أوراسيا ريفيو | لتجنب العزلة أو الانتقام.. يجب على العالم إنهاء الحرب الاقتصادية الأمريكية


١٦ يناير ٢٠٢٠ - ٠٦:٢٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

تزيد الولايات المتحدة من اعتمادها على استخدام الإجراءات القسرية الأحادية غير القانونية (تُعرف أيضًا باسم العقوبات الاقتصادية) عوضًا عن الحرب أو كجزء من حشدها للحرب. وفي الواقع، تلك العقوبات الاقتصادية هي عمل حربي يقتل عشرات الآلاف من الأشخاص كل عام عبر الخنق الاقتصادي؛ فالحصار الاقتصادي يضع الدولة المستهدفة تحت حالة حصار.

هناك مثال حديث على هذا وهو زيادة الإجراءات الاقتصادية المفروضة على إيران، والتي يرى كثيرون أنها أكثر قبولاً من الهجوم العسكري عليها.

وردًّا على انتقام إيران من اغتيال الجنرال قاسم سليماني وسبعة أشخاص آخرين كانوا برفقته، أطلقت إيران صواريخ باليستية لضرب قاعدتين في العراق تضمان قوات أمريكية، فيما ردّ الرئيس ترامب بالقول إنه سيفرض المزيد من العقوبات على إيران، ثم أنهى حديثه بالدعوة لعقد مفاوضات سلمية مع إيران. يجب على الولايات المتحدة أن تدرك أنه لن تكون هناك مفاوضات مع إيران حتى ترفع العقوبات التي تهدف لتدمير الاقتصاد الإيراني وإثارة الشعب ضد حكومته.

لقد فُرضت العقوبات على إيران منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 التي جعلت هذا البلد مستقلًا عن الولايات المتحدة. إن إيران ليست
البلد الوحيد الذي تفرض عليه الولايات المتحدة عقوبات، حيث شجب "صامويل مونكادا"، سفير فنزويلا لدى الأمم المتحدة، أثناء خطاب ألقاه في قمة مجموعة دول عدم الانحياز المكوّنة من 120 دولة في السادس والعشرين من أكتوبر 2019، فرض الولايات المتحدة عقوبات على بعض الدول، واصفًا ذلك بـ "الإرهاب الاقتصادي الذي يضرّ ثلث البشر عبر فرض ثمانية آلاف إجراء اقتصادي في 39 دولة".

لقد حان الوقت لإنهاء الحرب الاقتصادية الأمريكية وإلغاء تلك الإجراءات القسرية الأحادية والتي تنتهك القانون الدولي.

العقوبات هي سلاح حرب

تستخدم الولايات المتحدة العقوبات ضد الدول التي تقاوم الأجندة الأمريكية، وهذه العقوبات مصممة لقتل الناس عبر تدمير الاقتصاد بحرمانه من التمويل، ما يتسبب في حدوث تضخم شديد وحالات نقص ومنع وصول مواد ضرورية مثل الطعام والدواء. على سبيل المثال، من المتوقع أن تتسبب العقوبات في موت عشرات الآلاف من الإيرانيين بفضل خلق نقص شديد لأدوية ومعدات طبيعة مهمة في إيران.

يكتب "محمد ساهيمي" في مقال له ما يلي: "في خطاب نشرته مجلة The Lancet الطبية المرموقة، حذر ثلاثة أطباء يعملون في مركز "ماهاك" (MAHAK) لمعالجة الأطفال المصابين بالسرطان في طهران، من أن إعادة فرض العقوبات، ونقص الأدوية نتيجة رفض شركات الأدولة التعامل مع إيران، والزيادة الهائلة في أسعار أدوية الأورام (نتيجة هبوط سعر العملة الإيرانية بنسبة 50 - 70 بالمائة)، سيؤدي حتمًا لانخفاض معدل البقاء على قيد الحياة للأطفال المصابين بالسرطان".

إن أمراض السكري والتصلب المتعدد ونقص المناعة المكتسبة/الإيدز والشلل الرعاش والزهايمر والربو، تصيب نحو عشرة ملايين إيراني سيجدون صعوبة في الحصول على أدوية ضرورية أو سيجدونها متوفرة لكن بأسعار مرتفعة؛ في حين تزعم الولايات المتحدة أن الطعام والأدوية مستثناة من العقوبات، لكن من الناحية العملية الأمر ليس كذلك، لأن شركات الأدوية تخشى من تطبيق العقوبات عليها بسبب بعض الانتهاكات الفنية للعقوبات، ولا يمكن لإيران الدفع مقابل بعض الأساسيات في ظل صعوبة تعامل البنوك معها.

