فورين أفيرز| صفقة نووية جديدة لن تؤمّن الشرق الأوسط


١٦ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٥:٤٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

أوقع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" سياسة الشرق الأوسط في مأزق. فقد أوضح منذ توليه منصبه أن هدفه هو تقليل الوجود الأمريكي في المنطقة، لكن سياساته لم تولّد الاستقرار الذي سيجعل مثل هذا الانسحاب ممكنًا. وبدلاً من ذلك، سعت واشنطن بتركيز فريد لاستبدال صفقة إيران النووية لعام 2015 باتفاق من شأنه أن يحد من برنامج صواريخ طهران وأنشطتها الإقليمية. ولم يكن السعي وراء اتفاق مثل سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط يؤدي إلا إلى زعزعة استقرار المنطقة وتعريض المصالح الأمريكية هناك للخطر.

اعتمد ترامب على حملة "الضغط الأقصى" التي تخنق الاقتصاد الإيراني من أجل كسر إرادة قادتها. ولكن بدلًا من الاستسلام، خفضت إيران من التزامها بالاتفاق النووي لعام 2015، وأسقطت طائرة أمريكية من دون طيار، وهاجمت ناقلات نفط في الخليج العربي، وهاجمت المصالح الأمريكية في العراق، وردت الولايات المتحدة بضربة أسفرت عن مقتل اللواء "قاسم سليماني"، قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، في الثالث من يناير. وتلا ذلك أزمة؛ ما أوضح أن ترامب قد أخطأ في تقديره إذا تخيل أن أقصى قدر من الضغط سيكون سهلًا وخاليًا من التكاليف. وفي حين تمتلك إيران القدرة على ردع الهجمات على مصالحها، إذ بسياسة ترامب تخاطر بحرب لا تحتاجها الولايات المتحدة أو تريدها.

ذات يوم، كان احتواء إيران من الأمور المحورية لنهج واشنطن لسياسة الأمن في الشرق الأوسط. ولكن اليوم، لم يعد هذا الهدف حكيمًا ولا مستمرًا. حيث يتعارض مع الأولويات الأمريكية الأخرى، مثل التنافس مع الصين وروسيا، وقد فشل هذا الهدف في تحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة. ولا يمكن لسياسة الاحتواء الاعتماد على الدعم المحلي الثابت، حيث ينتشر الاضطراب في المنطقة في ظل وجود التزامات مفتوحة في الشرق الأوسط؛ ما دفع ترامب إلى الوعد بإنهائها. ولذا يجب على الولايات المتحدة إعادة التفكير في نهجها في الشرق الأوسط. وبدلًا من محاولة احتواء إيران، ينبغي على واشنطن الاستثمار في صياغة نظام إقليمي يقلل التوترات ويشجع الاستقرار.

جوار متشارك

حتى لو نجحت إدارة ترامب في إبرام اتفاق نووي جديد مع إيران، فمن المحتمل أن تكون المنطقة أكثر استقرارًا. وبدلاً من ذلك، سيأتي ترامب ليقول إن الصفقة النووية هي اتفاقية للحد من الأسلحة، وعلى هذا النحو، يمكن أن يعالج أحد الاهتمامات الدولية الرئيسية، لكنه لا يستطيع في النهاية حل القضايا الأمنية الأوسع في الشرق الأوسط أو تغيير حسابات إيران الاستراتيجية.

في الشرق الأوسط الحالي يزداد الصراع على الهيمنة والسيادة، ما يؤجج سباق التسلح الخطير في كل شيء من الأسلحة التقليدية والصواريخ والميليشيات إلى الجيوش الإلكترونية والأسلحة التكنولوجية المتقدمة. إن الصفقة النووية الجديدة وحدها لن تنهي هذه المنافسة، أو تضع المنطقة في مسار مختلف، أو تغير مفهوم إيران لأمنها. لكن من خلال إزالة تهديد واحد عاجل من المشهد وفتح باب للدبلوماسية مع إيران، يمكن للاتفاق أن يسمح للولايات المتحدة بتقليل وجودها في المنطقة، وهذا الاحتمال يجعل وجود نظام إقليمي قابل للتطبيق أمرًا حتميًّا.

لقد بدأت السياسة الأمريكية منذ فترة طويلة من الافتراض بأنه يجب التصدي لدوامة المنطقة الخطيرة ولسلوك إيران المهدد للاستقرار في المنطقة، حيث إن الاخيرة تعد قوة إقليمية ذكية؛ فحين ترى أن النظام الإقليمي الحالي هو ذلك النظام الذي يستبعدها، فهي بالتالي توجه طاقاتها في تحدي هذا الاستبعاد، ولن يتغير سلوكها إلا إذا وجدت مكانةً بارزةً في هذا النظام، تلك المكانة التي تبدأ باعتراف الجهات الخارجية بأن إيران لها مصالح مشروعة في التطورات بين العالم العربي.

