مجلس العلاقات الخارجية | كبح بيونج يانج.. ما هو الدور الذي تقوم به الصين تجاه كوريا الشمالية؟


٠٢ يوليه ٢٠١٩

ترجمة - بسام عباس



تعد الصين أهم شريك تجاري لكوريا الشمالية. حيث ساعدت في الحفاظ على نظام "كيم جونج أون"، وعارضت فرض عقوبات دولية قاسية على كوريا الشمالية على أمل تجنب انهيار النظام، وتدفق اللاجئين عبر حدودهما المشتركة التي يبلغ طولها 870 ميلًا.

وقد أدت التجارب النووية التي أجرتها بيونج يانج وتجارب إطلاق الصواريخ إلى تعقيد علاقتها مع بكين، التي دعت إلى استئناف المحادثات السداسية ، وهي إطار متعدد الأطراف يهدف إلى نزع الأسلحة النووية من كوريا الشمالية. فيما أثار التخلص من كبار المسئولين الكوريين الشماليين منذ تولي كيم السلطة، مخاوف الصين بشأن استقرار وتوجهات القيادة الكورية الشمالية. ومع ذلك، يبدو أن الدفعة الدبلوماسية الأخيرة لكوريا الشمالية مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية قد مهدت الطريق للتقارب بين كيم ونظيره الصيني "شي جين بينج".

علاقة متوترة
تاريخيًّا يعود دعم الصين لكوريا الشمالية إلى الحرب الكورية (1950-1953)، عندما هاجمت قواتها شبه الجزيرة الكورية لمساعدة حليفها الشمالي. ومنذ تلك الحرب، قدمت الصين دعمًا سياسيًا واقتصاديًا لزعماء كوريا الشمالية: "كيم إيل سونج" (في الفترة بين عامي 1948–1994)، و"كيم جونج إيل" (تقريبًا بين عامي 1994-1991)، وكيم جونج أون. غير أن العلاقة بين البلدين توترت عندما اختبرت بيونج يانج سلاحًا نوويًا في أكتوبر 2006، وأيدت بكين قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1718، الذي فرض عقوبات على بيونج يانج. مع هذا القرار والقرارات اللاحقة، أشارت بكين إلى تحول في نهجها من الدعم الدبلوماسي إلى العقوبة. وبعد اختبار إطلاق كوريا الشمالية للصواريخ في نوفمبر 2017، دعت الصين كوريا الشمالية إلى وقف الأعمال التي زادت التوترات في شبه الجزيرة الكورية.

ومع ذلك، كانت خطوات الصين العقابية مقيدة نوعًا ما. ففي حين أيدت الصين قرارات الأمم المتحدة، فقد أوقفت الدعم في بعض الحالات إلى أن يتم تخفيف العقوبات. بالإضافة إلى ذلك، يشكك مسئولون وخبراء غربيون في التزام الصين بتنفيذ هذه العقوبات حتى القيود التجارية المحدودة، كما اتهموا الصين في بعض الأحيان بالتحايل على تلك العقوبات.

تواصل بكين إقامة علاقات اقتصادية كبيرة مع بيونج يانج. حيث زاد حجم التجارة الثنائية عشرة أضعاف بين عامي 2000 و2015، وبلغت ذروتها في عام 2014 حيث وصلت 6.86 مليار دولار، وفقًا لأرقام وكالة كوريا لتعزيز التجارة والاستثمار التي تتخذ من سيول مقرًا لها.

ومع ظهور عقوبات أكثر صرامة، تباطأ نمو التجارة، لكن بيونج يانج لا تزال تعتمد على بكين في استمرار نشاطها الاقتصادي.
ورغم أن بكين أيدت بعض العقوبات الدولية المفروضة على بيونج يانج، واتخذت بعض التدابير للضغط عليها اقتصاديًّا، بما في ذلك تعليق مبيعات الوقود وفرض قيود على الأنشطة المالية، إلا أن العلاقات بينهما يبدو أنها قد تحسنت.

المعونة الصينية لبيونج يانج والتجارة معها
نمت العلاقات العامة بين الجارتين حتى في خضم تراجع حجم التجارة بينهما بسبب العقوبات. ففي عام 2018، انخفضت الواردات الصينية من كوريا الشمالية بنسبة 88%، بينما انخفضت الصادرات بنسبة 33%. وحتى في مواجهة القيود التجارية المتصاعدة، يبدو أن التجارة غير الرسمية القائمة على طول الحدود بين الصين وكوريا الشمالية في مواد مثل الوقود والمأكولات البحرية ودود القز والهواتف المحمولة مستمرة، مما يشير إلى أن الصين ربما تخفف من قيودها.

