مؤسسة الحرب على الصخور | الورقة الدفاعية البيضاء لفيتنام.. رسالة واضحة للقوى الكبرى


٠٢ يناير ٢٠٢٠ - ٠٦:٠٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

عشر سنوات هي زمن طويل لانتظار شيء ما، لكن إصدار فيتنام لورقتها الدفاعية البيضاء في الخامس والعشرين من نوفمبر-وهي الأولى منذ عام 2009 والرابعة منذ بدأت هانوي إصدار أوراقها الدفاعية البيضاء عام 1998- كان بالتأكيد أمرًا يستحق الانتظار.

إن أوراق فيتنام البيضاء كانت تقليديًّا عبارة عن بيانات سياساتية عمومية وغير هجومية إزاء التهديدات الخارجية للأمن الفيتنامي، وكانت شرحًا لكيفية معالجة وزارة الدفاع الوطني لها.

تتميز هذه الأوراق بطابعها اللينيني - الماركسي المؤدلج، وبعمقها وغموضها وبلغتها المشفرة، لذا من الصعب تحديد الرسالة الواضحة لتلك الوثائق.

لكن الورقة البيضاء الدفاعية الأخيرة تمثّل أوضح تحذير من هانوي حتى الآن ضد الصين، التي تمثّل التهديد الأمني الأوحد تقريبًا لفيتنام، وهو البلد الذي تحاول فيتنام دائمًا الانخراط أو موازنة علاقتها معه. لهذا، ربما تعزز فيتنام من علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة في حال واصلت بكين سلوكها السيء في بحر الصين الجنوبي، وهذه الرسالة لها تداعيات مهمة على استراتيجية واشنطن في منطقة المحيط الهندي - الهادئ والهادفة لإبقاء المنطقة "حرة ومفتوحة" وغير خاضعة للسياسات القسرية.

تحذير للصين

إن علاقات فيتنام الثنائية مع الصين هي غالبًا معقدة ومتناقضة. فمن جانب، تتعامل فيتنام مع الصين باحترام كبير وتحاول العمل معها في طائفة متنوعة من القضايا الأمنية والاقتصادية. وفي الواقع، رفعت هانوي في عام 2008 علاقاتها مع الصين لمستوى "الشراكة الاستراتيجية التعاونية الشاملة"، وهو أعلى تصنيف تمنحه فيتنام لقوى كبرى.

لكن على الجانب الآخر، يتزايد إحباط فيتنام بفضل عدوانية الصين المتزايدة في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، وقد ارتفعت حدّة التوترات تحديدًا في هذا الصيف أثناء الأزمة التي دامت لأشهر بالقرب من شعاب مرجانية تسمى "فانغارد بانك" (Vanguard Bank) الواقعة في أقصى غرب جزر "سبراتلي"، والممتدة على طول سواحل فيتنام. كما أن لدى هانوي شكوكًا عميقة بأن الصين ربما تحاول استغلال مبادرة "الحزام والطريق" داخل فيتنام وداخل دول شريكة مقرّبة من فيتنام، مثل كمبوديا ولاوس، لمحاصرة فيتنام.

ورغم نهج هانوي الحذر تجاه جارتها الشمالية الأكبر حجمًا، غير أن ورقة عام 2019 الدفاعية البيضاء تتحدث بلغة أكثر سلبية تجاه الصين مقارنة مع ورقة عام 2009 أو أي ورقة سابقة. ففي عام 2009، ذكرت الورقة البيضاء كلمة "الصين" أربع مرات فقط في الرواية الرئيسية، وكان الوصف إيجابيًّا للغاية، مُسلطًا الضوء على النشاطات الثنائية الإيجابية؛ مثل تعيين الحدود البحرية لخليج "تونكين" والحدود البرية. قارنوا هذا مع ورقة عام 2019 الدفاعية البيضاء، التي ذكرت فيها "هانوي" الصين ثماني مرات، ثلاث منها كانت إشارات سلبية متعلقة بسلوك بكين المزعزع للاستقرار في بحر الصين الجنوبي.

وأكثر ما يسترعي الانتباه هو ذكر الورقة البيضاء أن "الاختلافات بين فيتنام والصين حول السيادة في البحر الشرقي (بحر الصين الجنوبي) لها جذور تاريخية، ويجب تسويتها بحذر، والعمل على تجنب التداعيات السلبية".

