الصحافة الفرنسية | أسس هشة لصفقة القرن.. ولماذا تنعدم فرص نجاحها؟


٠٦ فبراير ٢٠٢٠

ترجمة - محمد شما

صفقة القرن.. باريس تؤكد على حل الدولتين بما يتوافق مع القانون الدولي

احتلت خطة ترامب للسلام، والمعروفة إعلاميًّا بـ"صفقة القرن"، العناوين الرئيسية للصحافة الفرنسية، فقد سلّطت جريدة "نوفيل أوبس" الضوء على الموقف الرسمي الفرنسي من الخطة التي تقدّم تنازلات كثيرة لمصلحة الدولة العبرية، وهو ما ترفضه السلطة الفلسطينية بشدة.
لذا أكدت فرنسا على ضرورة الالتزام بحل الدولتين الذي يحترم القانون الدولي، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية في بيان لها: إن فرنسا "تُعرب عن قناعتها بأنّ حل الدولتين، وفقًا للقانون الدولي والمعايير المتفق عليها دوليًّا، ضروري لإقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".

وأضافت أن فرنسا "ستواصل العمل في هذا الاتجاه بالتعاون مع الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين وكل من يمكنه المساهمة في تحقيق هذا الهدف".

رفض السلطة الفلسطينية

وتقدّم خطة السلام الأمريكية تنازلات كثيرة لمصلحة إسرائيل، وهو ما ترفضه السلطة الفلسطينية بشدة؛ حيث تشمل الخطة على وجه الخصوص الاعتراف بضم إسرائيل للمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة إلى أراضيها، لا سيما تلك المنشأة في وادي الأردن، وفي ذلك انتهاك صارخ للقانون الدولي وفقًا للأمم المتحدة.

إن قيام دولة فلسطينية مستقبلية على هذه الشاكلة سيكون أقل بكثير مما يطمح إليه الفلسطينيون، أي دولة على حدود عام 1967؛ وهو الأمر الذي تؤيده الأمم المتحدة التي أكدت تمسكها بهذه الحدود بعد وقت قصير من إعلان دونالد ترامب عن الخطة، فيما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية: إن فرنسا ستظل مهتمة باحترام ومراعاة التطلعات المشروعة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين على حدٍّ سواء.

أسس هشة لصفقة القرن

وفي السياق، تناولت الجريدة ذاتها الأجواء المصاحبة للإعلان عن الخطة الأمريكية، مشيرة إلى أن العلاقات بين الفلسطينيين والأمريكيين ليست مجمّدة فحسب، بل إن مواقف الجهات الفاعلة الأخرى باتت هشة للغاية، وتساءلت الصحيفة: هل كان من الضروري انتظار اللحظة المثالية للشروع في تسوية جديدة للصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟ وأجابت: لا بكل تأكيد. لكن صفقة القرن التي عرضها ترامب أتت في أقل الظروف مثالية وذلك لعدة أسباب؛ أهمها لأن التسوية المقترحة للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني التي تقدم بها ترامب تم التوصل إليها دون أي محادثات مع الفلسطينيين؛ وبالتالي فمن الصعب تصور تنفيذ الخطة بشكل سلس إذا كان نصف المحاورين مفقودين.

لقد قطعت السلطة الفلسطينية الاتصال بالمسئولين الأمريكيين منذ عامين (منذ القرار الأمريكي بنقل سفارتها إلى القدس) بصرف النظر عن الروابط المستمرة بين رئيسي أجهزة المخابرات في البلدين. ورفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن دعوة نظيره الأمريكي لتأييد صفقة القرن بأي شكل من الأشكال. ومن جانبها أصدرت الفصائل الفلسطينية بيانًا أعلنت فيه عن تنظيم يوم للغضب ودعت الفلسطينيين إلى مقاطعة المنتجات الأمريكية.

حكومة إسرائيلية ضعيفة

بعد نسختين من الانتخابات البرلمانية، فشل النواب الإسرائيليون في تشكيل حكومة جديدة وتم اللجوء لانتخابات ثالثة لمحاولة التوصل إلى أغلبية جديدة. وحتى يتحقق ذلك، يظل بنيامين نتنياهو في منصب رئيس الوزراء المؤقت في وضع غير مستقر إلى حد ما للتفاوض على اتفاقية دولية. ولهذا السبب، دعا الرئيس ترامب، على غير العادة، بيني جانتس زعيم حزب بلو بلانك، الذي حصل على الأغلبية في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، للحضور إلى واشنطن.