وقد مدَّت الدولتان الروابط المادية بينهما في السنوات الأخيرة. ففي سبتمبر 2015، فتحا طريق شحن البضائع والحاويات لزيادة صادرات كوريا الشمالية من الفحم إلى الصين، وأنشأت الصين خط سكة حديد عالي السرعة بين مدينة داندونج الحدودية الصينية وشنيانج، عاصمة مقاطعة لياونينج بشمال شرق الصين. وفي نفس العام، افتتحت المنطقة التجارية الحدودية جومينوان في داندونج بهدف تعزيز التبادلات الاقتصادية الثنائية، مثل منطقة راسون الاقتصادية ومنطقة سينوجيو الإدارية الخاصة التي تم تأسيسهما في كوريا الشمالية في أوائل التسعينات وفي عام 2002، على التوالي.

تقدم بكين أيضًا مساعدات مباشرة إلى بيونج يانج، تتركز في مجال الغذاء والطاقة. هذا، وقد قدمت الصين واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة أكثر من 75% من المساعدات الغذائية إلى كوريا الشمالية منذ عام 1995. وقد واجهت كوريا الشمالية– التي قضت المجاعات التي ضربتها في التسعينات على ما بين ثمانمائة ألف و 2.4 مليون شخص– حالات جفاف متكررة وفيضانات شديدة ألحقت أضرارًا بالغة بالمحاصيل وهددت الإمدادات الغذائية. وتقدر وكالات الأمم المتحدة أن ما يصل إلى 43% من السكان، أو أحد عشر مليون شخص، يعانون من سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي. فيما يعاني واحد من كل خمسة أطفال من سوء التغذية.

ويبدو أن كيم، منذ الإعلان عن اكتمال القوة النووية لبلاده في أواخر عام 2017، متجه لإعطاء الأولوية للسياسات الرامية إلى تجديد اقتصاد البلاد وتحديثه. ورغم أن الصين كانت مصدر المساعدات المقدمة له، إلا أن المحللين يقولون إنه من المرجح أن يكون نظام كيم المعزول أكثر اهتمامًا باستكشاف الفرص الاقتصادية المحتملة مع جاره، بما في ذلك الاستثمار الأجنبي.

أولويات الصين
تعتبر الصين الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية مصلحتها الرئيسة. فيما يضمن دعمها لكوريا الشمالية وجود حاجز بينها وبين الجنوب الكوري الديمقراطي، الذي يضم حوالي تسعة وعشرين ألف جندي أمريكي ومشاة البحرية. تقول "جينيفر ليند"، الأستاذة بجامعة دارتموث: "بينما يفضل الصينيون عدم امتلاك كوريا الشمالية أية أسلحة نووية، فإن خوفهم الأكبر هو انهيار النظام".

مثَّل شبح مئات الآلاف من اللاجئين الكوريين الشماليين الذين تدفقوا على الصين مصدر قلق كبير لبكين. وما فتئ الوعد الصيني بإعادة الكوريين الشماليين الذين فروا عبر الحدود، يثير إدانات جماعات حقوق الإنسان، وبدأت بكين في بناء سياج شائك قبل أكثر من عشر سنوات لمنع عبور المهاجرين. ويذهب غالبية اللاجئين الكوريين الشماليين أولاً إلى الصين قبل الانتقال إلى مناطق أخرى في آسيا، بما في ذلك كوريا الجنوبية. ومع ذلك، فقد أدت القيود المشددة على الحدود في عهد "كيم جونج أون" إلى انخفاض تدفق اللاجئين إلى الخارج.

وعلى الرغم من تفضيل بكين لعلاقة مستقرة مع بيونج يانج، إلا أنها عززت علاقاتها مع سيول. فقد التقى الصيني "شي جين بينج" بالرئيس الكوري الجنوبي "مون جاي إن" وسلفه "بارك كون هاي" في عدة مناسبات. وقد كانت الصين الشريك التجاري الأول لكوريا الجنوبية في عام 2018 ووجهة أكثر من ربع صادرات كوريا الجنوبية. وفي الوقت نفسه، احتلت كوريا الجنوبية المرتبة الرابعة بين شركاء الصين التجاريين.

تحالف الدفاع
يقول الخبراء إن الصين كانت متناقضة بشأن التزامها بالدفاع عن كوريا الشمالية في حالة نشوب صراع عسكري. فبينما تقول معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة بين الصين وكوريا الشمالية التي أبرمت عام 1961، وجُدِّدَت عام 2021، إن الصين ملزمة بالتدخل ضد العدوان غير المبرر.

لكن "بوني جليزر" من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تقول إن الحكومة الصينية حاولت إقناع قادة كوريا الشمالية بإلغاء الشرط الذي قد يجبر بكين على الدفاع عن بيونج يانج. وألمحت الصين أيضًا إلى أنه إذا بدأت بيونج يانج الصراع، فإنها لن تلتزم بالتزاماتها بموجب المعاهدة وستظل محايدة. فيما ذهب بعض الخبراء، مثل "أوريانا سكايلار ماسترو"، أنه في حالة النزاع، ربما لن تنخرط القوات الصينية في الدفاع عن كوريا الشمالية، بل ستسعى للعب دور مهم في تشكيل "شبه جزيرة كوريا ما بعد كيم"  تروق لما تسعى إليه الصين.

