فورين بوليسي| الاتفاق النووي الإيراني أمام مأزق جديد


١٧ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٥:٣٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

بعد مرور عام ونصف على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، المعروف أيضًا باسم "خطة العمل المشتركة الشاملة"، بات الاتفاق اليوم على حافة الانهيار. لأشهر عديدة بعد قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق، حاولت الأطراف الأخرى المتبقية إبقاءه على قيد الحياة، بيد أن هذه الأطراف تواجه صعوبات متزايدة في القيام بذلك.

ثمة إشارة تدلّ على هذا ظهرت في الرابع عشر من يناير، وذلك عقب بيان مشترك أصدرته ثلاث دول أوروبية موقّعة على الاتفاق النووي وهي: فرنسا وبريطانيا وألمانيا. أعلنت تلك الدول مجتمعة أنها فعّلت رسميًّا آلية فضّ النزاعات الواردة في الاتفاق، وهي الآلية التي يجري عبرها حلّ الشكوى المتعقلة بأي انتهاك محتمل لبنود الاتفاق النووي. ووفقًا لنصّ الاتفاق النووي، فإن النزاع يمكن أن ينتهي به المطاف في مجلس الأمن الدولي، الذي قد يقرر فرض عقوبات دولية مجددًا على إيران. وتستغرق تلك العملية بأكملها شهرين.

أثناء فترة الشهرين هذه، يمكن للنزاع أن يحلّ نفسه بطرق مختلفة؛ حيث يمكن أن تعود إيران بصورة حاسمة لالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق النووي، أو يمكن أن تتراجع الدول الأوروبية الثلاث عن إحالة القضية لمجلس الأمن الدولي. في الوقت الراهن، ما من مؤشر على أن إيران أو الدول الأوروبية ستتراجع، فقد ذكرت الأولى مرارًا أنها ستفي بالتزاماتها النووية فقط في حال بدأت ترى الفوائد الاقتصادية التي وعد بها الاتفاق، ودعت أوروبا لتقديم ضمانات بأن تواصل القارة الأوروبية شراء النفط الإيراني، ومنح طهران إمكانية الوصول إلى العوائد. على جانب آخر، تعلم إيران أن أوروبا عاجزة عن تلبية تلك المطالب لأن العديد من الشركات وصنّاع السيارات والمصافي الأوروبية الكبرى التي كانت تشتري النفط الإيراني، لديها علاقات تجارية ومالية كبيرة مع الولايات المتحدة، ولا ترغب في وضع مصالحها التجارية تحت طائلة العقوبات الأمريكية. لا تملك الحكومات الأوروبية القدرة على إجبار هذه الشركات على تغيير رأيها. من جهته، بإمكان الدول الأوروبية الثلاث من جانبها الإشارة إلى أن الاتفاق النووي بات على شفا الانهيار، وأنها إذا لم تستطع إقناع إيران بتغيير موقفها، فإن القضية النووية ستعود لمجلس الأمن الدولي، حيث من المؤكد أن تصبح الأمور أسوأ لإيران.
 
قد يكون هناك أيضًا سيناريو ثالث، حيث تمدّد أوروبا بصورة متكررة مهلة الشهر الواحد لمفوضية الاتفاق النووي المشتركة للنظر في القضية قبل إحالة الملف للأمم المتحدة. يمكن للمفوضية أن تكسب الوقت وتنتظر لترى كيف ستردّ إيران، وأن تحاول إقناع الطرفين بالعودة للمفاوضات، وأن تدرس نتائج عمليات التفتيش المستمرة التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران، وربما تحاول أيضًا تقديم بعض المحفزات الاقتصادية لإيران. لقد ألمح الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي "جوزيب بوريل" بالفعل لهذا الأمر، مُعلنًا أن الإطار الزمني لآلية فض النزاعات يمكن تمديده لأجل غير مسمى، غير أنه لم يحدد وقتًا للتمديد.

في الوقت الراهن، وبالرغم من استئناف إيران تخصيب اليورانيوم في منشأة "فودرو" النووية، وتراجعها عن التزاماتها المتعلقة بتخصيب اليورانيون والبحث والتطوير وكمية المواد المخصّبة التي ستخزنها، غير أن برنامجها لا يزال لديه طريق طويل قبل الوصول للقدرة التي كان يمتلكها قبل عام من توقيع الاتفاق النووي. طالما لم تذهب إيران إلى ما هو أبعد من خروقاتها الأخيرة، فإنه من المنطقي أن تحاول أوروبا تأجيل اتخاذ قرار، لا سيما لو كانت هناك إشارات على إمكانية عودة الولايات المتحدة لطاولة المفاوضات خشية من ردّ فعل إيراني سلبي محتمل.

بلغت حدّة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مستويات غير مسبوقة. في مايو 2019، وفي ذكرى مرور عام على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات، بدأت إيران أولًا اتخاذ خطوات تدريجية تقوّض من التزاماتها وفقًا للاتفاق النووي. وفي خطوتها الخامسة والأخيرة، في الخامس من يناير- بعد أيام من قتل الولايات المتحدة القائد العسكري الإيراني "قاسم سليماني" - أعلنت إيران في بيان أنها لن تلتزم مطلقًا بأي قيود عملياتية على صناعتها النووية، وتعهّدت أيضًا بأنها من الآن فصاعدًا ستطوّر برنامجها النووي استنادًا فقط لحاجاتها التقنية.

