بلومبرج | هل سيتحول فيروس كورونا إلى ساحة للحرب التجارية بين الصين وأمريكا؟


٠٦ فبراير ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

مع استمرار انتشار فيروس كورونا خارج الصين، فإنه من المغري أن نعتبره مشكلة حديثة فريدة من نوعها، فقد انتشر بنفس تلك السهولة التي تنتقل بها البضائع والمعلومات والأشخاص حول العالم.

في الواقع، فقد انتشرت هذه الأوبئة لعدة قرون بفضل عامل واحد، وهو التجارة الدولية، فهي الطريق السريع الرئيسي لنقل الوباء الأصلي.

تأمل للحظة، حين وقع أكبر وباء في التاريخ المسجل: الطاعون الدُّملي، الذي مزق أوروبا ابتداء من عام 1348، وتسبب في مقتل ثلث السكان. ومع ذلك، لم ينتهِ، حيث عاد للظهور مرَّات عديدة في العقود اللاحقة. وعلى الرغم من أن أصول الطاعون الدقيقة خرجت من آسيا لا تزال محل خلاف، غير أن المؤرخين يتفقون على أن وصوله إلى أوروبا كان عبر ميناء كافا في القرم.

فقد توقف تجار جنوة هناك في طريق عودتهم من الصين وهم يحملون مجموعة كبيرة من البضائع، وكذلك يحملون معهم، عن غير قصد، اليرسينيا الطاعونية، وعادوا إلى ديارهم، حيث التقط التجار الآخرون الطاعون قبل نشره في جميع أنحاء أوروبا.

ولم يكن التجار وحدهم حاملي الطاعون، فقد ساعدت الفئران السوداء في انتشاره في كل مكان وأدت إلى انتقاله إلى البشر (جاءت الفئران إلى أوروبا من آسيا متسللة في رحلات تجارية سابقة).

تسلط هذه القصة – وهي إحدى القصص التي رواها "مارك هاريسون"، المؤرخ في جامعة أكسفورد – الضوء على الدور الكبير الذي لعبته التجارة العالمية في نشر الأمراض. وأشار هاريسون إلى أن هذا كان واضحًا أيضًا للناس في ذلك الوقت على الرغم من فهمهم القروسطي للجراثيم.

وعندما أصبح الطاعون وباءً، وقع اللوم على التجار وبدأت المدن في تقييد تحركاتهم. ولكن حتى عام 1397، واجهت سلطات الموانئ في "دوبروفنيك" طريقة ذكية للتعامل مع تجار الموت، حيث عملت على إبقائهم على متن سفنهم حتى وفاتهم أو تتحسن حالتهم. ومن هنا نشأ أول نظام للحجر الصحي.

في كل مرة يعود فيها الطاعون إلى أوروبا في القرون اللاحقة، باتت العلاقة المتصورة – والحقيقية جدًّا – بين التجارة والمرض راسخة بشكل كبير في أذهان الناس. وهذا بدوره ظهر في طريقة استجابة المدن والممالك لتفشي المرض. وبحلول الثمانينيات من القرن التاسع عشر، كان أكثر من ثلث ما يسمى "مراسيم الطاعون" تركز على التجارة والحجْر الصحي للبضائع الواردة من الخارج.

وقد عبر "دانييل ديفو"، التاجر الإنجليزي المعروف باسم "روبنسون كروزو"، عن اعتقاد واسع النطاق في القرن السابع عشر بأن الطاعون قد وصل عبر "البضائع التي جرى إحضارها من هولندا، والتي وصلت هناك من بلاد الشام" قلب الشرق الأوسط. ومرة أخرى، لم يكن هذا بعيدًا عن الحقيقة: من المحتمل أن تكون المنسوجات التي هيمنت على التجارة البعيدة قد حملت البراغيث الحاملة للطاعون في طياتها.

ومع ذلك، تساءل عدد متزايد من التجار عما إذا كان العلاج قد يكون أسوأ من المرض. بدأوا في الضغط على إجراءات الحجر الصحي بمجرد قُدُومهم، حيث قدَّموا التماسًا نموذجيًّا في إشبيلية الإسبانية عام 1582 قالوا فيه إن "الأذى والإصابة لا يطاقان". بالتأكيد، إن الطاعون هو أمر سيء، وهو ما اعترف به هؤلاء التجار، لكن ماذا عن العواقب الاقتصادية؟ إنها كارثية!

وظهر هذا التوتر حتمًا في التعامل مع الأوبئة التي ظهرت في المستقبل، وذلك مع تقديم المشورة للمصالح التجارية لاتباع تدابير أكثر تحفظًا لكبح المرض، وأن تتخذ الحكومات تدابير أكثر صرامة. لكن في القرن السادس عشر، أدرك الزعماء السياسيون أنه يمكن استخدام الحجر الصحي لغرض آخر تمامًا، وهو الإضرار بالدول المتنافسة. لقد تعلم الهولنديون، الذين أصبحوا قوة تجارية عالمية في تلك الفترة، هذا الطريق الصعب.

