ذا هيل | بقاء القوات الأمريكية في العراق لن يضع حدًا للفوضى هناك


٠٦ فبراير ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

في الأسبوع الماضي، قُتل عشرات المحتجين في العراق؛ ما يرفع إجمالي عدد القتلى لما يزيد على 600 قتيل منذ اندلاع احتجاجات مناهضة للحكومة في أكتوبر الفائت.

وقد أسفرت الحركة الاحتجاجية بالفعل عن استقالة رئيس الوزراء ولا توجد إشارات على نهايتها. إن استمرار حالة عدم الاستقرار والانقسامات في العراق، توضح أهمية سحب القوات العسكرية الأمريكية قبل أن يخسر المزيد من هؤلاء الجنود أرواحهم وسط تلك الفوضى العراقية.. لقد رأينا هذا السيناريو من قبل!    
   
لقد بات معروفًا تاريخيًّا أن الغزو الأمريكي للعراق كان يرتكز على معلومات استخباراتية سيئة بصورة صادمة، حيث زعم مسئولو إدارة جورج بوش بشكل روتيني أن صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل سيستخدمها ضد الولايات المتحدة في حال لم تتحرك ضده، كما كان قرار الغزو خاطئًا وفشلنا في الانسحاب بمجرد ارتكابنا ذلك الخطأ، ما خلق دائرة مفرغة لا نستطيع الخروج منها حتى الآن.

 
ومع الإطاحة بصدام، كان يمكن لإدارة بوش العمل مع الجيش العراقي القائم حينها للحفاظ على النظام العام وتهيئة الظروف للشعب العراقي لتشكيل حكومة جديدة. كان يمكن للجيش الأمريكي حينئذ الانسحاب بداية من عام 2003. عوضًا عن هذا، أراد البعض في واشنطن محاولة إعادة تشكيل العراق وفقًا لما تريده الولايات المتحدة.

أولًا: حلّ الأمريكيون الجيش العراقي، وقضوا على النواة الأساسية للحكومة، وحاولوا بناء هياكل جديدة من الصفر؛ ما جعل هناك فائزين وخاسرين، وبالتالي خلقوا عداوة مع المكوّن السُنّي الخاسر داخل الشعب العراقي. ولم تكن النتيجة مفاجئة: ولادة تمرُّد سُنّي بعد أشهر لاحقًا.

وبحلول عام 2005، أصبح جليًّا أن التمرّد كان يوجّه ضربات قوية للقوات الأمريكية، ما أدّى إلى ارتفاع عدد الإصابات الأمريكية ارتفاعًا حادًا. مرة أخرى، كان لدى واشنطن فرصة للاعتراف بعدم جدوى إعادة تشكيل العراق حسب ما تريده أمريكا، وكان يمكن لها اتّباع مسار أوصى به قادة عسكريون أمريكيون حكماء يتمثل في إجراء تخفيض كبير للاحتلال الأمريكي في العراق. عوضًا عن هذا، ضاعفت الإدارة من خطأها وأرسلت 20 ألف جندي إضافي لبغداد.

واعترف بوش في يناير 2007 في خطاب له أنهم لا يكسبون الحرب، وأقرّ أنه تفاجأ بخسارتهم للحرب لأن "الانتخابات العراقية عام 2005 كانت نجاحًا باهرًا. كنا نظن أن تلك الانتخابات ستجمع شمل العراقيين". وأعرب بوش عن أسفه قائلًا إنه في عام 2006 "حصل العكس من هذا. فالعنف في العراق -لا سيما في بغداد - دمّر المكاسب السياسية التي حققها العراقيون".
   
لكن الهدف النهائي للرئيس لم يكن ليحقق نجاحًا أكبر مما حققه الغزو الذي أقرّ بوش بفشله. أوضح بوش أن النصر في العراق "سيجلب شيئًا جديدًا في العالم العربي، ديمقراطية ناجعة تحمي أراضي العالم العربي، وتطبق حكم القانون فيه، وتحترم الحريات الأساسية، وتلبي مطالب الشعب". وشدّد بوش بكل ثقة على أن رئيس الوزراء العراقي "نوري المالكي" "تعهّد بأنه لن يتسامح مع التدخل السياسي أو الطائفي".

كان الهدف هو تزويد المالكي بـ "فسحة من الوقت" تسمح له بالتصالح مع خصومه السياسيين لإنشاء ديمقراطية مستقرة. لكن هذا التفكير يسلّط الضوء على الإخفاقات الأساسية التي مُنيت بها عملياتنا العسكرية في العراق لغاية الآن: النجاح كان يعتمد على لاعبين سياسيين بعيدًا عن سيطرة أو حتى نفوذ العمليات العسكرية الأمريكية.  
    
عوضًا عن التصالح مع خصومه، استغل المالكي –الشيعي - تلك "الفسحة" للإطاحة بخصومه السياسيين السُنّة من المناصب الحكومية. وبعكس ما يظن الكثيرون، فإن إطاحة المالكي بقادة من السنّة مهمين من الحكومة كان عاملًا مهمًّا في صعود داعش عام 2014، وليس انسحاب القوات الأمريكية. وفي العامين اللذين سبقا صعود داعش في العراق، تسببت سوء معاملة المالكي للسُنّة في اندلاع احتجاجات مناهضة للحكومة دامت لأشهر في العراق، مماثلة للاحتجاجات التي تشهدها البلاد اليوم.

كما تشهد مدن العراق يوميًّا تقريبًا احتجاجات كبيرة ضد الفساد الحكومي. إن القوات الأمريكية في العراق لا يمكنها وضع حدّ للفوضى السياسية في بغداد اليوم تمامًا مثلما كانت عاجزة عن وضع حدّ لها في أعوام 2003 و2007 و2014. لقد ضحينا بالفعل بأرواح آلاف الأمريكيين وأنفقنا تريليونات الدولارات في محاولة تحقيق هدف لا يمكن تحقيقه، وقد حان الوقت لوضع حدّ لسلسلة الإخفاقات الحالية.

ونظرًا لتزايد التهديد على قواتنا من جانب المليشيات العراقية الغاضبة من اغتيال الجنرال قاسم سليماني، فقد حان الوقت كذلك للاعتراف بحدود القوة العسكرية في حل المشاكل السياسية، وسحب جميع القوات الأمريكية من العراق.

إن الاحتفاظ بالقوات الأمريكية هناك لمساعدة العراق على ترتيب أوضاعه الداخلية سيكون فشلًا دائمًا وعصيًّا على النجاح، ولا ينبغي أن ننتظر حتى يُقتل المزيد من الجنود الأمريكيين في العراق.. لقد حان وقت الانسحاب الآن.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الولايات المتحدة العراق

اضف تعليق