لكن وكما هو الحال مع كل شيء في فيتنام، فإن التوازن ضروري، لذا يخلو قسم التاريخ العسكري في الورقة البيضاء تمامًا من ذكر الصين. وانسجامًا مع الأوراق البيضاء السابقة، تذكر هانوي بالتفصيل حروبها ضد فرنسا وأمريكا، لكن ما يلفت النظر هو حذفها أي نقاش حساس بشأن الحرب ضد الصين عام 1979 على الحدود البرية.

تهمل هانوي أيضًا ذكر العمليات العسكرية الفيتنامية التي سبقت الحرب عام 1978 ضد وكلاء الصين من "الخمير الحمر" في كمبوديا، كما لا تأتي على ذكر حوادث بحرية كبيرة، من بينها الهجوم الصيني على شعاب "جونثون ساوث" المرجانية عام 1988، وإنشاء الصين لمنصة "هايانغ شيو 981" النفطية في مياه متنازع عليها، وما تلا ذلك من اصطدام سفن صينية بسفن فيتنامية، أو الأزمة الأخيرة في عام 2019 المتعلقة باستخراج موارد الطاقة بالقرب من شعاب "فانغارد بانك" البحرية.

لكن في مواضع أخرى، عمدت فيتنام لوصف الصين بأنها تمثّل مشكلة لفيتنام، وحتى السماح لمعلقين بدءًا من فبراير 2019 بالإشارة للصين بوصفها "دولة غازية" أثناء إحياء الذكرى الأربعين للحرب الحدودية بين البلدين.

إن قرار هانوي بعدم انتقاد الصين لأعمالها العدائية السابقة في الورقة البيضاء الدفاعية، يشير إلى أن فيتنام لا ترغب في الذهاب بعيدًا في انتقاد بكين.

وبصدور هذه الورقة البيضاء، تكون هانوي قد وسّعت سياساتها الدفاعية المرتكزة على مبدأ "اللاءات الثلاث"، لا تحالفات ولا قواعد أجنبية على أراضي الوطن ولا انحياز مع بلد ثانٍ ضد بلد ثالث. وتضيف الورقة البيضاء الدفاعية أن هانوي تعارض "استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة في العلاقات الدولية".

ومن أول وهلة، قد يبدو هذا ترديدًا لقاعدة واضحة في السلوك الدولي، ومع ذلك، عند وضع هذه الجملة في سياق الأزمة الأخيرة بالقرب من شعاب "فانغارد بانك" البحرية، وحادثة المنصة النفطية عام 2014، والتي كادت أن تخرج عن السيطرة، سيبدو لنا أن هانوي تحاول إعلان نيتها تفادي الدخول في صراع عسكري مع الصين. إن "اللاءات الثلاث" هي وسيلة من فيتنام لتقييد سلوكها الدولي لتجنب استفزاز الصين، لذا فإن هذا التفسير قد يبدو منطقيًّا على أقل تقدير.

الورقة البيضاء.. فرصة محتملة للولايات المتحدة

تتضمن الورقة البيضاء الدفاعية الجديدة أيضًا رسائل مبطنة قد تمثل فرصة لواشنطن، وتستخدم تلك الورقة مثلًا مصطلح "الهندي -الهادئ" لافتة إلى أن "فيتنام مستعدة للمشاركة في آليات تعاون أمنية ودفاعية، من بينها آليات دفاعية وأمنية في منطقة المحيط الهندي -الهادئ". وباستخدامها هذا المصطلح الذي تبنته إدارة ترمب، ربما ترغب فيتنام في إعلام الصين أنها تدعم استراتيجية "المحيط الهندي - الهادئ" الأمريكية.
وربما يجادل آخرون أن هانوي ربما كانت تشير فقط إلى آليات أمنية إقليمية في منطقة المحيط الهندي -الهادئ، مثل تلك التي تقودها رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" التي تشارك فيتنام في عضويتها. مع هذا، فإن النقاش بشأن منظمة "آسيان" يحدث بصورة منفصلة عن قضية المحيط الهندي - الهادئ في الورقة البيضاء، وعلاوة على ذلك، تعلم فيتنام جيدًا أن الكلمات أمر مهم.


