ناشيونال إنترست | وهم الخطر الإيراني.. أمن أمريكا تهدّده القوى الكبرى وليس طهران


٢٩ يناير ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

شنّت القوات الأمريكية ضربة صاروخية في بغداد هذا الشهر، أسفرت عن مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، مهندس عمليات النفوذ الإقليمي الإيراني، والذي ربما يكون ثاني أقوى شخصية في إيران. توعّدت إيران سريعًا بـ "انتقام قوي" في شكل ردّ عسكري، وأطلقت منذ ذلك الحين ضربات صاروخية على أهداف أمريكية في العراق، ولحسن الحظ لم يتم الإبلاغ عن سقوط ضحايا. لكن هذا لا يعني ضمان سلامة ما يزيد على خمسين ألف جندي أمريكي متمركزين في الشرق الأوسط المضطرب - مع ورود تقارير عن توجه المزيد من الجنود للمنطقة - بالإضافة إلى العديد من المتعاقدين والدبلوماسيين والمدنيين.

إن اندلاع حرب شاملة مع إيران سيكون مكلّفًا أكثر من الحرب مع العراق، من ناحية الأرواح والمال، كما ستُشعل هذه الحرب اضطرابات إقليمية وعمليات إرهابية ضد الولايات المتحدة في المستقبل. لكن حتى في حال لم تندلع حرب بين الطرفين، فإن الهجمات الصاروخية الأخيرة تُظهر أن مقتل سليماني يُبقي الولايات المتحدة متورطة في سلسلة ردود انتقامية متزايدة الخطورة مع إيران، ما يجعل الولايات المتحدة تركّز مواردها واهتمامها على قوة من الدرجة الثالثة في منطقة ذات أهمية استراتيجية محدودة ومتراجعة. إن مصالح الولايات المتحدة ستتحقق على نحو أفضل عبر معالجة أولويات أهم؛ أي إنهاء العمليات الأجنبية عديمة الجدوى والتي أرهقت الجيش الأمريكي، وتحسين القوة المالية لمواجهة تحديات العِقد المقبل.

إن مقتل سليماني كان خسارة لطهران، لكن يمكنها تعويضها. إذ جرى بالفعل تعيين خليفة لسليماني يتمتع بالقدر ذاته من الخبرة، كما سيتواصل دعم إيران لوكلائها في المنطقة، إن لم يكن سيتسارع.

لكن هناك حدودًا لقدرة إيران على ممارسة نفوذها في الشرق الأوسط.

فإيران في نهاية المطاف هي نظام ديني شيعي في منطقة تقطنها غالبية سُنيّة، واقتصادها هشّ وضعيف، ولديها أصدقاء قليلون في العالم، وتسليح جيشها متقادم، والدعم المحلي للنظام ضعيف، كما  لا تملك إيران القدرة على بناء إمبراطورية إقليمية، وهي مجبرة على استخدام الموارد التي تمتلكها -وكلائها في لبنان وسوريا والعراق واليمن - لمواجهة خصومها المحليين الكثيرين. مع تنامي حالة السخط المحلية بسبب تراجع الوضع الاقتصادي، فإن الولايات المتحدة ستخسر فقط في حال أخطأت بشنّ حرب أخرى، حرب مثل تلك التي خضناها في العراق، نفوز بها عسكريًّا لكن نخسرها استراتيجيًّا.

إن موقف إيران الضعيف لم يمنعها من استهلاك جهود السياسة الخارجية الأمريكية بطريقة غير متناسبة إطلاقًا مع أهميتها.
لقد نُشر ما يزيد على ثمانية عشر ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط لمواجهة إيران منذ مايو  الماضي، في وقت تتطلب فيه مصالح الولايات المتحدة تقليل التواجد الأمريكي وليس توسيعه. والآن بعد هزيمة "خلافة" تنظيم داعش، قُسِّمت سوريا بين حكومة بشار الأسد وتركيا، وتفاقمت حالة الغضب الشعبي ضد حكومة إيران ونظيرتها العراقية الموالية لها. في الوقت ذاته، فإن تضاعف إنتاج الولايات المتحدة النفطي المحلي في العقد الماضي، حصّن الاقتصاد الأمريكي من صدمات الشرق الأوسط النفطية.