الإدارة الأمريكية قيد الانتظار

وبعد أن دخلت الولايات المتحدة مرحلة الحملات الانتخابية، وبفرض أن دونالد ترامب قد فرض هذا الاتفاق، ماذا يضمن استمرار دعم الإدارة الأمريكية القادمة له في حال خسر ترامب الانتخابات الرئاسية المقبلة في 3 نوفمبر؟ ولأن الخطة تشمل، كما تشير التكهنات، ما يشبه الضم الجزئي لبعض من الضفة الغربية على الأقل، فإن احتمال دعم رئيس ديمقراطي منتخب في عام 2020 هذه المبادرة سيكون ضئيلًا للغاية.

لماذا تنعدم فرص نجاح صفقة القرن؟

انتقد موقع "فرنس تي في انفو" صفقة القرن ورأى أن فرص نجاحها في حل الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية تكاد تكون منعدمة؛ بل قد تؤدي إلى تفاقمها. وأضاف الموقع أن البيت الأبيض كشف عن "صفقة القرن" التي جرى تأجيلها مرارًا وتكرارًا لأسباب سياسية، حيث استضاف الرئيس الأمريكي صديقه المقرب بنيامين نتنياهو بهذه المناسبة في ظل الغياب الذي يعني الكثير للرئيس أبو مازن، الذي رفض أن يناقش تلك الصفقة؛ لذلك يبدو تصديق الطرفين على الخطة أمرًا معقدًا إن لم يكن مستحيلًا من حيث التطبيق.

نهج متحيز


وتعد هذه الخطة بمثابة حل يسعى إلى إرضاء كلا الطرفين، ولكن "تم إعداده بالتعاون مع السلطات الإسرائيلية فقط"، وفقًا لأنيس ليفالوا، الباحثة في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية ونائب رئيس معهد الشرق الأوسط للبحوث والدراسات، التي ترى أنه "لا يمكننا أن ننتظر الكثير من هذه الخطة لأنها صُنعت بواسطة الأمريكيين وتُلبي جميع المتطلبات الإسرائيلية".

وإذا كان ترامب قد أعلن منذ توليه السلطة أنه يريد "أن يكون الشخص الذي يحقق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين"، فإن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأمريكية لم تدع أي شك حول الطرف المفضّل لديها. ففي ديسمبر من العام 2017، اعترفت الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقلت سفارتها إلى هناك في مايو 2018، واعترفت بعد ذلك بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، ثم توقفت عن اعتبار المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية في نوفمبر 2019.

وكغيرها من القرارات السابقة المتعلقة بالوضع الإسرائيلي الفلسطيني، رأى مستشار ترامب "جاريد كوشنر" أن هذه الخطة يجب ألا تنطلق من مبدأ الدولتين. وهكذا، فإن هذه الخطة "تدفن تمامًا فكرة الدولة الفلسطينية"، وفقا لرأي السيدة ليفالوا، التي تشير إلى أن "الولايات المتحدة لم تعد الوسيط النزيه الذي كانت عليه خلال مباحثات أوسلو"، حيث تم التوصل في عام 1995 إلى اتفاقية أوسلو المؤقتة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل بوساطة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.

عملية تواصل في المقام الأول

لقد تم الإعلان عن صفقة القرن في الوقت الذي تجري فيه إجراءات عزل دونالد ترامب ومحاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي المتهم بالفساد، ومن المفترض أن تسمح هذه الخطة، التي وصفها الجانب الإسرائيلي بالتاريخية، لنتنياهو باستعادة صورته في الداخل قبل الانتخابات التشريعية في مارس 2020، وهي الثالثة التي يخوضها في أقل من عام. وعلى الجانب الأمريكي، تسعى صفقة القرن إلى حجب الأنظار عن توجيه اللوم إلى ترامب الذي يرغب في إنجاح عملية السلام، حيث فشل جميع أسلافه، وذلك عبر التوصل إلى اتفاق نهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وفي النهاية يبقى نجاح هذه الخطة مستبعدًا بسبب غياب الفلسطينيين وخوض المناقشات بين طرفين أضعفتهما المحاكمات القانونية، وهما الأمريكيون والإسرائيليون. ومن جانبه دعا رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية، المجتمع الدولي إلى مقاطعة الصفقة المقترحة وقال: "هذه ليست خطة سلام للشرق الأوسط"، موضحًا أنها تهدف في المقام الأول إلى حماية "ترامب من العزل" و"نتنياهو من السجن".