وتضيف الورقة البيضاء أنه "تبعًا للظروف والأحوال المحددة، ستدرس فيتنام بناء علاقات دفاعية وعسكرية ضرورية ومناسبة مع دول أخرى".

وبالرغم من أن هانوي أوضحت في الورقة البيضاء عام 2009 الحاجة لتعزيز العلاقات الدفاعية الثنائية مع بلدان يمكنها دعم المصالح الوطنية الفيتنامية، غير أن إضافة فقرة مكتوبة بخط مائل في ورقتها البيضاء عام 2019، تشير الآن إلى علاقة سببية بين تدهور بيئة فيتنام الأمنية الخارجية والدول التي اختارتها لتعزيز تعاونها الأمني معها. وهناك تفسير منطقي لهذا الأمر؛ وهو أنه في حال واصلت الصين سلوكها المتسلط في بحر الصين الجنوبي، فربما ترفع فيتنام في نهاية المطاف مكانة الولايات المتحدة إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"، في إشارة إلى وجود مصلحة مشتركة طويلة الأمد لعمل توازن ضد الصين.    
 
الباب مفتوح أمام الولايات المتحدة.. لكن ليس تمامًا!

إن صراع فيتنام الجيوسياسي مع الصين يمثل فرصة استراتيجية لواشنطن للتعاون مع هانوي بطرق تعزز المصالح المشتركة بين البلدين. مع هذا، ستوازن هانوي بحذر ذلك التعاون لضمان بقائها مستقلة وتجنب تحولها لبيدق استراتيجي في منافسة القوى الكبرى بين الصين والولايات المتحدة. وفي الواقع، تحذر الورقة البيضاء الدفاعية من السماح بتحول بحر الصين الجنوبي لـ "نقطة ملتهبة" في منافسة القوى العظمى. ومن الناحية العملية، هذا يعني أن اللاءات الفيتنامية الثلاث الخاصة بسياسة الدفاع ستبقى مصونة كما هي؛ ونتيجة لذلك، ستتردد فيتنام كثيرًا في المشاركة في أي أنشطة قد تعادي بكين في حال لم تبدأ الصين بإطلاق تهديدات ضد فيتنام. وكما كتب أحدهم في السابق، فإنه من غير المرجح، على سبيل المثال، أن تنضم فيتنام، لأستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة ضمن "الحوار الأمني الرباعي" الهادف للتعامل بشكل جماعي مع سياسات الصين القسرية؛ لأن قيامها بهذا سيجعلها تبدو وكأنها موافقة على سياسة احتواء الصين.

لكن هناك احتمالات مثيرة أخرى قد تثيرها أيضًا الورقة البيضاء. على سبيل المثال، تحدد هذه الورقة القضايا الأمنية غير التقليدية وزيارات السفن والتعاون الدفاعي متعدد الأطراف، بوصفها مجالات - لو أُديرت بشكل صحيح - ستساعد واشنطن في زيادة تعاونها مع فيتنام دون الإخلال بجهود الأخيرة لموازنة علاقاتها الثنائية مع القوى الكبرى. إن القضايا الأمنية غير التقليدية، مثل التهديدات السيبرانية والإرهاب والتغير المناخي والقرصنة البحرية والكوارث البيئية، ليست مفاهيم جديدة في هذه الورقة البيضاء، لكن تأكيد فيتنام عليها في الورقة البيضاء لهذا العام هو أمر مثير للاهتمام؛ حيث تؤكد الورقة البيضاء لعام 2009 لتلك القضايا أنها مصدر قلق "كبير" للبلدان كافة، لكن ورقة 2019 تشدد على "التحدي الخطير على السلام والأمن والاستقرار والتعاون والتنمية في المنطقة" الذي تمثله هذ التهديدات. إن التعاون في القضايا غير التقليدية هو أمر غير خطير، إذ يمكن لفيتنام التعاون مع الولايات المتحدة في تلك القضايا دون استفزاز الصين. 

ووفقًا للورقة البيضاء لهذا العام، تُعطي فيتنام "أولوية" للتعاون الأمني غير التقليدي مع دول في المنطقة والعالم، وهي "مستعدة لتوسيع العلاقات والتعاون الدفاعي بغض النظر عن الأنظمة السياسية ومستويات التنمية"، ولا شك أن توسيع نطاق تدريبات المساعدة الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث الطبيعية القائمة بين فيتنام والولايات المتحدة، مثل "شراكة المحيط الهادئ" أو "ملاك المحيط الهادئ"، لمعالجة تهديدات غير تقليدية إضافية، ربما يكون وسيلة لواشنطن للاستفادة من مقترح فيتنام الاستراتيجي.

