آسيا تايمز| لماذا تخاف ألمانيا من المدارس التركية؟


١٨ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٥:١٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

في بلد يضم أكثر من 30 ألف مدرسة، لا ينبغي أن يكون افتتاح ثلاث مدارس أخرى مدعاة للقلق، غير أن الإعلان الذي صدر الشهر الماضي عن صياغة الحكومة الألمانية إطارًا قانونيًّا لافتتاح ثلاث مدارس تركية في البلاد أثار عاصفة سياسية، والكثير من البحث عن ثقافية الذات.

وكما هو متوقع، فقد عبّر الساسة اليمينيون المتطرفون عن أسفهم "لأسلمة نظام التعليم الألماني"، لكن التيار السياسي العريض كان أيضًا غاضبًا، وقال "ماركوس بلوم"، عضو تحالف يمين الوسط الحاكم الذي تقوده المستشارة أنجيلا ميركل: "لا نريد مدارس أردوغان في ألمانيا". ومن اليسار السياسي قالت "سيفيم دايدلين"، وهي عضو اشتراكي في البوندستاج، والتي ترأس أيضًا المجموعة الألمانية التركية البرلمانية: إن المدارس ستكون "خطرة على عملية الاندماج والديمقراطية".

كانت معظم المخاوف بشكل عام حول الإسلام، ولكنها بشكل أكثر تحديدًا كانت حول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تلك الشخصية المثيرة للجدل في ألمانيا.

وفي فرنسا، دار نقاش مماثل أيضًا في العام الماضي بعد أن أعرب أردوغان عن رغبته في فتح مدارس تركية في البلاد. ويبدو أن تلك الخطط معلقة، لكنها أثارت نفس المخاوف من أنّ مثل تلك المدارس قد تروّج لنسخة متشددة من الإسلام، وأن أردوغان قد يستخدمها لتوسيع نفوذه.

بيد أن أن هذه المخاوف مبالغ فيها؛ فهناك أسباب وجيهة للقلق بشأن افتتاح المدارس التركية في ألمانيا، ولكنها جميعًا تتعلق بألمانيا نفسها، كذلك فالمخاوف من "التلقين العقائدي الإسلامي" مفرطة؛ حيث إن هناك العديد من المساجد في ألمانيا أكثر من مدارس اللغة التركية، وتدير منظمة المظلة التركية ما لا يقل عن 900 منها، وتبحث الحكومة بالفعل عن طرق لتنظيم الأئمة في هذه المساجد، والتي ستؤثر كثيرًا على توحيد عملية التدريس بدلًا من القلق على ثلاث مدارس.

كما أن مسألة تأثير أردوغان الشخصي ليست خطيرة كما قد تبدو؛ فجميع المدارس الخاصة ملزمة بتقديم مناهجها للحصول على موافقة الدولة، لذلك من غير المرجح أن تصبح المدارس التركية بمثابة أبواق للرئيس التركي.

يجب أن يكون الشاغل الحقيقي هو ما قد تعنيه هذه المدارس بالنسبة لألمانيا نفسها، وعلى وجه التحديد لدمج الأقليات التركية في ألمانيا التي تعاني من مشاكل معقدة معها. وتُظهر الدراسات الاستقصائية بانتظام اتجاهين متناقضين على ما يبدو بين الأقلية التركية، فهناك رغبة زائدة في الاندماج داخل المجتمع الألماني، مع زيادة التدين والشعور بالقرابة مع تركيا.

ومما يزيد من تعقيد هذه العلاقة وجود جوازات السفر؛ فعلى عكس معظم الدول الأوروبية الكبيرة، من الصعب في ألمانيا أن تحمل جنسية مزدوجة مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي، وهي قاعدة تؤثر على المجتمع التركي بشكل كبير. فحتى عام 2014، كان على أبناء الآباء المهاجرين الذين يريدون أن يصبحوا مواطنين ألمان التخلي عن جنسية والديهم؛ ما تسبب في تعقيدات في مجتمع ما زال يحتفظ بعلاقات تجارية واجتماعية وشخصية قوية مع تركيا.

لكن السياسة مهمة أيضًا، وبما أنها أكبر أقلية مسلمة في ألمانيا، أثرت فترة ما بعد 11 سبتمبر2001 بشكل كبير على الأتراك. وفي السنوات الأخيرة، وجد أردوغان أنه من المناسب القول إن الأتراك في الخارج يعانون من التمييز. إنه يضفي الطابع الشخصي على فكرة أن التمييز هو السبب في فشل تركيا في الفوز بعضوية الاتحاد الأوروبي.

ومع تدهور العلاقات بين برلين وأنقرة، لا سيما منذ محاولة الانقلاب في عام 2016، تدهورت العلاقات كذلك بين الألمان والجالية التركية داخل ألمانيا، كما كان الاستفتاء الدستوري التركي عام 2017 صعبًا للغاية، حيث شجع أردوغان التجمعات الداعمة في المدن الألمانية، والتي ألغت سلطات برلين بعضها، ما أدى إلى مزيد من تدهور العلاقات. وعلى هذه الخلفية، يمكن لمدارس اللغة التركية تخزين المشاكل بسهولة للمستقبل.

ومن المفترض أن يكون التعليم الخاص عادة مكلفًا، غير أنه في ألمانيا، تدعم الدولة المدارس الخاصة، وتميل الرسوم إلى أن تكون متواضعة نوعًا ما. وينخرط 9% من التلاميذ في ألمانيا في التعليم الخاص، وعادةً ما يختار الآباء المدارس الخاصة لأسباب تتعلق بالدين أو اللغة، ونظرًا لأن الاندماج الأفضل لا يزال يمثّل مشكلة كبيرة بالنسبة للأتراك في ألمانيا، فليس من المعقول تخيل كيف ستصبح مدارس اللغة التركية شعبية بسرعة.

وما زال التعليم والاندماج من الموضوعات المثيرة؛ فمن الواضح أن هناك طلبًا لتعليم اللغة التركية، وهو مطلب لا يستطيع نظام التعليم الحكومي الألماني تلبيته. ومن ناحية أخرى، ومع قوة تركيا ونفوذها الصاعد، يمكن أن تكون اللغة التركية لغة مفيدة للتعلم من خارج المجتمع التركي الألماني أيضًا.

لكن بالنظر إلى تفاصيل الاندماج في ألمانيا، من الحكمة أن نتحرك بعناية؛ فالمدارس التركية التي تقدّم التعليم باللغة التركية فقط ستعزّز حتمًا العُزلة الثقافية.

ويمكن أن يكون ضرر الجيتوهات اللغوية على نفس قدر ضرر الجيتوهات الجغرافية، وبالتأكيد يجب أن تكون الأولوية السياسية الآن هي إثناء الأقليات المختلفة عن العيش في حياة متوازية مع بعضها البعض، والتي نادرًا ما تتقاطع.

والآن، بما أن الإطار القانوني في إطار الجدل، فقد حان الوقت للنظر في هذه القضايا.

وستكون اللحظة المناسبة لاشتراط قدر معين من تعليم اللغة الألمانية، على سبيل المثال.

إن اللغة تنمّي الأشخاص عاطفيًّا، وأي مقيم في بلد لا يجيد لغة ذلك البلد يكون تلقائيًّا في وضع غير موات. هذا صحيح، سواء وصل آباؤهم من وارسو أو أنقرة، وسواء كانوا سوريين يفرون من الحرب، أو بريطانيين يفرون من البريكسيت.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مدارس تركية ترجمات ترجمات رؤية

اضف تعليق