ومن المفيد أخذ كلام إيران على محمل الجد. فلننظر كيف طوّرت إيران عقيدتها النووية الراهنة، وذلك في الفترة بين 2004 و2012 قبل التوقيع على الاتفاق النووية الإيراني. استكملت إيران في عام 2011 دورة الوقود النووي، ما يعني قدرتها على التعامل مع جميع مراحل الاستكشاف والاستخراج والتخصيب وتشغيل المفاعلات وفي النهاية تدمير النفايات المشعّة. بعد ذلك بوقت قصير، بدأت إيران تخصيب اليورانيوم بمستوى 20 بالمائة كورقة ضغط في مفاوضاتها المستقبلية. إن إصدار ستة قرارات من مجلس الأمن وفرض عقوبات اقتصادية قاسية، لم يردع إيران عن مساعيها.

بعد تشغيلها منشآتها النووية في "ناطنز" و"آراك" و"فوردو"، وصلت طهران لخلاصة بأنها لا ترغب في تحمّل تكاليف إضافية بسبب برنامجها النووي، وكانت مستعدة حينها لدخول محادثات. في العام 2015، جرى التوقيع على الاتفاق النووي الذي اعترف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وحافظ على صلب برنامجها النووي. وفي مقابل رفع العقوبات، تخلّت إيران عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمائة، وأرسلت جزءًا كبيرًا من مخزوناتها النووية للخارج، وأوقفت تخصيب اليورانيوم في موقع "فوردو"، ووافقت على إعادة تصميم مفاعل "آراك" للماء الثقيل.

لقد باتت إيران مجددًا في وضع مشابه لما كانت عليه في فترة ما قبل الاتفاق النووي. وبعد قرار الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي، وإعادتها فرض عقوبات قاسية، ومقتل سليماني، كان لإيران الأسباب التي تدفعها لإعادة النظر في جوانب الردع لبرنامجها النووي. وفي هذا الإطار، سيكون دافع إيران الرئيسي في أي مفاوضات مستقبلية هو استخدام البرنامج النووي كورقة ضغط.

وبالإضافة إلى الاعتراف المتواصل بحقها في تخصيب اليورانيوم، تأمل إيران أنه عبر زيادة تسريع برنامجها النووي، سيمكنها أيضًا إقناع الدول الأوروبية بتكثيف جهودها لضمان حصول إيران على الفوائد الاقتصادية التي كان من المفترض أن تحصل عليها كجزء من توقيعها على الاتفاق النووي. وتجادل الدول الأوروبية أنها وفت بالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق النووي، وأنها أنشأت حتى آلية "إنستيكس" المالية، التي تمكّن الشركات الأوروبية من الالتفاف على العقوبات الأمريكية والتجارة مع إيران. لكن منذ إنشاء هذه الآلية المالية في مطلع عام 2019، واصلت إيران تأكيدها أنها لم تستفد مطلقًا من الاتفاق النووي بسبب عجزها حتى الآن عن بيع نفطها.

وطالما بقيت أجزاء من الاتفاق النووي سليمة، ولم يتم إحالة النزاع لمجلس الأمن الدولي، فمن غير المرجّح أن تغيّر إيران جذريًّا من عقيدتها النووية. على سبيل المثال، عبر الانسحاب تمامًا من الاتفاق النووي، ووقف عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واستئناف تخصيب اليورانيوم فوق مستوى 20 بالمائة.

لكن في حال أعاد مجلس الأمن الدولي العمل بقراراته ضد إيران، وواصلت الولايات المتحدة الإصرار على إجبار طهران على تقديم المزيد من التنازلات فيما يتعلق بقدراتها الصاروخية وشبكة وكلائها من المليشيات - من بينهم حزب الله في لبنان وحماس في الأراضي الفلسطينية والحشد الشعبي في العراق - فإن هذا قد يتغيّر. وأعلنت إيران مرارًا أن إعادة العمل بقرارات مجلس الأمن الدولي هو تجاوز للخطوط الحمر، لأن هذه القرارات صدرت تحت الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، والذي يمهّد الطريق لإجراءات جديّة ضد إيران مثل الحرب، ما يمثل تهديدًا أمنيًّا وعسكريًّا عليها. وبالإضافة إلى هذا، لن تتفاوض إيران على برنامجها الصاروخي أو نفوذها في الشرق الأوسط، لأنها تَعتبر هذين الأمرين عنصرين مهمين لأمنها القومي وقدرتها على الردع. لم تعقد إيران مطلقًا أي مفاوضات بشأن هذه القضايا، ومن غير المرجّح أن تفعل هذا في المستقبل.

في حال زاد الضغط عليها، ربما توقف إيران عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتمنع المفتيش من الوصول لمنشآتها وأنشطتها النووية. ربما تدرس إيران أيضًا الانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي، ما سيجعل برنامجها النووي أقل شفافية. أوضحت إيران أنه من حقها الانسحاب، مستشهدةً بالمادة رقم 10 في المعاهدة التي تنصّ على ما يلي: "يكون لكل طرف، في ممارسته لسيادته الوطنية، حق الانسحاب من المعاهدة إذا قرر أن ثمة أحداثًا استثنائية ذات علاقة بموضوع هذه المعاهدة، قد أضرّ بمصالح بلده العليا".

في هذه الحالة، سيكون الخط بين الحرب والمفاوضات رفيعًا. ولو فشلت إيران والغرب في التوصل لاتفاق عبر المحادثات، سيزداد خطر وقوع صراع عسكري، وليس هناك من أسباب تدعونا للتفاؤل، عندما جرى التوقيع لأول مرة على الاتفاق النووي، وافق الرئيس باراك أوباما على فصل برنامج إيران النووي عن قدراتها الصاروخية وأنشطتها الإقليمية. وعلى النقيض من هذا، يصرّ ترامب على أن هذا يمثل عيبًا خطيرًا في الاتفاق النووي، مشيرًا إلى عدم نيته هو الآخر التراجع عن سياسته.  
      



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات

اضف تعليق