ناشيونال إنترست | سياسات حكومة مودي قد تحوّل الهند لأرض خصبة للتشدد


٠٩ يناير ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

تشهد الهند احتجاجات في كافة أرجاء البلاد ضد قانون طائش ومثير للانقسامات المجتمعية، أي قانون الجنسية الذي أصدرته حكومة "نيرندرا مودي" الهندوسية القومية. تشير الصور السياسية القادمة من الهند إلى أن هذا البلد غارق في الاضطرابات. يحتج الطلاب والأقليات والنشطاء في كافة أرجاء البلاد. في الوقت ذاته، تعاملت الشرطة بوحشية مع المحتجين، وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصور مروّعة للعنف والمسيرات والاحتجاجات. هذه هي الحقيقة الراهنة، وتلك الحقيقة هي نتيجة لسلسلة من الأحداث والتطورات التي تتكشّف فصولها الآن، والتي قوّضت المكاسب التي جنتها الهند مؤخرًا.

ثلاثة أعمدة للتطور في الهند

حققت الهند تقدمًا اقتصاديًّا مذهلاً منذ تسعينيات القرن الماضي. تراوحت معدلات النمو السنوي بين 6,5 و7,7 بالمائة. وخرج مئات ملايين الهنود من الفقر، وأضحت أكبر دولة ديمقراطية في العالم أيضًا واحدة من أكبر اقتصاديات العالم، كما تحسّنت صورة الهند العالمية أيضًا وبدأت المزيد من الأمم تتطلع إليها بوصفها دولة رائدة، حيث بدأت الولايات المتحدة تحديدًا بمغازلة الهند والتفكير فيها باعتبارها شريكًا في إدارة النظام العالمي وحليفًا محتملًا ضد الصين الصاعدة.

إن صعود الهند على الساحة العالمية يرتكز على ثلاث أعمدة: الديمقراطية والعلمانية والنمو الاقتصادي. لقد دفعت ديمقراطية الهند الحيّة - مع وجود قدرٍ لا بأس به من حرية الصحافة وانتخابات معقدة ومجتمع مدني قوي - القادة الأمريكيين والأوروبيين للحديث عن القيم المشتركة بين الهند والغرب. وهذا الزعم لا ينطبق على منافستيّ الهند الجيوسياسيتين، باكستان والصين. إن مبادئ الهند العلمانية زادت من ترسيخ مؤهلاتها الديمقراطية الليبرالية الضرورية لكي تشارك الهند في القيادة على الساحة العالمية.

لكن منذ وصوله للسلطة عام 2014، تبنّى "مودي" وحزبه "باهراتيا جاناتا" برنامجًا قائمًا على سياسات الهوية والمبادئ الاقتصادية الخاطئة، والتي قوّضت كثيرًا من جميع الأعمدة التي ارتكز عليها صعود الهند. في فترة حكم "مودي" الأولى 2014-2019، أدّت سياسات مثل سحب العملة من التداول، وضريبة البضائع والخدمات، والحمائية المتزايدة، إلى عرقلة التوسّع الاقتصادي، وانخفاض نسبة النمو الاقتصادي الحقيقي إلى 1,5 بالمائة، وذلك بحسب خبراء مقرّبين من حزب بهاراتيا جانات الحاكم. وفي الوقت الراهن، تعاني الهند من كساد اقتصادي ونسبة بطالة مرتفعة للغاية لم تشهدها منذ خمسة وأربعين سنة.

إسلاموفوبيا برعاية الدولة

عندما يفشل الحكم، تسود الشعبوية. فاز حزب بهاراتيا جانات بغالبية مقاعد البرلمان في عام 2019 معتمدًا على أجندة هندوسية شعبوية، ومنذ ذلك الوقت أطلق الحزب حملة مناهضة للإسلام برعاية الدولة، لم تشهد أي ديمقراطية مثيلاً لها. إن حكومة "مودي" مصممة على بناء دولة هندوسية، تقدم مزايا للهندوس وتشيطن وتهمّش الأقليات الدينية، المسلمين تحديدًا.

لقد أقدمت حكومة مودي على إجراء سلسلة من المناورات السياسية والقانونية التي مزقت نسيج الهندي العلماني، من بينها الإلغاء غير الديمقراطي لمادتين دستوريتين متعلقتين بانضمام كشمير للهند (المادتان 370 و35A)، ومنْح الهندوس أراضي كان مسجد "بابري" قائمًا عليها لمئات السنين لبناء معبد لهم، والآن إصدار الحكومة لقانون الجنسية. إن هذا القانون، بالإضافة إلى مقترح تسجيل المواطنين على المستوى الوطني، يهدّد بتهميش المسلمين وربما إرسال الملايين منهم لمعسكرات اعتقال، وتشير جميع هذه السياسات لتبني الدولة سياسة خبيثة ضد الأقلية المسلمة.

إن الطريقة التي قمعت بها الهند كشمير، الولاية الهندية الوحيدة ذات الغالبية المسلمة، منذ شهر أغسطس، والانتهاك المنظم لحقوق الإنسان هناك وفي عموم البلاد، لا يمكن وصفهما سوى أنهما حملة مناهضة للإسلام برعاية الدولة، وتقوّض هذه السياسات الشعبوية وغير الديمقراطية الأعمدة المدنية لصعود الهند، ولا شك أن مشاهدة فصول هذه الحقيقة السياسية القاسية وهي تتكشّف أمامنا، هو مثل مشاهدة برج عظيم وهو ينفجر من الداخل.

يجب على الولايات المتحدة أن تتدخل الآن

كات الولايات المتحدة تجهّز الهند لأن تصبح شريكًا في المحافظة على النظام الليبرالي العالمي في جنوب وشرق آسيا لمواجهة التحدّي الصيني. ومع التدهور السريع للأوضاع في الهند من ناحية النمو الاقتصادي والمبادئ الديمقراطية، هل يمكن أن تظل الهند شريكًا مهمًا وموثوقا فيه؟ إن انتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة ستجعل من الصعب للغاية على الولايات المتحدة أن تتعامل مع الهند بوصفها صديقة وحليفة.

وفي الحد الأدني، ستصدر انتقادات من الكونغرس والبيت الأبيض، وقد دعا المجتمع المدني العالمي بالفعل لفرض عقوبات على الهند.

إن الانسحاب الأمريكي المستقبلي من أفغانستان يعتمد أيضًا على دور الهند المسئول والمعزز للاستقرار، غير أن هذا يبدو مستبعدًا الآن.

لقد أعطى الغزو الأمريكي - البريطاني للعراق عام 2003 زخمًا هائلًا للتشدد، كما تصاعد الإرهاب حول العالم أضعافًا مضاعفة. ولا يمكم إغفال أن الاحتلال العسكري والحصار المفروضين على كشمير الآن، يمكن أيضًا أن يرسخا من التشدد. لقد سئمت الولايات المتحدة من الحرب على الإرهاب، وقد تؤدي رغبة الهند في أن تصبح دولة هندوسية لتأجيج هذه الحرب واستمرارها.

وأخيرًا، تمثل سياسات الهند الشعبوية المحلية صداعًا للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث باتت تتحول من كونها حليفًا وشريكًا إلى كونها عبئًا. ومن أجل صالح العلاقات الأمريكية - الهندية، يجب على الولايات المتحدة أن تتدخل الآن.. يجب على الولايات المتحدة أن تقدّم المشورة لنيودلهي حتى يسود التعقل ويتصحح المسار.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الهند

اضف تعليق