إن استمرار العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة، يجعل الولايات المتحدة عرضة للانتقام ويهدر الموارد الأمريكية، ويمنح في الوقت ذاته الحكومات غير الشعبية فرصة لتحويل الغضب الشعبي ضد الولايات المتحدة. لقد أُرسلت القوات الأمريكية للمنطقة في الأساس لمحاربة داعش، ويجري الإبقاء عليها الآن لاحتواء إيران وميلشياتها الحليفة، والتي من المفارقة ساهمت مساهمة كبيرة في طرد داعش من العراق. ولكن في أعقاب مقتل سليماني، علّقت الولايات المتحدة عملياتها لمكافحة داعش، ما يجعل الهدف الوحيد للقوات الأمريكية في العراق هو الدفاع عن قواعد غير ضرورية في أراضٍ معادية.

إن إنهاء التورّط العسكري الأمريكي في المنطقة ضروري للحفاظ على القوة الأمريكية، غير أن التقليص التدريجي الذي طال انتظاره للمهام الأمريكية المُكلّفة في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن، سيظل بعيد المنال طالما رفضت واشنطن التخلي عن لعبة "مَن يجبن أولًا" الخطيرة التي تمارسها مع طهران.

يتحمل الجيش الأمريكي في الوقت الراهن أعباءً تفوق طاقته، مُنفذًا طيفًا واسعًا من المهام حول العالم، من بينها الدفاع عن دول البلطيق ضد روسيا، ومحاربة طالبان، ومنع هجوم صيني على تايوان، وردع كوريا الشمالية عن مهاجمة كوريا الجنوبية، ومنع استيلاء الأسد على حقول نفط سوريا، ومحاربة الإرهاب في الشرق الأوسط وأفريقيا. إن اندلاع حرب مع إيران أو وجود خطر حقيقي باندلاعها، لن يؤدي إلا لمضاعفة هذا العبء، كما أن دخول الولايات المتحدة في منافسة فعّالة طويلة الأمد ضد دول نظيرة مثل الصين- التي باتت هدفًا سياسيًّا متزايد الأهمية للولايات المتحدة - سيكون مستحيلاً طالما بقيت الولايات المتحدة عالقة في رمال الشرق الأوسط المتحركة.

إن القوة المالية للحكومة الأمريكية، والتي تموّل وتدعم القوة العالمية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، باتت ضعيفة بالفعل ومن المرجح أن تتراجع أكثر مع استمرار التورط الأمريكي في الشرق الأوسط في استنزاف الخزانة الأمريكية. وتعاني الولايات المتحدة من حالات عجز في الميزانية منذ عشرين عامًا، تتجاوز غالبا حاجز الترليون دولار سنويًا، فيما لا يرغب الجمهور الأمريكي في دفع ضرائب أكبر لتمويل السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة، لهذا فقد جرى نقل تكلفة هذه الحروب للأجيال المقبلة من دافعي الضرائب في شكل ديون.

وحتى مع وجود معدل فائدة متوقع منخفض يصل إلى 3.7 بالمائة، فإن مدفوعات الفائدة على الدين الوطني ستتجاوز الإنفاق العسكري المتوقع لعام 2027.   

ولتفادي الإعسار المالي، ولتحويل قوتها لمواجهة التحديات الأكثر جدية في العقد المقبل، يمكن للولايات المتحدة أن تبدأ عبر تجنب الدخول في مواجهات عسكرية يمكن أن تشعل حروبًا جديدة، أو تصعّب من فكّ الارتباط بالحروب الراهنة. وردًّا على ضربة الطائرة المسيّرة التي قتلت الجنرال سليماني، صوّت البرلمان العراقي على قرار يقضي بطرد القوات الأمريكية، والتي كانت قد دُعيت في السابق لمحاربة داعش.

على أي حال، كان ينبغي للولايات المتحدة الانسحاب مع سقوط خلافة داعش. إن تنفيذ انسحاب منهجي الآن، وإن كان متأخرًا، سيُجنّب المفرزة العسكرية الأمريكية الصغيرة والضعيفة في العراق المزيد من عمليات الانتقام المحتملة، وسيمثل هذا الانسحاب في الوقت ذاته خطوة ضرورية لتقليص عبء الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية.       


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الولايات المتحدة ايران

اضف تعليق