وحين أطلع الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" منتقدي الصفقة النووية عام 2015 من العرب، أخبرهم بأنه يتعين على إيران والسعودية "إيجاد طريقة فعالة لمشاركة الجوار وإقامة نوع من السلام البارد". ولكن في ذلك الوقت، رفض الزعماء العرب مشورة أوباما، لكن هذه المشورة تبدو الآن وكأنها كانت نبوءة.

سيكون من العسير بناء نظام إقليمي جديد. إن انعدام الثقة العميق بين إيران وجيرانها العرب يفصلها عنهم، لكن الشرق الأوسط يواجه الآن ضغوطًا من شأنها أن تدفع لاعبيه إلى أخذ هذا الاحتمال على محمل الجد: التزام الولايات المتحدة طويل الأجل تجاه المنطقة هو موضع شك، والتوترات بين إيران والولايات المتحدة وصلت إلى مأزق، فيما تلوح التهديدات في الأفق.

وتعارض السعودية، المنافس الرئيسي لإيران، إدراج إيران في نظام إقليمي، ولطالما أصرت الرياض على أن إيران ليس لها مصلحة مشروعة، وبالتالي ليس لها مصلحة في الشرق الأوسط العربي، ولأن إيران تحمل نفس وجهة نظر تركيا، فطهران ترفض هذا الاستبعاد.

لقد أصبح مجلس التعاون الخليجي، والذي يمثل حصنًا إقليميًّا ضد إيران، منقسمًا الآن بشدة في نظرته حول أمن المنطقة، فتحت الوصاية السعودية، فرضت العديد من دول الشرق الأوسط حصارًا على قطر منذ عام 2017، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى تقارب الدوحة مع طهران. ونتيجة لذلك، ترى الدوحة في إيران ثقلاً موازنًا ضروريًّا أمام السعودية وتركيا، وبالتالي، ستواجه الولايات المتحدة مشكلة في توحيد مجلس التعاون الخليجي ضد إيران، ناهيك عن توسيعه ليصبح "الناتو العربي"، بإضافة مصر والأردن، كما قالت واشنطن إنها تعتزم تأسيسه. وبدلًا من تعزيز كتلة عربية، يجب على الولايات المتحدة تبنِّي تعريفٍ جديدٍ للشرق الأوسط لا يُقصِي إيران وتركيا.

الوسطاء جاهزون

ترى إيران فرصة في الخلاف العربي؛ فبعد أن كشفت عن حدود التزام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط وأظهرت قدرتها على زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتقدم الآن مبادرة دبلوماسية للحد من التوترات من خلال تدابير أمنية جماعية، كما اقترحت طهران أن تتولى الأمم المتحدة القيادة، مستخدمةً قرار مجلس الأمن الذي حدد نهاية الحرب العراقية الإيرانية كإطار، والعمل مع الحكومات الإقليمية للتوصل إلى خطة مقبولة من الطرفين.

ويقوم الرئيس الإيراني "حسن روحاني" بمثل هذه المبادرات منذ عدة أشهر. ففي شهر سبتمبر، أعلن عن خطة سماها "مبادرة هرمز للسلام" كخطوة أولى نحو الأمن الجماعي للخليج العربي، وأرسل خطابات رسمية إلى قادة دول الخليج، داعيًا إياهم إلى دعم المبادرة، كما عرض اتفاقيات عدم الاعتداء على الخليج العربي، وأعطى الحوثيين اليمنيين الضوء الأخضر لإجراء محادثات سلام مع السعودية.

ومن جهته، يرى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" فرصة مماثلة لتشكيل الهيكل الأمني في الشرق الأوسط، حرصًا على توسيع بصمة روسيا في الشرق الأوسط وملء الفراغ الدبلوماسي الذي خلفته الولايات المتحدة، وقد عرض بوتين التوسط في محادثات إقليمية تتوج باتفاق أمني، وتشارك إيران بالفعل في مثل هذه الترتيبات التي تقودها روسيا في القوقاز وآسيا الوسطى. وباعتبارها القوة الخارجية الوحيدة التي لها علاقات قوية مع جميع دول الخليج العربي؛ يمكن لروسيا أن تعمل كحل دبلوماسي لإيران وجيرانها العرب، وبالتالي إضفاء الطابع المؤسسي على دور موسكو في المنطقة، وهو ما أراد بوتين القيام به منذ فترة طويلة.

