بروكنجز| خطر الافتراض المُسبق.. لماذا فشلت الاستخبارات الإسرئيلية في القيام بدورها أثناء حرب أكتوبر 1973؟


١١ يوليه ٢٠١٩ - ٠٤:٣٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



في الساعة الثانية ظهرًا, منذ 44 عامًا – يوم 6 أكتوبر 1973 – كسرت صفارات إنذار الغارات الجوية الصمت الذي غلّف إسرائيل في أكثر يوم مقدس في السنة اليهودية, يوم الغفران. كانت هذه بداية حرب 1973 بين مصر وسوريا, وإسرائيل, المعروفة للإسرائيليين باسم حرب يوم الغفران, وللعرب باسم حرب أكتوبر. من ضمن التوابع الكثيرة لهذا الصدام المصيري, والتي كانت الأصعب على إسرائيل هي الخداع الاستراتيجي والتكتيكي الناجح لسوريا ومصر, وفشل مجتمع المخابرات الإسرائيلي في تقديم التحذير اللازم, على الرغم من وجود مؤشرات استخباراتية كافية. 

هذا الفشل المهني كان إلى حد كبير بسبب ما أصبح يُعرف بـ"التصور" – التصور المسبق لدى مجتمع المخابرات الإسرائيلي, الذي أفاد بأن الدول العربية لن تبدأ حربًا على إسرائيل لن تستطيع ربحها. هذا التصور المسبق أثبت أنه خطأ, وكان التمسك به حتى اللحظة الأخيرة خطأً فادحًا.

بعد الحرب, أنشأت إسرائيل لجنة تحقيق حكومية مختصة – لجنة أجرانات – لتحديد المسئولية الشخصية لأولئك المسئولين عن الإخفاقات, ولاقتراح تغييرات هيكلية على مجتمع المخابرات الإسرائيلي. أدت مقترحات اللجنة إلى الاستقالة الجبرية لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي, ديفيد إلعازار, ثم الاستقالة الطوعية لرئيسة الوزراء جولدا مائير ووزير الدفاع موشيه دايان. أضافت اللجنة أيضًا مسئوليات تحليلية إضافية للموساد ووزارة الخارجية.

إن الإخفاق الإسرائيلي في تمييز المؤشرات الاستخباراتية الرئيسية والرد عليها لم يكن المرة الأولى, ولا الأخيرة, التي أصبح فيها تصور خاطئ قاتلًا. مع هذا, وعلى الرغم من الدروس الكثيرة المستفادة التي أدت إلى تغييرات هيكيلية جوهرية في إسرائيل ومجتمعات المخابرات على مستوى العالم، يظل خطر الاعتماد على الافتراضات الأساسية قائمًا. فقط من خلال فهم طبيعة التصور, والقيود والعثرات الكامنة في معالجة المعلومات الغامضة, يمكننا تخفيف المخاطر الكامنة في الافتراضات والتصورات المسبقة. 

النصر والهزيمة معكوسان
يشير "التصور" إلى تقييم مجتمع المخابرات الإسرائيلي بأن احتمالية الحرب بين الدول العربية وإسرائيل كانت منخفضة. ومثلما شرح بروس ريديل بإسهاب في مقال له حول إخفاقات المخابرات في الفترة التي سبقت حرب 1973, فإن عجز الإسرائيليين عن دمج المؤشرات التي لم تلائم نموذجهم أدى إلى التصور الخاطئ بأن العرب لا يمكنهم ربح الحرب في ظل الاستعداد العسكري الحالي, وبالتالي لن يبدأوها. 

كان هذا الافتراض مصحوبًا بإحساس كبير بالثقة المفرطة الناتجة عن النصر العسكري المفاجئ لإسرائيل في حرب 1967. كان الربح, حسب المفهوم الإسرائيلي, يُنظر إليه من الناحية العسكرية فقط. ووفقًا لذلك, فهم الإسرائيليون تعريف العرب للنصر على أنه استعادة الأراضي المفقودة في 1967 بالطرق العسكرية.