ويوحي حديث الورقة البيضاء الدفاعية بشأن زيارات السفن الأجنبية العسكرية بأن فيتنام تنوي توسيع تعاونها الأمني مع شركاء أجانب، وقد أقرّت في عام 2012 قانونًا عُرف باسم "المرسوم رقم 104" والذي يحدد القواعد والقوانين المنظمة لزيارات السفن الأجنبية لها، ما يسمح لتلك السفن بإجراء زيارة مجاملة واحدة كل عام لموانئ فيتنام. مع هذا، تذكر الورقة البيضاء لعام 2019، أن فيتنام مستعدة لاستقبال سفن أساطيل بحرية، وسفن خفر سواحل وحرس حدود ومنظمات دولية لإجراء زيارات مجاملة أو زيارات عادية أو للتوقف في موانئ فيتنام بغرض إجراء إصلاحات، أو التزوّد بلوازم تقنية ولوجستية، أو للاحتماء من كوارث طبيعية"، ويشير ذلك إلى أن فيتنام تنوي زيادة عدد زيارات المجاملة لموانئها وفقًا لما يسمح به المرسوم رقم 104، وتوسيع نطاق تصنيفها لزيارات السفن.

إن إجراء فيتنام مراجعة قانونية للمرسوم رقم 104 سيمثل فرصة لسلاح البحرية وخفر السواحل الأمريكيين لزيادة وتيرة زيارات المجاملة التي تجريها السفن الأمريكية، وإضافة عمليات الإصلاح وإعادة التموين كمبرر لإجراء زيارات موانئ إضافية. ورغم أن فيتنام قد تعمل على معايرة وتيرة زيارات الموانئ لتجنب استفزاز الصين، غير أنها قد تؤكد استقلاليتها عبر استخدام زيادة وتيرة زيارات السفن الأمريكية لموانئها للتعبير عن امتعاضها من سياسات الصين القسرية.

وأخيرًا، فإن تأكيد فيتنام الجديد على التعاون الدفاعي متعدد الأطراف، سيساعدها ويعزز تعاونها الأمني مع شركاء عالميين.

إن مؤتمرات مثل: "اجتماع وزراء دفاع منظمة آسيان" و"منتدى آسيان" الإقليمي، تعزّز من السلام والأمن الإقليميين، كما أن تدريباتها العسكرية لا تستهدف أي بلد، ما يجعل هذه المنتديات ميدانًا مثاليًّا لهانوي لممارسة دبلوماسيتها الدفاعية، وخلافًا للنسخ السابقة للورقات البيضاء الدفاعية، تتضمن نسخة عام 2019 لهذه الورقة ملحقًا يتحدث عن مشاركة فيتنام في أنشطة منظمة "آسيان" العسكرية متعددة الأطراف، كما أن واشنطن عضو في اجتماع وزراء دفاع منظمة آسيان ومنتدى آسيان الإقليمي؛ لذا فإن استخدام هذه الأطر الإقليمية لتعميق التعاون مع فيتنام ودول منظمة آسيان الأخرى، سيخدم مصالح كلٍّ من الولايات المتحدة وفيتنام.

لندع فيتنام تأخذ الخطوة الأولى

إن الورقة البيضاء الدفاعية مليئة بالتحذيرات للصين، وهي تمثل فرصة للولايات المتحدة التي لا ينبغي لها فرض هذه القضية عبر محاولة "إقناع" هانوي بضرورة زيادة عدد الأنشطة الدفاعية الثنائية. وتوضح الورقة البيضاء جليًّا أن هانوي تفهم رغبة الولايات المتحدة جيدًا، وعوضًا عن هذا، تحتاج واشنطن ببساطة أن تطمئن فيتنام أن الولايات المتحدة ملتزمة بالعلاقة بين البلدين، وذلك عبر تعميق التعاون العسكري الحالي، ما سيمنح فيتنام ثقة أكبر للوقوف في وجه الصين عندما يحين الوقت.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية فيتنام

اضف تعليق