بوليتيكو | الهدف الحقيقي لخطة ترامب في الشرق الأوسط


٠١ فبراير ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

تتضمن خطة السلام التي طال انتظارها والتي أعلنتها إدارة ترامب العديد من الأهداف، لكن صُنع السلام ليس من بينها.

لا يتم إطلاق مفاوضات مباشرة، أو دفع الطرفين نحو التسوية، أو حتى تأكيد التفاهمات الضمنية والخاصة على أمل أن يتبناها الإسرائيليون والفلسطينيون علنًا في النهاية، وكل واحدة منها – كما نعلم من التجربة الناجحة وغير الناجحة – قد ظهر كهدف في الخطط الأمريكية السابقة.

إن الدوافع وراء وثيقة جرى وضعها دون أي مشاركة فلسطينية، والتي تم الكشف عنها في نفس يوم التصويت المهم في البرلمان الإسرائيلي على حصانة رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو"، وقبل أقل من عام على تصويت الأمريكيين لرئيسهم المقبل، أصبحت شديدة الاعتيادية وشديدة المبالغة.

فمن حيث الاعتيادية أولًا، من الصعب ألا نرى في الوقت المناسب جهدًا من "ترامب" لمساعدة "نتنياهو" في الانتخابات الإسرائيلية التي ستجرى بعد 6 أسابيع من الآن، وأكثر من ذلك، محاولة من "ترامب" لمساعدة نفسه لجني الدعم من الإنجيليين والجمهوريين المحافظين وهو يتجه إلى حملته لإعادة انتخابه.

 يجادل النقاد بأن الإدارة الأمريكية يجب أن تنتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية في مارس وتشكيل حكومة جديدة، ولكن انتظار هذا الوقت الطويل يعني الانتظار حتى شهر مايو، وربما تنتهي الانتخابات مرة أخرى بشكل غير حاسم؛ ما يعني المخاطرة بعدم إطلاقها. إضافة إلى ذلك، توفّر هذه النسخة التجريبية صرفًا للأنظار عن محاكمة وعزل ترامب؛ ما يسمح للرئيس بادّعاء أنه مكرس جهده لقضايا الدولة المهمة حيث يتلاعب الديموقراطيون بالسياسة الشعبية.

وعما إذا كانت هذه الخطوة ستؤدي فعلاً إلى مساعدة نتنياهو أو ترامب فإن الأمر غير واضح. يعتقد فريق ترامب أن الخطة ستساعد حملتهم وحملة نتنياهو، فيما ترفض بعض الدوائر الانتخابية اليمينية الإشارة إلى أن هذا قد يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، على الرغم من أن هذا لن يحدث إلا إذا دخل الفلسطينيون في سلسلة من الظروف غير الواقعية. وحتى بعد ذلك، فإن أي دولة مفترضة ستكون مجزأة، مفككة، محاطة بـإسرائيل، وخاضعة لسيطرة أمنية إسرائيلية بحيث تكون في أفضل الأحوال دولة بالاسم فقط.

ربما يكون هؤلاء المنتقدون غاضبين أيضًا من الاقتراح القائل بأن الفلسطينيين يمكن أن يكون لهم عاصمة في القدس الشرقية، بالرغم أن أجزاء المدينة التي تتصورها خطة الولايات المتحدة لها أهمية بالغة الأهمية بحيث لا يكاد معظم الناس يساوونها بالقدس نفسها. 

من الناحية النظرية، يمكن للإسرائيليين المتشددين أن يحتجوا أيضًا على فكرة أنه لن تكون هناك مستوطنات جديدة لسنوات، لكن حتى هذا القيد لا معنى له بشكل أساسي لأن الخطة تمنح إسرائيل بشكل كامل جميع أراضي الضفة الغربية التي ترغب في بناء المستوطنات عليها.

باختصار، هذه خطة تمنح إسرائيل كل ما تريده، وتسلم للفلسطينيين كل ما لا تهتم به إسرائيل، وتحاول شراء الفلسطينيين مع وعد بتقديم 50 مليار دولار كمساعدات لن ترى النور أبدًا، ثم تطلق على ذلك أنه عملية سلام. لذا فإن هذه الخطوة السياسية تهدف إلى تعزيز فرص ترامب ونتنياهو الانتخابية، نعم. لكن ألن يكون ذلك دون أي معنى أوسع؟ ليس بتلك السرعة!