لم يلتق كيم وشي لسنوات ولكن بدا أنهما كانا يبدوان على اتفاق تام في مارس 2018، عندما عقد الاثنان اجتماعًا سريًّا في بكين يمثل أول رحلة لزعيم كوريا الشمالية إلى الخارج منذ توليه السلطة. حيث أشاد شي بتقاليد الصداقة بين الصين وكوريا الشمالية، فيما كرر كيم التزامه بنزع السلاح النووي والرغبة في إجراء حوار مع الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين التقى الزعيمان أربع مرات أخرى، في مايو 2018 ويونيو 2018 ويناير 2019 ويونيو 2019. وفي أثناء آخر لقاء بينهما، رحب بيونج يانج بالزعيم الصيني شي، وذلك في المرة الأولى التي يقوم فيها زعيم صيني بزيارة كوريا الشمالية منذ عام 2005. (وقد سافر شي مرة قبل ذلك إلى هناك عام 2008 بصفته نائبًا للرئيس.)

وجاءت اللقاءات بين شي وكيم في الوقت الذي شاركت فيه كوريا الشمالية أيضًا في مؤتمرات القمة مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة. وقد حثت الصين القوى العالمية على عدم دفع كوريا الشمالية بقوة، خوفًا من التعجيل بانهيار القيادة وإشعال عمل عسكري خطير.

دور واشنطن
دفعت الولايات المتحدة كوريا الشمالية إلى التخلي عن برنامجها للأسلحة النووية بشكل لا رجعة فيه مقابل المساعدات والتجارة والمزايا الدبلوماسية وتطبيع العلاقات. لكن الخبراء يقولون إن واشنطن وبكين، رغم مشاركتهما هدف نزع الأسلحة النووية من كوريا الشمالية، لديهما وجهات نظر مختلفة حول كيفية الوصول إلى هذا الهدف.

حاولت واشنطن الضغط على بكين للضغط بشكل أكبر على بيونج يانج، وزيادة نفوذ الصين الاقتصادي على كوريا الشمالية بفرض عقوبات على الشركات أو الأفراد الذين يساهمون في قدرتها على تمويل تطوير الأسلحة النووية والصواريخ العابرة للقارات. وتستهدف بعض الإجراءات أموال كوريا الشمالية في البنوك الصينية، بينما يركز بعضها الآخر على صناعات تصدير المعادن، والتي تشكل جزءًا مهمًا من التجارة مع الصين. استهدفت إجراءات أخرى الشركات والأفراد الصينيين الذين يُعتقد أنهم يسهلون على كوريا الشمالية تمويل انتهاكها للعقوبات. وفي الوقت نفسه، تحدت إدارة "دونالد ترامب" العلاقة بين الولايات المتحدة والصين من خلال الضغط لخفض العجز التجاري الثنائي الكبير، مما حفز على فرض سلسلة من التعريفات المتصاعدة والانتقامية من جانب كل من واشنطن وبكين.

كما هزت إدارة ترامب السياسة الأمريكية تجاه دور كوريا الشمالية ودور الصين في التوسط. وقال "فيكتور تشا"، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في تصريحات لصحيفة وول ستريت جورنال: "كانت المرحلة الأولى هي معاملة الصين كجزء من الحل، وإذا لم ينجح ذلك، فعاملها كجزء من المشكلة". لقد تأرجح خطاب الإدارة الأمريكية حول كوريا الشمالية من التهديدات الصاخبة إلى المديح والثناء، خاصة في ضوء تصعيد بيونج يانج لدبلوماسيتها مع واشنطن ودول المنطقة.

وعلى المدى الطويل، وفق ما كتب الباحثان "إيزاك ستون فيش" و "روبرت إي. كيلي" في مجلة فورين أفيرز: "يجب أن يكون هدف  الولايات المتحدة إقناع الصين بأنها– كدولة تقترب من أن تكون قوة عظمى، أو تقترب من أن تكون ندًّا للولايات المتحدة– لم تعد بحاجة إلى كوريا الشمالية كدولة عازلة".

 في النهاية، تريد الصين ضمان دور مؤثر لها في أي قرار يتحقق في شبه الجزيرة الكورية، لحماية مصالحها القومية. وفي حين لا تزال هناك الكثير من الأسئلة حول تأثير الصين على سلوك كوريا الشمالية، فإن استئناف المحادثات رفيعة المستوى بين النظامين في الآونة الأخيرة يؤكد أهمية الصين.

يقول خبراء إن نمط اجتماعات كيم– شي يساعد في تعزيز موقف بيونج يانج في المساومة مع سول وواشنطن. أما بالنسبة إلى شي، فإن ظهور علاقات أوثق مع كوريا الشمالية يساعد الصين أيضًا في إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة، مما يدل على أن بكين يمكن أن تكون مفيدة في التوسط في صفقة نزع السلاح النووي.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق