهور اقتصادها وسوء إدارته، لهذا ينبغي للولايات المتحدة أن تكون قادرة على منافسة إيران بصورة فعّالة.

بالتأكيد، حان الوقت لأن نتجاوز أداة السياسة الخارجية المفضلة لإدارة ترامب والمتمثلة في استخدام العقوبات لمواجهة كل نشاط إيراني خبيث، سواء كان هذا أنشطة نووية غير شرعية أو دعم الإرهاب أو انتهاكات حقوق الإنسان. في الوقت ذاته، فإن العقوبات ليست الأداة الأكثر فاعلية في جعبة صنّاع القرار الأمريكيين للردّ على المحتجين المطالبين بإنهاء الفساد وتحسين الاقتصاد ومحاسبة القادة.

يجب أن تركز السياسة الخارجية الأمريكية الآن على التمييز بين ما يمكن أن تقدمه واشنطن للمنطقة وتسليط الضوء على الفرق بين الولايات المتحدة ورؤية إيران الفاسدة والعنيفة.

لو كانت الإدارة غير قادرة أو غير مستعدة لحشد دعم الحزبين لهذا التحول في سياستها، فإن الوقت قد حان لأن يمارس الكونغرس دوره. ولا شك أن أعضاء الكونغرس من الحزبين لا يزالون ملتزمين بتعزيز استقرار المنطقة ومقاومة نفوذ إيران ودعم الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والأمنية في المنطقة.

وهناك خيار آخر متاح، وهو عقد شراكة استراتيجية مع شعبي العراق ولبنان عبر اتخاذ إجراءات تشريعية: تحديث الشراكة الأمريكية - العراقية التي تعزّز الالتزامات الموجودة بالفعل في "اتفاق إطار العمل الاستراتيجي" لعام 2008، وتوقيع اتفاق جديد مع لبنان لوضع خريطة طريق للتعاون الثنائي يتجاوز تركيز واشنطن الحصري على دعم الجيش اللبناني.

إن تحرّك الكونغرس ضروري لأنه يضع أفقًا زمنيًّا غير مرتبط بالجداول الزمنية للانتخابات الرئاسية، ويرسل إشارة قوية للمنطقة التي باتت متشككة بفضل تقلّبات الإدارة الأمريكية الحادة ورسائلها المزدوجة.

ولا شك أن عرض الكونغرس لبناء هذه الشراكات، ينبغي أن يكون مشروطًا بتعهّد حكومتي وقادة العراق ولبنان باتخاذ خطوات ملموسة تلبّي بصورة حقيقية مطالب المحتجين.

إن ما سيقدمه الكونغرس ليس مجرد دعم مالي أو خطابي، ولكن إطار عمل لشراكة تستجيب لمطالب المحتجين، ويجب أن يتضمن تشريع الكونغرس تقديم تقارير علنية عن المعايير الأساسية للإصلاح، بالإضافة إلى تقييم التطبيق العملي لهذه الإصلاحات. يجب أن يكون التمويل والمساعدة موجودان على الطاولة، خصوصًا فيما يتعلق بدعم الإصلاح في الوزارات المدنية.

والخبر الجيد هو أن الولايات المتحدة لديها الخبرة الفنية والعلاقات الدولية، لا سيما العمل مع الحلفاء والمنظمات غير الحكومية ذات المصداقية، للمساعدة في معالجة الفساد، ودعم حكم القانون، واستعادة الخدمات، وتقديم التدريب، وتطوير البنية التحتية، وتحفيز النمو الاقتصادي. هذا ما يريده المحتجون؛ وهذا ما يمكن أن تقدمه واشنطن بصورة ملموسة.

في المقابل، فإن إيران لا تقدم أيًّا من هذه الأشياء. إن الولايات المتحدة لديها الآن فرصة لتقديم ما لا تستطيع إيران تقديمه: الشعور بالأمل والقدرة على تحقيق الهدف لدى الشعبين العراقي واللبناني المتعطشين للتغيير الحقيقي، واللذين لن يطمئنا حتى يحققا هذا التغيير.   


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



التعليقات

  1. ثورى1 ٢٦ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠١:٢٢ م

    بل هى فرصه للولايات المتحده لتعيد حساباتها وتنهى احتلالها للعراق وتتفرغ للتحدى الفارسى الايرانى المدعوم من روسيا والصين حاليا حيث ان اميركا بالرمق الاخير لفقدان كافة او بالاصح نهاية بقايا اى نفوذ لها بالمنطقه مساعدة ايه ومهزلة ايه

اضف تعليق