لقد فشلت الدول الأوروبية في إقناع إدارة ترامب بضمان توفر السلع الضرورية من طعام ودواء للإيرانيين، ففي فنزويلا، ونتيجة للعقوبات، جرى إلغاء 180 ألف عملية طبية، وينتظر 823 ألف مريض يعانون من أمراض مزمنة توفر الأدوية اللازمة لعلاجهم.

ووجد "مركز البحوث الاقتصادية والسياسية" أن العقوبات حرمت فنزويلا من "مليارات الدولارات من النقد الأجنبي اللازمة للدفع مقابل واردات ضرورية ومُنقذة للحياة"؛ ما ساهم في وقوع 40 ألف حالة وفاة في عامي 2017 و2018، كما يواجه ما يزيد على 300 ألف فنزويلي خطر الموت نتيجة عجزهم عن الوصول للدواء أو العلاج، فيما حذّر خبراء اقتصاديون من أن العقوبات الأمريكية يمكن أن تتسبب في حدوث مجاعة في فنزويلا.

وتتسبب العقوبات أيضًا في حدوث حالات نقص في قطع الغيار أو المعدات اللازمة لتوليد الكهرباء، وأنظمة المياه والنقل، فضلًا عن الحرمان من المشاركة في السوق المالي العالمي، وقد تسببت العقوبات، التي تُعدّ غير شرعية بحسب قانون الأمم المتحدة ومنظمة الدولة الأمريكية والولايات المتحدة، في اندلاع احتجاجات كبيرة في فنزويلا ضد الولايات المتحدة.

إن العقوبات على إيران وفنزويلا قد تكون مقدمة لهجوم عسكري، حيث تعمل الولايات المتحدة على إضعاف الدولة المستهدفة اقتصاديًّا قبل مهاجمتها؛ وهذا ما حدث في العراق؛ فتحت ضغط من واشنطن، أصدر مجلس الأمن الدولي في الثاني من أغسطس 1990 عقوبات ألزمت الدول بوقف التجارة أو التعاملات المالية مع العراق. وقال الرئيس جورج بوش الأب حينها إن عقوبات الأمم المتحدة لن تُرفع "طالما بقي صدام حسين في السلطة".

وواصلت الولايات المتحدة الضغط على أعضاء مجلس الأمن الذين كانوا يزدادون تشككًا للالتزام بالعقوبات، بالرغم من وفاة مئات آلاف الأطفال العراقيين. وفي عام 1996، سُئلت "مادلين أولبرايت"، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة حينها، عن وفاة نحو 500 ألف طفل عراقي بسبب نقص الدواء وسوء التغذية اللذين تفاقما بفضل العقوبات، وردّت بصورة وحشية وفظة قائلة: "إن الأمر يستحق ذلك". كما استُخدمت العقوبات أيضًا ضد ليبيا وسوريا قبل أن تهاجمهما الولايات المتحدة.

هذا الأمر يتسق مع "أسلوب الحرب" الأمريكي الذي تحدثت عنه الكاتبة "روكسان دونبار - كورتيز" في كتاب "تاريخ الولايات المتحدة من وجهة نظر السكان الأصليين"، والذي يصف أساليب مكافحة التمرّد التي تبنتها الولايات المتحدة والمبنية على الإبادة عبر أساليب من بينها تدمير الطعام والسكن والموارد.

وقد شنّت الولايات المتحدة حربًا اقتصادية طويلة الأمد ضد كوبا (العقوبات مفروضة منذ عام 1960)، وكوريا الشمالية (فُرضت أول عقوبات عليها في الخمسينيات، وشُددت في الثمانينيات)، وزيمبابوي (2003) وإيران (1979)، ولا تتأثر الحكومات بالعقوبات، لكن أكبر المتضررين منها هم الشرائح الأكثر ضعفًا مثل الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.

وتهدف العقوبات لتقليص الاقتصاد وحدوث حالات نقص حادة وارتفاع التضخم، والعمل في الوقت ذاته على حرمان البلد المستهدف من الوصول للتمويل للدفع مقابل السلع الضرورية.