لكن حسابات الرئيس المصري أنور السادات لخوض الحرب تضمنت أهدافًا أكثر طموحًا وتعقيدًا مما يمكن تحقيقه عن طريق النصر الرمزي. الهجوم المفاجئ الناجح, حيث يمكن امتلاك الأرض لأيام قليلة فقط, ينبغي أن يكون كافيًا لكي تتدخل القوى العظمى وتُجبر الأطراف على التفاوض. كان المصريون مستعدين لتحمل خسائر في ميدان المعركة لكي يربحوا على طاولة المفاوضات, وهكذا أعادوا تحديد معالم النصر. وبالتالي, رغم المؤشرات العديدة الموثوقة, صمد التصور المسبق الإسرائيلي أمام المعلومات الاستخباراتية المتضاربة.

الرؤية الاستخباراتية المسبقة
يمتلئ التاريخ بمجموعة كبيرة من الحالات المشابهة؛ حيث فشل نموذج المخابرات السائد في التنبؤ بأحداث مهمة. على سبيل المثال لا الحصر: الهجوم الياباني على بيرل هاربر (1941), والثورة الإيرانية (1979), والغزو السوفيتي لأفغانستان (1979), وانهيار الاتحاد السوفيتي, وهجمات 11 سبتمبر، وما يُسمى بالربيع العربي.

عانت إسرائيل أيضًا من إخفاقات استخباراتية متكررة. هذا يشمل التصور الخاطئ الصارخ عن حزب الله وحماس, حيث استخفت إسرائيل بالجماعتين في مراحل تطورهما المبكرة، وأساءت أيضًا الحكم على المشهد السياسي خلال حرب لبنان 1982, حيث كان الهدف الإسرائيلي هو قلب ميزان القوة في لبنان, وبفعل ذلك, تُدمّر منظمة التحرير الفلسطينية, وتُضعف نفوذ سوريا في البلاد, وتعيد رسم المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط؛ وهو هدف مضلل وطموح أكثر من اللازم.

وبينما توجد فروق واضحة بين هذه الحالات, وفي كل حالة ربما كانت هناك عوامل معقدة إضافية, إلا إنه من الواضح أن جميعها تتشارك الاعتماد الزائد على التصورات المسبقة. تواجدت مؤشرات استخباراتية كافية لمنع عنصر المفاجأة, ومع هذا, في جميع الحالات المذكورة, كان اعتماد المحللين الثابت على تصوراتهم المسبقة, برغم المعلومات المتضاربة, مسئولًا مسئولية مباشرة عن الفشل. 

مع هذا, التصور المسبق ليس كلمة سيئة. تحاول المخابرات أن توضح المجهول، ولا يمكن تفسير الحقيقة دون تفسير ذاتي مبدئي. إن بناء تقييم مخابراتي يبدأ بتصور مسبق, الذي يكون في الأساس تقييم تراكمي, مبني على مدخلات استخباراتية ملموسة وافتراضات، والأخيرة مكون ضروري في العملية الاستخباراتية (كما في الحياة اليومية), حيث إنها تملأ فجوات المعلومات المفقودة اللازمة لاتخاذ القرارات، وتكون هذه الفجوات واضحة عند محاولة التحقق من نوايا القادة, أو محاولة التنبؤ بنتيجة الظروف المعقدة.

مبادئ التصورات الخاطئة: تحليلية وبيروقراطية ومعرفية
إن فشل إسرائيل في تحديد النوايا المصرية في 1973 كان عبارة عن دوامة من الأحكام الخاطئة، نتيجة للانحيازات الثقافية والتنظيمية والمعرفية. وفي حين أن هذه الانحيازات تساعد في تبسيط التعقيد وتوضيح الغموض, بيد أنها مؤذية لمحللي المخابرات. والخمس عثرات التالية توضح بعض المصاعب المتضمنة في العملية التحليلية وتستدعي انتباهًا خاصًا:
 الافتراضات المخبأة: في بعض الأوقات, لا يوجد إدراك لوجود الافتراض؛ فيمكن أن يكون مُدمجًا بعمق في تصور الشخص, أو في العقلية التنظيمية, لدرجة أنه يُعامل كحقيقة دون تشكيك.