في ذلك الوقت، كان الهولنديون يتمتعون بسمعة طيبة في وضع الأرباح قبل الصحة العامة. وعندما بدأت الشائعات بأن الطاعون قد عاد إلى أمستردام في عام 1663، فرض البريطانيون الحجر الصحي على السفن الهولندية، وأجاب الهولنديون أن "المرض المعدي" لم يكن مصدر قلق، وأن الحدود يجب أن تظل مفتوحة.

كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا بعض الشيء. كان الطاعون في أمستردام حقيقيًّا، ولكن كان يصاحبه طموحات بريطانية وفرنسية لتقليص حجم الهولنديين، وقد كان في الحجر الصحي حل لجميع المشاكل. ومع تصاعد التوترات بين هذه القوى الإمبريالية، بدأت كل واحدة في استخدام المرض كذريعة لتقويض تجارة منافسيها، وكانت معاناة الهولنديين أكثر من غيرهم. وبحلول نهاية القرن، أصبح الحجر الصحي تعريفة مبجلة، كانت تستخدم إلى حد كبير لإبقاء البضائع الأجنبية محجوزة في الموانئ.

وقد يساعد هذا في توضيح سبب شن بعض الهجمات الناجحة الأولى على الحجر الصحي من دعاة التجارة الحرة. وقد انطلقت هذه الحركة في بريطانيا في القرن التاسع عشر، عندما ساعد عدد متزايد من السياسيين والاقتصاديين على إلغاء التدابير الحمائية مثل قوانين الذرة، وسرعان ما حول التجار الأحرار انتباههم إلى قوانين الحجر الصحي، والتي وصفتها صحيفة "تايمز أوف لندن" بشكل مميز بأنها "سخيفة وعتيقة الطراز". وربما وصفها التجار بأنها "قروسطية".

جاءت هذه الحركة في وقت مناسب. وبحلول القرن التاسع عشر، أثبتت الأمراض الوبائية التي جاءت عبر طرق التجارة – وأبرز هذه الأوبئة الحمى الصفراء والكوليرا – أنها أقل استجابة بكثير للحجر الصحي، وهو ما فتح الباب أمام تغيير السياسة. لقد ساعد ذلك بريطانيا العظمى، التي كانت تمتلك أكبر بحرية وأكبر اقتصاد في العالم، في أن يكون لديها القدرة على إجبار الدول المتمردة على التخلي عن ارتباطها بالحجر الصحي.

نجحت بريطانيا – إلى حد ما – وعقدت مؤتمرات صحية دولية تهدف إلى إزالة الحجر الصحي وتعزيز التعاون في احتواء الأوبئة، لكن الأمراض الجديدة مهدت الطريق كثيرًا نحو الأممية وذلك بحلول نهاية القرن.

أدى الطاعون البقري، الالتهاب الرئوي الجنبي البقري وداء المشعرات، الذي أصاب الماشية، وليس البشر، إلى حظر الواردات من الدول التي حدثت فيها تلك الأمراض.

وكما هو الحال دائمًا، كان من الصعب التمييز بين الدوافع وراء هذه التدابير. ففي حالة إذا رفضت ألمانيا واردات لحم الخنزير من الولايات المتحدة، فهل هذا إجراء من تدابير الصحة العامة، أم مجرد سياسة حمائية واضحة؟

وفي القرن العشرين، تلاشت العلاقة التاريخية المحيرة بين التجارة والمرض إلى حد كبير، باستثناء بعض الحلقات المعزولة. لكن ما يحدث الآن يوحي بأن هذه العلاقة قد تعود إلى الظهور.

عندما بدأ فيروس كورونا في الخروج عن السيطرة، اتبع المسارات التي تبنتها الصين منذ 30 عامًا. وسيتكثف النمط في الأسابيع المقبلة.
ولذلك فإن ولع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بالعزلة والحمائية دفعه هو وكبار مساعديه إلى النظر إلى تفشي المرض على أنها فرصة لن تتكرر لعرقلة صعود الصين.

نشهد بالفعل أدلة على ذلك. عند مناقشة حالة تفشي المرض، لم يستطع وزير التجارة الأمريكي "ويلبر روس" أن يقاوم "نشوة النصر" الذاتية، مُدعيًا أن الوباء سيعيد الوظائف إلى الولايات المتحدة. لكن عندما يقترن ادّعاء الرئيس نفسه بأن انتشار المرض "سيكون له نهاية جيدة بالنسبة لنا"، يصبح من الأسهل تصور استئناف الاستراتيجية التي أضعفت الهولنديين، مخاوف من حدوث وباء يخدم الأهداف الحمائية للسياسيين.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الولايات المتحدة كورونا الصين

اضف تعليق