ثم بعدها تلوم الولايات المتحدة الحكومة المستهدفة، زاعمة أن الفساد أو الاشتراكية هما المشكلة، سعيًا منها لتحريض الناس ضد حكومتهم. لكن هذا غالبًا ما يكون له أثر عكسي، إذ يلتف الناس عوضًا عن ذلك حول حكومتهم، وينحون مطالبهم بالديمقراطية جانبًا، ويعملون لإنشاء "اقتصاد المقاومة".

الحركة الساعية لإنهاء العقوبات

في السنوات الأخيرة، تشكلت حركة لإنهاء استخدام الإجراءات الاقتصادية القسرية غير القانونية. تضم هذه الحركة حكومات اجتمعت في منتديات مثل حركة عدم الانحياز، المكوّنة من دول تمثل 55 بالمائة من سكان العالم، إلى جانب دول أعضاء في الأمم المتحدة، مطالبين باحترام ميثاق الأمم المتحدة، وداعين لتنظيم حركات اجتماعية لتعليم الناس بشأن تأثير العقوبات والمطالبة بإنهاء استخدامها. وفي شهير يونيو الماضي، دعت حركة عدم الانحياز لإنهاء العقوبات على فنزويلا.

تعمل حركة "المقاومة الشعبية" مع جماعات حول العالم لإنشاء ما يعرف ب "النداء العالمي للسلام"، وهي مبادرة لخلق شبكة عالمية من الناس والمنظمات ستعمل معًا لمعارضة الإجراءات غير القانونية للولايات المتحدة، وأي دولة تفعل الشيء ذاته. الأولوية الأبرز تتمثل في معارضة فرض إجراءات اقتصادية قسرية أحادية تنتهك ميثاق الأمم المتحدة.

لقد كانت الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية التابعة لها غير فاعلتين في محاسبة الولايات المتحدة على أفعالها. لا تستطيع دولة أو منظمة وحدها محاسبة الولايات المتحدة، لكن في حال تعاونت هذه الدول سيكون باستطاعتها صناعة الفارق.

ومع استهداف 39 دولة بالعقوبات، وتأثر دول أخرى سلبًا بسبب عدم قدرتها على التعامل تجاريًّا مع هذه الدول المستهدفة، تعمل الدول حاليًا على تحدّي هيمنة الدولار الامريكي. تسعى الدول لإجراء المعاملات التجارية من دون الدولار، ولم تعد تتعامل مع الدولار بوصفه عملة الاحتياط الدولية، فيما تتجنب هذه الدول في الوقت ذاته التعامل مع سوق المال الأمريكي في "وول ستريت".

يصف وزير الخارجية الإيراني العقوبات بأنها "إرهاب اقتصادي"، محذرًا من أن "الاستخدام المفرط للقوة الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة، والاستخدام المفرض للدولار كسلاح في الإرهاب الاقتصادي الأمريكي ضد الدول الأخرى، ستكون له آثار عكسية". ومع تواصل تزايد ردود الأفعال على الولايات المتحدة، ربما يؤدي التأثير السلبي على الاقتصاد الأمريكي لدفع الولايات المتحدة لوقف استخدام سلاح العقوبات.

إن نهاية هيمنة الدولار، ستساهم في فناء الإمبراطورية الأمريكية المتهاوية.

حان الوقت لإنهاء استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية غير القانونية

إن التحرك المشترك للدول المناهضة للعقوبات الأمريكية والحركات الشعبية، لديه القدرة على إنهاء إساءة استخدام العقوبات، وقد تحرّك الاتحاد الأوروبي للتخفيف من أثر العقوبات على إيران عبر إنشاء نظام بديل لنظام "SWIFT" الخاضع لسيطرة الولايات المتحدة، لإجراء المعاملات التجارية. وتسرّع هذه الخطوة من نهاية الدولار بوصفه عملة احتياط عالمية، في حين دعا بعض المسئولين في الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات انتقامية على الولايات المتحدة.

من جانبه، ترك الرئيس ترامب الباب مفتوحًا قليلًا لإمكانية عقد مباحثات دبلوماسية مع إيران يمكن أن تؤدي لإنهاء العقوبات على هذا البلد. وتفاخر ترامب بأن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز، ما يعني أن بلاده غير مضطرة لإنفاق مئات ملايين الدولارات سنويًّا على إرسال جنود للشرق الأوسط. واختتم كلامه برسالة لـ "شعب وقادة إيران" مفادها أن الولايات المتحدة "مستعدة لعقد سلام مع كل الذين يسعون إليه".