 البحث عن الاستقرار من خلال الاستدلال: الانحياز التأكيدي ظاهرة سلوكية معروفة ومدروسة بدقة, والتي بمقتضاها تُفسر المعلومات بطريقة تؤكد وتعزز المعتقدات السابقة. إنه من الأسهل أيضًا ومن الطبيعي التمسك بتقييم مُصمم مسبقًا أكثر من تغييره. عند مواجهة معلومات متضاربة جديدة, يكون النهج الافتراضي هو البحث عن تفسير بديل لا يغير التقييم. في أكثر الأحيان يتم دمج المعلومات الجديدة في الصورة الموجودة, أو تبسيطها أكثر من اللازم.

 التنبؤ الخطي: التنبؤات القائمة على نمط من التوقعات لما جاء مسبقًا تكون أبسط معرفيًّا ومنهجيًّا. تبقى أدوات التنبؤ بحدث مغير للعبة أقل وضوحًا.

 التصوير بالمرآة: كثيرًا ما يُسقط المحللون معاييرهم المفاهيمية أو الثقافية على خصمهم, وهي عقلية تقلص التصور الخاص بما إذا كانت أهداف الخصوم مرجحة أم لا، ويُنقى التصور من خلال السياق الذي يحدث فيه. 

 التفكير الجماعي: في المنظمات الهرمية بصورة خاصة, حيث يكون الانضباط مطلوبًا, ربما يتجه التصرف إلى التفكير الجماعي, حيث تضغط المعايير المؤسسية على الأعضاء كي يبقوا في الصف ويسود الإجماع.

الاستراتيجيات اللازمة لتحليل أكثر وعيًا
يتسم العالم اليوم بالتعقيد المتزايد؛ ما يزيد من صعوبة التنبؤ بصورة صحيحة بالأحداث المستقبلية ونتائجها. إن العوامل الرئيسية التي تسهم في هذا التعقيد هي الطبيعة سريعة الوتيرة للأحداث العالمية؛ والعدد المتزايد للمشاركين ذوي الصلة في أية عملية؛ والتفاعلات المتزايدة بينهم، ولا شك أن الاعتماد على الافتراضات ضروري: المفارقة هي أنه في حين أن الحاجة للاعتماد على عقليات وتصورات مسبقة تتزايد, كذلك تفعل أيضًا المساحة المحتملة للخطأ, وتكلفة هذه الأخطاء. ونظرًا لتلك الورطة, تسمح الاستراتيجيات التالية لأولئك المشاركين في عملية اتخاذ القرار بسلوك نهج أكثر وعيًا تجاه الافتراضات والتصورات المسبقة.

 إقامة جلسة تفكير منفصلة, كخطوة مميزة في عملية التحليل. ينبغي أن يعقد المحللون جلسة هدفها الوحيد هو التعبير عن جميع الافتراضات الأساسية للعقلية, وتعريفها وتحديدها، ويكون ذلك مفيدًا جدًا في بداية عملية التخطيط, وبصفة دورية, عقب تغيير واضح في الظروف.

وينبغي أن تتضمن هذه الجلسة مشاركين من الخارج منعزلين عن عملية التخطيط نفسها, ويُفضل أن يكونوا أصحاب خبرة في مجال مختلف. في حالة حرب 1973, إذا كانت هذه الجلسة عُقدت, كان الإسرائيليون على الأرجح سيفحصون التعريف المصري للنصر؛ ما كان سيؤدي إلى تقييم محدّث.

 تقديم مفهوم بديل. في حين أن المحللين يستخدمون مفهومًا محددًا حسب الموقف, يجب أن يحتفظوا بمفهوم بديل في الخلفية. الصعوبة هنا هي أن هذا البديل لا يمكن أن يكون العكس, أو نموذجًا بديلًا. يجب أن يكون نظامًا صالحًا ومترابطًا وذا قيمة، رغم عدم احتمال حدوثه, ومتوازنًا فيما يخص عواقبه. وهناك تصور واحد يأخذ الدور الرئيس, بينما يُفحص الآخر بعناية إذا أشارت المؤشرات في ذلك الاتجاه.