افتقاد الدعم

وبينما لا يمكن التشكيك في معارضة الجانب الفلسطيني، يُعول ترامب على دعم الدول العربية لتقبل خطته. ومن أجل هذا، أعلنت الولايات المتحدة في يونيو الماضي عن الشق الاقتصادي للخطة، والذي يقترح تقديم 50 مليار دولار للاستثمار على الأراضي الفلسطينية والدول العربية المجاورة على مدى عشر سنوات، ولا تزال مسألة التمويل تتطلب التوضيح.

وفي الواقع، تشمل العناصر الأولى للخطة الأمريكية، وفقًا للفلسطينيين، قيام إسرائيل بضم وادي الأردن الخصيب، بالإضافة إلى الاعتراف الرسمي بالقدس عاصمة وحيدة لإسرائيل. وهنا تتساءل أنيس ليفالوا بدهشة: "هل يمكن أن يقبل الأوروبيون الضرب بالقانون الدولي عرض الحائط بهذه الطريقة؟! وهل يمكن للأمم المتحدة تقبل الجور على عملها بهذا الشكل؟!".

صفقة القرن تتسبب في انقسام المجتمع الدولي

من جانبه، استعرض موقع "إل سي إي" الإخباري بعض ردود الأفعال الدولية على الخطة؛ مشيرًا إلى أنها أثارت ردود فعل عديدة، سواء على المستوى الدولي أو في المنطقة، حيث رفضها الفلسطينيون وحلفاؤهم، وهذا أمر بديهي ورحّب بها الإسرائيليون وعبّروا عن تفاؤلهم بها.

سعادة نتنياهو

من المؤكد أن ضيف الشرف "نتنياهو" راضٍ وسعيد بهذه الخطة ويبتسم بجانب صديقه ترامب الذي وصف يوم الإعلان عن الخطة باليوم التاريخي. وفي البيت الأبيض، أثنى رئيس الوزراء الإسرائيلي على حليفه بسبب خطته ودعمه لإسرائيل قائلاً إنه أعز أصدقاء إسرائيل على الإطلاق، وقال بكل حماس: "سيدي الرئيس.. صفقة القرن الخاصة بكم هي فرصة القرن". وبين صفوف حلفاء الولايات المتحدة، قالت الحكومة البريطانية إنها متفائلة إلى حد ما، ووصفت الخطة بأنها "اقتراح جديّ وتمثل خطوة إيجابية" في المنطقة.

رفض شامل من فلسطين وحلفائها

الرواية مختلفة تمامًا على الجانب الفلسطيني. فبالنسبة لحركة حماس، الحاكمة لقطاع غزة وأول من يردّ من هذا المعسكر، فإن هذا الحل "لن يتحقق".

وقال خليل الحية المسئول البارز في الحركة: "لن نقبل بديلًا عن القدس عاصمة لدولة فلسطين". من جانبه، حذر رئيس الحركة إسماعيل هنية حتى قبل الإعلان الأمريكي من أن هذه الخطة يمكن أن تقود الفلسطينيين إلى "مرحلة جديدة" من النضال.

كما رفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازت أيضًا تلك الصفقة ووصفها بأنها "صفعة القرن"، في رسالة واضحة إلى نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقال أيضا "أنا أريد أن أقول لترامب ونتنياهو إن القدس ليست للبيع"، واصفًا الصفقة بأنها "مؤامرة ستنتهي في مزبلة التاريخ"، مؤكدًا أنه لا يمكن لأي فلسطيني أن يقبل قبول دولة فلسطينية من دون القدس.

أما إيران فقد وصفت الخطة بـ "خيانة القرن"، حيث تعتقد أن "مصير الصفقة المشينة التي فرضتها أمريكا على الفلسطينيين إلى الفشل". كما كان لوزارة الخارجية التركية رؤية مماثلة، حيث تعتبر هذا المشروع "ميتًا" ويهدف إلى "القضاء على  حل الدولتين". أما الأردن، الدولة المجاورة لإسرائيل، فقد اتخذت نفس الموقف الرافض؛ حيث أيد وزير خارجيتها إنشاء "دولة فلسطينية مستقلة" على حدود عام 1967، وحذّر من "العواقب الخطيرة" للقرارات التي تضم الأرض الفلسطينية.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية صفقة القرن ترامب

اضف تعليق