وأضاف أن الولايات المتحدة ترغب في أن تنعم إيران بـ "مستقبل عظيم ومزدهر مع بقية دول العالم".

لكن هذا المستقبل المزدهر لن يتحقق إلا مع تحرك الولايات المتحدة لإنهاء العقوبات على إيران. لقد تعلم الإيرانيون ألا يثقوا في الولايات المتحدة.

وقد التزمت إيران بشروط الاتفاق النووي، لكن ترامب لم يفعل هذا عندما انسحب من الاتفاق، وأعاد فرض عقوبات قاسية كان قد رفعها أوباما، وأضاف المزيد من العقوبات، وقد أغضبت هذه الخطوة أيضًا الحلفاء الأوروبيين الذين شاركوا في هذا الاتفاق، وأجبرتهم إما أن يكونوا خاضعين للولايات المتحدة أو يواجهونها. ولاستعادة ثقة إيران، سيتعين على الولايات المتحدة القيام بخطوة لإبداء حسن النية متمثلة في إنهاء العقوبات الاقتصادية القاسية.

أما كوريا الشمالية فواجهت عقوبات أمريكية لفترة زمنية أطول من أي دولة أخرى، وهي تجربة مماثلة بعد أن توصلت لاتفاق مع الولايات المتحدة عام 1994 في عهد إدارة بيل كلينتون، حينها اتهم كلٌّ من جون بولتون وديك تشيني (المسئولان في إدارة جورج بوش الابن) كوريا الشمالية بهتانًا بانتهاك الاتفاق، وعملا على زيادة العقوبات عليها، ووصفاها بأنها جزء من محور الشر، إلى جانب إيران والعراق. وتعلمت كوريا الشمالية، مثل إيران، أنه لا يمكن الثقة في الولايات المتحدة، وتتسبب العقوبات في موت عشرات الآلاف في كوريا الشمالية.

الآن؛ الصين وروسيا متحالفتان مع كوريا الشمالية، وتدعوان لتخفيف العقوبات الأمريكية عليها، كما تجاهلت روسيا والصين أيضًا العقوبات الأمريكية على فنزويلا، وواصلتا ممارسة التجارة معها.

في السابع عشر من ديسمبر، أقرّ مجلس الشيوخ الأمريكي قانون عقوبات يفرض عقوبات على شركات تعمل مع روسيا لإنشاء أنابيب غاز إلى أوروبا. إن هذا القانون هو تجسيد حيّ للإمبريالية الأمريكية الساعية لمنع روسيا من أن تكون مُصدِّرًا رئيسيًّا للغاز الطبيعي لسوق الاتحاد الأوروبي، واستبدال هذا الغاز الروسي بالغاز الأمريكي الأعلى سعرًا، وهي خطوة هدفها إنقاذ صناعة النفط الصخري الأمريكي المتعثرة ماليًا.

وقد أبلغت روسيا وألمانيا ودول أخرى، الولايات المتحدة بنبرة مليئة بالتحدي، أن استخدام العقوبات الاقتصادية كسلاح لن يوقف بناء أنبوب الغاز.
إن هذا الاستخدام غير الأخلاقي وغير القانوني والعشوائي للعقوبات هو عمل حربي، كما تعدّ العقوبات القسرية الأحادية غير قانونية ما لم تأذن بها الأمم المتحدة، ولا شك أن الهدف الأساسي لحركة السلام والعدل في الولايات المتحدة، بالتعاون مع الحلفاء حول العالم، يجب أن يكون إنهاء هذه الحرب الاقتصادية الإرهابية، حيث يعتمد الاقتصاد الأمريكي حاليًا على الهيمنة المالية والحرب.

وفي النهاية، فإن الانهيار البطيء والمتواصل للاقتصاد الدولاري يعني أن عِقد العشرينيات في هذه الألفية، سيكون عِقد انتهاء الهيمنة الأمريكية؛ لذا يجب أن تتعلم الولايات المتحدة أن تكون عضوًا متعاونًا في المجتمع الدولي، وإلا فستواجه خطر العزلة والانتقام.
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الولايات المتحدة

اضف تعليق