ذا هيل | أوراق أفغانستان تكشف حقائق صادمة لكن غير مفاجئة


٢٨ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٢:٢١ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

لقد عملت موظفًا في الكونغرس في الفترة بين 2008 و2017، حيث كنت مساعدًا لأعضاء لجنتَي الخدمات المسلحة والعلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ.

وبصفتي موظفًا منخرطًا في أنشطة الكونغرس الخاصة بتفويض ومراقبة أنشطتنا في أفغانستان في ذلك الوقت، فإن المعلومات الجديدة التي كُشف عنها في الواشنطن بوست، تحت عنوان "أوراق أفغانستان"، هي صادمة لكنها في الوقت ذاته غير مفاجئة، إذ تخلى الكونغرس والبيت الأبيض عن مسئولياتهما لوضع أهداف واستراتيجيات عالية المستوى، وقياس تنفيذهاالاستراتيجي.

إن هذه المعلومات صادمة لأن وثائق وتحقيقات "استخلاص الدروس" التي أجراها "مكتب المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان" والتي نشرتها الواشنطن بوست، هي دليل قاطع على أن قادة الحكومة تورّطوا في عملية تضليل عام وحملات تلاعب تشبه تلك التي قام بها أسلافهم فيما يخص فيتنام.

لقد فعلوا هذا في عصر يُفترض أنه عصر الشفافية المتزايدة، كما يستمر كثيرون في تولي مناصب داخل وخارج الحكومة، أو أنهم تقاعدوا دون محاسبتهم.

لكن أوراق أفغانستان ليست مفاجئة أيضًا، إذ يمكن لأي مراقب للصراع أن يرصد تباينات واضحة بين الشهادات المتفائلة دائمًا في جلسات استماع الكونغرس وفي مؤتمرات صحفية من جهة، وبين حاجتنا الملحة للمزيد من الموظفين والموارد والتمويل لاستكمال مهمتنا في أفغانستان عامًا بعد عام. 

لسوء الحظ، هناك الكثير من اللوم يقع على الحكومة لسماحها باستمرار هذه المأساة بلا هوادة.
إن أحد أبرز العراقيل التي شهدها في الكونغرس، كانت إحجام المؤسسة التشريعية بأكملها عن تحدّي الرواية التي اختلقها القادة العسكريون والدبلوماسيون، وطرح أسئلة جادة بشأن تقاريرهم وافتراضاتهم.

ولا شك أنه كان هناك أعضاء طرحوا أسئلة قوية وتبنّوا مواقف علنية بشأن تلك القضايا، غير أنتلك الحالات كانت غالبًا تسعى في المقام الأول لتحقيق هدف سياسي-أي إلحاق الضرر بالحزب الآخر- ثمتطرقت بعدها للحكم الرشيد وصناعة القرارات.

إن فكرة سيطرة المدنيين على الجيش والاستراتيجية الدبلوماسية، تآكلت بشكل كبير في العقود الأخيرة. هناك مفهوم عام يقضي بأن "السيطرة المدنية" مقتصرة على المدنيين الذين عيّنهم الرئيس وأكّد الكونغرس تعيينهم، بهدف إدارة هيئات الأمن القومي.


مع هذا، فإن هؤلاء الأشخاص المعينين سياسيًّا هم أقل مساءلة أمام الجمهور من أعضاء السلطة التشريعية، كما أن الكثيرين منهم متقاعدون من وظائف عسكرية أو دبلوماسية أو كانوا مرتبطين بشكل وثيق بتلك القطاعات عبر الصناعة أو العالم الأكاديمي أو المنظمات غير الربحية.

على الجانب الآخر، فإن معظم أعضاء الكونغرس قادمون من القطاع الخاص أو الحكومات المحلية أو الولائية، مهنيون طبيون وقانونيون وتجاريون، ورؤساء بلديات ومشرّعو ولايات سابقون، كما أن الكثير منهم لا يشعرون أنهم مطمئنون أو مؤهلون لمراقبة الرجال والنساء الذين قضوا حياتهم المهنية في الجيش أو المؤسسة الدبلوماسية. 

إن الأمريكيين يقدّرون ويحترمون أفراد الجيش بفضل تضحياتهم. قد يبدو محرجًا وحتى فظًا أن تختلف مع قائد عسكري بشأن أمور تتعلق بوظيفته الخطرة، وهذا ينطبق بالأخص على السياسيين الذين لم يخدموا في الجيش.

لكن هذا الأمر يلحق الضرر بالمواد الدستورية التي تنظم هيكل السلطة المدنية-العسكرية، وهو سبب مهم لسوء الإدارة الاستراتيجي في أماكن مثل أفغناستان اليوم.


لا ينبغي تكليف الجهازين العسكري والدبلوماسي ومجتمع الاستخبارات بتحديد الاستراتيجيات رفيعة المستوى- فبوصفهم جزءًا من السلطة التنفيذية، فهم مسئولون عن تنفيذ الخطة المقدمة لهم. لكن عوضًا عن هذا، فإن صُنّاع القرار المنتخبين والبيت الأبيض يطلبون من أعضاء تلك الأجهزة العسكرية والدبلوماسية تحديد الاستراتيجية رفيعة المستوى والموافقة عليها. 

إن هذا النظام يشجّع على التلاعب بالمعلومات أو استخدام التضليل المعلوماتي لرسم صورة وردية للجمهور، أو يجعل المسئولين يخشون من نشر الأخبار التي قد تكون سيئة لكنها حقيقية. إن أي منظمة مُكلّفة بأداء وظيفة والإبلاغ عن إخفاقاتها ونجاحاتها، تميل لأن تصبح "مؤسسة عديمة الجدوى"، كما وصف مستشار مكافحة التمرد العقيد "بوب كراولي"، ولهذا جرى إنشاء منظمات مستقلة مثل "مكتب المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان"، والذي تبنّى لسنوات وجهة نظر أكثر تشاؤمًا بشأن التقدم الذي أحرزناه على الأرض في أفغانستان.

كما أن هذا الوضع يخلق صراعات داخل الحكومة؛ما يمنع صياغة الاستراتيجية الأفضل لمعالجة الأزمة. وكما أوردت صحيفة واشنطن بوست؛ فإن هناك "اختلافات أساسية بقيت دون حل، حيث أراد بعض المسئولين استخدام الحرب لتحويل أفغانستان لدولة ديمقراطية، فيما أراد آخرون تغيير الثقافة الأفغانية جذريًّا وتعزيز حقوق المرأة، بينما رغب آخرون في إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بين باكستان والهند وروسيا وإيران". 

إن هذا الافتقار للتوجيه دفع مسئولًا أمريكيًّا للقول: "بمجرد أن تنتهي من هذا، يكون لديك العديد من الأولويات والتطلعات، وتشعر أنه لا توجد أي استراتيجية على الإطلاق". إن هذا الفشل في وضع استراتيجية تصبّ في مصلحة الأمن القومي، تقع مسئوليته بشكل كامل على القادة الموجودين في أعلى المناصب.

كما أن معظم التركيز في أعقاب نشر "أوراق أفغانستان" سينصبّ بشكل صائب على حملة التضليل الإعلامي التي مارسها مسئولو الحكومة على الكونغرس والجمهور، لكن يجب توجيه القدر ذاته من الاهتمام إلى عدم رغبة الكونغرس والبيت الأبيض في وضع استراتيجية وإعطاء الإذن لها، وممارسة رقابة سليمة، وتحدّي الرواية الهشّة غير الموضوعية التي تُروى لهما منذ 20 عامًا تقريبًا. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية أفغانستان

اضف تعليق