لقد اتخذت الجهات الفاعلة الإقليمية بالفعل خطوات مؤقتة من تلقاء نفسها نحو بناء الثقة وحل النزاعات؛ فالكويت تتوسط بين قطر والسعودية، فيما تسهل عُمان المحادثات بين السعودية والحوثيين. ورغم أنها خطوات متواضعة، غير أنها لا تزال تمثل تقدمًا مقارنةً قبل عام، عندما لم تكن هناك جهود دبلوماسية إقليمية لحل أي من هذه النزاعات.

وما زال هناك ترتيب أمني إقليمي للشرق الأوسط بعيد المنال. ولكن على المدى القصير، وحتى قبل أن تبدأ المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جدي، فإن المنطقة ستكسب الكثير من تدابير ومحادثات بناء الثقة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، ثنائية أو متعددة الأطراف كأساس للأمن الجماعي، كما أن من غير المرجح أن تتحد دول الشرق الأوسط حول تهديد مشترك، لكن يمكنها الاتفاق على بعض المبادئ. 

سابقة أوروبية

قد تكون واشنطن متشككة لسبب ما فيما يتعلق بآفاق الأمن الجماعي في الشرق الأوسط. لكن لا ينبغي أن تقف عقبة في طريق الطموح، وبدلًا من ذلك التشكيك، وفي ظل تصاعد التوترات وتراجع التزام الولايات المتحدة، ينبغي على واشنطن أن تشجع المنطقة على التصرف مثل نظيراتها في أماكن أخرى من العالم، والعمل على تحسين الأمن الإقليمي بمفردها.

وبدلًا من السعي لإقرار أي نتيجة محددة، ينبغي على الولايات المتحدة أن تدرك فوائد هذه العملية، ومن المؤكد أن الولايات المتحدة سترحب بمعاهدات عدم الاعتداء ووعود عدم التدخل بين إيران وجيرانها، وإذا كانت إيران ستواصل تنفيذ تلك الالتزامات، فلن يختفي العبء الأمني للولايات المتحدة في المنطقة، لكنه سيقل.

إن قدرة إيران وجيرانها على الوصول إلى مثل هذه الاتفاقيات واحترامها أمر لا يمكن فهمه. ففي عام 1995، توصلت إيران والسعودية إلى اتفاق أمني ثنائي يغطي التعاون الاقتصادي والأمن الإقليمي، من بين أمور أخرى. وقد عززت تلك الاتفاقية أمن الخليج العربي لمدة عشر سنوات، وفي عام 2015، وقَّعت إيران على الصفقة النووية مع ست قوى عالمية، فيما حذر الكثيرون في مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن من أن إيران لن تمتثل لشروطها، لكن إيران التزمت بالاتفاقية، وفي عام 2019 فقط، بعد عامين من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، بدأت إيران في التراجع عن الامتثال الكامل.

وإذا حققت دول الخليج العربي تقدمًا نحو أمنها الجماعي، فلا ينبغي للولايات المتحدة أن ترى تلك التحسينات ذريعةً للانسحاب من المنطقة؛ بل على العكس من ذلك، فإن منطقة أكثر استقرارًا ستتطلب مجهودًا أقل من الولايات المتحدة؛ ما يجعل التزامها أكثر استدامة، كما ينبغي على الولايات المتحدة أيضًا أن تواصل دعم أمن حلفائها؛ وبالتالي الحفاظ على توازن القوى في المنطقة وبناء ثقة الجهات الفاعلة في السعي إلى ترتيبات أمنية إقليمية.

وللحصول على مثال ناجح لمثل تلك العملية فقط، لا يحتاج قادة الولايات المتحدة للبحث عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. لقد بدأت تلك المنظمة باتصالات منخفضة المستوى وتدابير لبناء الثقة بين الدول الأوروبية التي اتسعت الفجوة الأيديولوجية بينها، وبمرور الوقت، تطورت هذه الجهود المتواضعة إلى مفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف، ثم اتفاقات عريضة القاعدة بشأن قضايا منفصلة، ثم أخيرًا، مؤسسة أمنية أوروبية متكاملة، ويمكن للشرق الأوسط الاستفادة من تجربة عملية مماثلة.

لقد فهم أوباما أنه إذا رغبت الولايات المتحدة في بذل مجهود أقل في الشرق الأوسط، فعليها تشجيع الجهات الفاعلة الإقليمية على التعاون والاستثمار في الأمن المشترك، وحكمة تلك الرؤية لا يمكن إنكارها الآن؛ لذلك فمن الأفضل لصانعي السياسات إدراك الحاجة إلى مثل هذه الجهود ودعمها، لا سيما إذا كان البديل هو مزيد من الفوضى وحروب لا تنتهي.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات ترجمات رؤية

اضف تعليق