قد لا تخبرنا الأفكار التي طرحتها الإدارة بأي شيء عن مستقبل السلام في الشرق الأوسط، بخلاف أن فكرة حل الدولتين القابلة للاستمرار باتت شيئًا من الماضي بكل وضوح، وأن الضم الفعلي لأراضي الضفة الغربية قد يصبح قريبًا بحكم القانون. سيَقْبل الإسرائيليون في الغالب الاقتراح، وسيرفضه الفلسطينيون من جميع الأطياف، وستعلن الدول العربية تصريحات مائعة تهدف إلى عدم إغضاب رئيس أمريكي يخشون انتقامه، كما تهدف إلى تهدئة الرأي العام العربي الذين يخشون غضبته. ولكن تلك الأفكار تخبرنا القليل عن الطبيعة التي تتكشف لسياسة ترامب الخارجية باعتبارها محاولة متنامية باستمرار وأكثر جرأة لمحو القواعد التقليدية وفرض قواعد جديدة.

يمكن استنباط خط يمتد من قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلى مقتل الجنرال "قاسم سليماني"، في هذه المحاولة لإعادة كتابة معالم التسوية السلمية الإسرائيلية الفلسطينية على حساب الفلسطينيين.

حيث يعكس كل منها إدارة واثقة بشكل متزايد في طريقها، غير مبالية بآراء الآخرين، متلهفة بممارسة سلطتها الخاصة، وبالتأكيد أنها تستطيع تغيير الواقع بمجرد فرض إرادتها، كل قرار يتغذى على القرارات السابقة، حيث إن الإدارة تتشجع مع عدم وجود رد فعل عنيف خطير على أي من خطواته السابقة.

فقد تم التحذير من أن نقل السفارة إلى القدس يمكن أن يثير احتجاجات ضخمة مناهضة للولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي، ولم تحدث سوى بعض الانتقادات الدبلوماسية. ثم جاء تحذير آخر للإدارة الأمريكية من أن قتل سليماني سيؤدي إلى انتقام إيراني خطير، ما قد يؤدي إلى حرب أمريكية أخرى مكلفة، وكان الرد 30 صاروخًا إيرانيًّا من الصواريخ الباليستية ولكن لم تُقتل أي أمريكي في وقت لاحق. ولذلك يمكن لفريق ترامب مرة أخرى أن يصوّر منتقديه على أنهم يثيرون القلق بشكل لا لزوم له.

هناك رأي مضاد في المقابل، أدى نقل السفارة إلى تقويض أي ادعاء باقٍ بأن الإدارة الأمريكية يمكن أن تلعب دور الوساطة في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

وبالنسبة لرد الفعل الإيراني على مقتل سليماني، ربما كان من الممكن احتواؤه، لكن متى كانت آخر مرة أطلقت فيها دولة صاروخًا على قاعدة عسكرية أمريكية، ومتى كانت آخر مرة فشلت فيها الولايات المتحدة في الرد؟ من المحتمل أيضًا أن طهران وحلفاءها المتشددين من غير الدول لم يقولوا كلمتهم الأخيرة. ولعل الصواريخ التي استهدفت السفارة الأمريكية في بغداد تذكرنا بذلك.

ولكن هذا كله تخمين في معظمه، غير أن الجزء الأكبر من التكاليف الأكثر خطورة المذكورة سيأتي في المستقبل، بالنسبة لإدارة ترامب، فإن التكهنات بشأن ما قد ينتظرنا غدًا لا أهمية لها، تتاجر الإدارة فيما هو واضح؛ إنها تتعامل حصريًّا مع ما يجري الآن فقط.

لذلك، عندما يغيب أي رد فلسطيني ساخط على الخطة التي تقتل تطلعاتهم، وعندما تتفاعل الدول العربية بلهجة أقرب إلى الصمت مع اقتراح ينفي أي مطالبة إسلامية بالمقدسات في القدس، وعندما تتخلى الحكومات الأوروبية في أحسن الأحوال على الدعم الوهمي لحل الدولتين، فإن الدرس الذي ستتعلمه إدارة ترامب هو أنها تستطيع أن تفلت مما تفعل مادام لديها الجرأة للقيام بذلك.

من السهل إدانة إدارة ترامب لافتقارها إلى الاستراتيجية، هذا سهل، لكنه خطأ.

تتكشف استراتيجية إدارة ترامب أمام أعيننا، وهو مجموع كل خطوة جديدة تتخذها. إنه يعكس قناعة فريقه بأن القوة غير المُمارَسة تُهدر، وأن تلك القوة يجب أن تُستخدم لتفكيك طرق الماضي، وأن الرؤساء السابقين أمضوا وقتًا طويلاً في الشعور بالقلق حيال كيف سيكون رد فعل خصوم أمريكا على أفعالنا، ولكن عندما يواجهون الأمريكيين يجب أن يقلقوا بشأن رد فعل أمريكا ضدهم.

سيتم دفع الفاتورة الكلية في مرحلة ما، وقد يكون ذلك حادًا، وحتى ذلك الحين، سيتعامل العالم مع إدارة متهورة بشكل متزايد، وستكون احتمالات السلام الإسرائيلي الفلسطيني العادل والقابل للحياة واحدة من خسائره العديدة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الشرق الأوسط ترامب

اضف تعليق