إن إحدى الصعوبات المتأصلة في هذا النهج هي "الانحياز في الجمع": عبر التركيز بشكل موسع على تصور مسبق واحد, وسيكون جمع المعلومات الاستخباراتية موجهًا باتجاه العثور على أدلة داعمة لذلك الافتراض؛ وبالتالي, ينبغي توجيه جهود جمع كافية لهذا التصور البديل، كما يمكن رؤية أحد الأمثلة على استخدام تصور مسبق بديل بنجاح في الجنرال أهارون ياريف من المخابرات العسكرية الإسرائيلية: قبل حرب 1967, تمسك بالتصور المسبق بأنه بما أن مصر كانت متورطة في الحرب الأهلية في اليمن, فإن الرئيس عبد الناصر لن يملك القدرة على شن حرب ضد إسرائيل، حيث إن التعزيزات العسكرية المصرية كانت تهدف فقط لردع إسرائيل. ومع هذا، وقبل أيام من اندلاع الحرب, تغير هذا التقييم باستخدام المعلومات التكتيكية عن انتشار القوات الجوية المصرية كمبرر لشن هجمة استباقية, وهكذا بدأت حرب 1967، وبسبب النموذج البديل الذي احتفظ به, استطاع ياريف التأثير على مسار الحرب ونتيجتها.

 إعادة فحص الافتراضات الرئيسية مقابل الحقيقة المتغيرة باستمرار. بينما يبدو هذا واضحًا, غير أنه كثيرًا ما يجري التغاضي عنه بسبب القيود الزمنية. إن تخصيص جلسة منفصلة لسؤال: "كيف يمكن أن تغير هذه المعلومة الافتراضات الكامنة والتصور المسبق؟" يمكن أن يكون مفيدًا للغاية، كما أن فصل هذه الجلسة عن الجلسات الأخرى في العملية الاستخباراتية يزيد الوعي, ويتصدى للميل لتبني تفسيرات مريحة.

 البحث بنشاط عن التصورات الخاطئة بأثر رجعي, وليس فقط عقب الإخفاقات الدرامية مثل حرب 1973 أو هجمات 11 سبتمبر. إن أفضل ممارسة هي تطبيق عملية استخلاص معلومات, حيث تتم مراجعة التصورات المسبقة, وتقييم ما إذا كانت مفيدة أم ضارة, ولماذا. هذا يضمن أن تكون المنظمة مستعدة للتعامل مع التصورات الخاطئة في المستقبل، وذلك أيضًا يخلق الوعي الذاتي الضروري للفرد, حيث يتعلم المحللون التعامل مع قيودهم النفسية.

 وضع إطار عمل مؤسسي تعددي ومفتوح لهذه الاستراتيجيات, حيث يمكن للزملاء تحدي رؤسائهم أثناء عملية التفكير. إن ترسيخ هذه الثقافة يجب أن يكون الأولوية الأولى, ويجب على المنظمة أن تكون مستعدة لدفع ثمن تغذيتها وتدريسها وممارستها.

وفي الحقيقة؛ لا يوجد علاج سهل لمشكلة التعرض للتضليل بسبب التصورات الخاطئة, كما لا توجد طريقة لتجنب اتخاذ قرارات مضللة. إن التدابير المقترحة هنا ليست علاجًا شاملًا, ومع هذا, يمكنها أن تجعل العملية الصعبة والمعقدة أقل خطورة، كما أنه لا يتحقق التحليل الموضوعي عبر تجنب التصورات المسبقة كليًّا؛ بل عن طريق إعادة فحص المكونات الأساسية للعقلية، وينبغي أن تصبح الافتراضات الأساسية علنية قدر الإمكان, بحيث يتمكن أعضاء مجتمع المخابرات من تحديها, ما يضمن الموضوعية والصلاحية.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق