ذا أتلانتيك| بحكم المصالح.. أمريكا وحيدة في حربها الباردة مع الصين


١٩ فبراير ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

في المنافسة الدائرة بين الولايات المتحدة والصين حول مَن سيتمكّن مِن تحديد شكل العالم في القرن المقبل، يبدو أن الولايات المتحدة تلعب لكي تفوز، غير أنها تواجه مشكلة كبيرة؛ فبالرغم من شبكة تحالفاتها العالمية التي بَنَتها عبر السنين، إلا أنها ما تزال عاجزة عن إقناع هؤلاء الحلفاء للصعود على متن قطار "منافسة القوى العظمى" وترك الصين وراءهم وحيدة.

بات المسئولون الأمريكيون يتعلمون كم هو صعب إقناع الدول الصديقة أن أمريكا حليف موثوق به وقادر على تزويدهم ببدائل حقيقية لما تقدمه لهم الصين؛ أي أن تكون فوائد الاقتراب من واشنطن أهم بكثير من مخاطر الابتعاد عن الصين، هذا يُعزّى جزئيًّا للرسائل المتضاربة القادمة من الرئيس الأمريكي نفسه: هو متردد للغاية بشأن التزامه تجاه الحلفاء، فضلًا عن تعبيره في أحيان كثيرة عن إعجابه بالرئيس الصيني (بالرغم من الحرب التجارية المتواصلة بين الولايات المتحدة والصين).

وقد ظهرت تداعيات جميع هذه الشكوك جليًّا في الأسابيع القليلة الماضية، مع إعلان أقرب حليف للولايات المتحدة في العالم (المملكة المتحدة) وأكثر بلد مؤيد للولايات المتحدة في العالم (الفلبين) عدم تأييدهما للموقف الأمريكي.

ونتيجة لرفضهما الانقياد وراء الولايات المتحدة، يُرسي هذان الحليفان سابقة للمسار الذي يمكن أن تأخذه البُلدان العالقة بين القوى العظمى في المستقبل، كما أشارت الدولتان أيضًا إلى أن العلاقات الدولية اليوم باتت متشابكة للغاية، وأن القوة الصينية جذابة لدرجة تمنعهما من الانضمام لتحالف بقيادة أمريكية يؤدي لولادة عالم منقسم على غرار الحرب الباردة، ولو كانت الولايات المتحدة مصممة على إعادة هيكلة العالم، فربما تجد نفسها معزولة بصورة كبيرة، ولو أرادت واشنطن أن تكون معزولة، فسيتعيّن عليها صياغة بدائل مقنعة يلتزم بها الحلفاء عوضًا عن الصين.

اكتسبت الحركة المناهضة لحرب باردة بين الولايات المتحدة والصين زخمًا في أواخر شهر يناير، عندما أعلن رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" أن المملكة المتحدة ستسمح لشركة الاتصالات الصينية "هواوي" بتقديم معدات لبناء شبكة الجيل الخامس في بريطانيا، ومثّل ذلك الإعلان صفعة لمسؤلي واشنطن الذين أمضوا شهورًا يضغطون على نظرائهم البريطانيين لحظر شركة هواوي التي يزعمون أنها تمثّل خطرًا أمنيًّا بسبب علاقاتها بالحكومة الصينية. وأفادت تقارير بأن إدارة ترامب ذهبت إلى حدّ مشاركة معلومات استخباراتية سرية مع المملكة المتحدة توضح أن هواوي يمكن أن تتجسس وتعطّل شبكات أجنبية، وهو زعم تنكره هواوي.

في نهاية المطاف، اختارت المملكة المتحدة إرضاء الصين والولايات المتحدة معًا؛ إذ صرّحت الحكومة البريطانية أنها لن تسمح بمشاركة تكنولوجيا هواوي في أكثر الأجزاء حساسية في شبكة الجيل الخامس في البلاد، لكنها لن تنضم للولايات المتحدة وأستراليا واليابان في فرض حظر كامل على هذه الشركة.

لكن ما من شك أن اتخاذ المملكة المتحدة لهذا الموقف، بالرغم من "علاقاتها الخاصة" الشهيرة مع الولايات المتحدة، وتقاسمها المعلومات الاستخباراتية ومحادثاتها التجارية مع واشنطن عقب خروجها من الاتحاد الأوروبي، شجّع حلفاء واشنطن الآخرين، وسرعان ما كشف الاتحاد الأوروبي وفرنسا عن خطط مماثلة، ومن المتوقع أن تفعل ألمانيا الشيء ذاته، أما الحلفاء الآخرون المترددون، مثل الهند وكوريا الجنوبية، لا شك أنهم يراقبون تطورات الأحداث.

وبالنسبة لهذه البلدان، هناك فوائد واضحة للتعاون مع هواوي - الشركة المهيمنة في مجال شبكات الجيل الخامس العالمية ذات التكلفة الرخيصة بفضل دعم الحكومة الصينية - بينما تكاليف هذا التعاون أكثر غموضًا أو على الأقل ليست خطيرة. وكما قال بوريس جونسون: لو عارض الناس علامة تجارية أو أخرى، فعليهم أن يخبرونا ما البديل.. أليس كذلك؟!".

وقد أدرك المدّعي العام الأمريكي "وليام بار" هذا الضعف في رسالة أمريكا للحلفاء، مُقترحًا أن تسارع الولايات المتحدة بتقديم "بديل جاهز للأسواق" عوضًا عن هواوي، عبر الاستحواذ على حصة ملكية مسيطرة في شركتي "نوكيا" و"إريكسون" الأوروبيتين المنافستين لهواوي.

لكن "بار" أقرّ أيضًا أن امتعاض إدارة ترامب من هواوي يتجاوز مسألة المخاطر الأمنية، وأن الأمر يصل لمستوى المعركة بشأن ماهية القوة العظمى التي ستهيمن على عصب الاقتصاد الرقمي المستقبلي، مع ما يتيحه هذا من فرص جديدة تُقدّر بتريليونات الدولارات. هذا صحيح، لكنه أيضًا اعتراف ربما يقوّي شكوك الحلفاء من أن موقف الولايات المتحدة يتعلق بالمحافظة على تفوقها التكنولوجي وليس تأمين حلفائها.

ومن هنا برز هذا الاختلاف على ضفتي المحيط الأطلنطي؛ فبينما تزعم إدارة ترامب أن صعود الصين يمثّل تهديدًا وجوديًّا على الهيمنة الأمريكية، يرى زميلي "توم ماكتيغ" في مقالة له أن "لندن خلصت بالفعل إلى أن الصين تُمثّل فرصةً ذهبيةً لا يمكن التخلي عنها".

وباتت العديد من الدول حول العالم اليوم عالقة بين الولايات المتحدة التي تعدّ أهم حلفائها الأمنيين، والصين التي تعدّ أكبر شركائها التجاريين. وفي الأسبوع الماضي، شرعت واحدة من تلك البلدان (الفلبين) التي كانت فيما مضى أراضي تابعة للولايات المتحدة، في الابتعاد عن تحالفها الأمني الممتد منذ عقود مع واشنطن.

أرسل الرئيس الفلبيني "رودريغو دوتيرتي"، الذي داوم على انتقاد الولايات المتحدة منذ مجيئه للسلطة عام 2016، إشعارًا يفيد بأن حكومته ستلغي اتفاقًا ينظم قواعد تواجد القوات الأمريكية المشاركة في مناورات عسكرية وعمليات تدريب مشتركة في الفلبين. وربما يجد الطرفان طريقة لإنقاذ الاتفاق قبل دخول الإلغاء حيز التنفيذ بعد 180 يومًا، وحتى لو فشل الطرفان في ذلك، فإن الجوانب الأخرى للتحالف العسكري بينهما، مثل معاهدة الدفاع المشترك، ربما تصمد وتستمر.

لكن قرار "دوتيرتي" يمثّل أكبر تهديد للتحالف منذ سنوات، ويلحق الضرر بجهود الولايات المتحدة العسكرية لردع العدوان الصيني في المنطقة. يقول "براد غلوسيرمان" الخبير في شؤون آسيا: إن قرار "دوتيرتي" مدفوع جزئيًّا بشكوكه تجاه التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن الفلبين، ومخاوفه بشأن معاداة الصين الصاعدة. في الواقع، أشار قائد الجيش الفلبيني إلى أن بلاده قد تتوصل لاتفاقيات تعاون عسكرية مع الصين بالرغم من نزاعاتهما البحرية، وحتى لو كان الهدف من هذا التصريح هو إغضاب الولايات المتحدة فقط، غير أنه كان له أثر فعّال؛ إذ صرّح وزير الدفاع الأمريكي "مارك إسبر" بأن حكومة الرئيس دوتيرتي تسير "في الاتجاه الخاطئ".

لكن الرئيس ترامب لا يبدو قلقًا من موقف الفلبين؛ فعند سؤاله عن إعلان الرئيس دوتيرتي، أخبر ترامب الصحفيين أنه "راضٍ" عنها، حتى أنه أثنى على الفلبين لتوفيرها "الكثير من الأموال" على خزينة الولايات المتحدة.

هذا هو نوع الشكوى الذي اعتاد حلفاء أمريكا العسكريون القدماء على سماعه من ترامب، لكن هؤلاء الحلفاء باتوا اليوم مقتنعين بأنه بالرغم مما يقوله مسئولو الإدارة، غير أن تفكير ترامب بشأن التنافس مع الصين يقتصر على أمور ضيقة مثل وضع حدّ للخداع الذي تتعرّض له الولايات المتحدة في التجارة مع الصين، وليس التنافس معها على نطاق أوسع من الناحية الجيوستراتيجية.

كما أن إدارة ترامب أيضًا حائرة بين رغبتها في تقليل استثمارات أمريكا في الخارج، ورغبتها في التفوق على الصين التي تزيد من استثماراتها. وبينما تستثمر الصين ما يزيد على ترليون دولار في مشاريع البنى التحتية الخاصة بمشروع "الحزام والطريق" في عموما منطقة أوراسيا، يدعو اقتراح موازنة ترامب للعام 2021 لتخصيص مبلغ متواضع قدره 800 مليون دولار لتوفير بديل "للإقراض الصيني المجحِف". في غضون هذا، يقوم وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" حاليًا بجولة على السنغال وإثيوبيا وأنغولا تهدف، كما وصفها مسئول في وزارة الخارجية للمراسلين، للتأكيد على اهتمام الولايات المتحدة بـ "زيادة التجارة والاستثمارات الأمريكية بصورة كبيرة" في هذه الدول ودول أفريقية أخرى. لكن الدول الثلاث تمتلك علاقات وثيقة بالصين التي تتفوق استثماراتها الاقتصادية والدبلوماسية كثيرًا على استثمارات الولايات المتحدة.

وبشكل أعم، بات الحلفاء أقل ميلاً للانحياز نحو الولايات المتحدة بعد رؤيتهم كيف أن مبادرات السياسة الخارجية الكبرى ربما تتغيّر بتغيّر الإدارات. هذا هو الحال حتى مع اتفاق الحزبين الرئيسين اليوم في واشنطن على الرأي القائل إن التنافس بين الصين الصاعدة والولايات المتحدة المهيمنة هو ما سيحدد معالم القرن الحادي والعشرين. وأثناء زيارة أخيرة له إلى لندن، وصف وزير الخارجية الحزب الشيوعي الصيني بأنه "أكبر تهديد في وقتنا الحالي"؛ فيما أخبرني "مات دوس"، مستشار "بيرني ساندرز" للشئون الخارجية، في نفس الوقت تقريبًا، أنه في حال تولي "ساندرز" رئاسة الولايات المتحدة، فإن إدارته ستعتبر التغيّر المناخي "التهديد الأمني الأكبر" الذي تواجهه الولايات المتحدة، ما يجعل الصين، بوصفها أكبر دولة منتجة لانبعاثات الغازات الدفيئة في العالم، شريكًا مهمًّا للولايات المتحدة. لماذا يتعيّن على أي دولة الانحياز لطرف ما، في حين أن انتخابات أمريكية واحدة يمكن أن تغيّر المشهد؟

في تقرير جديد بشأن سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين، لفت "مركز الأمن الأمريكي الجديد" إلى أنه بالرغم من أن شركاء الولايات المتحدة لا يرغبون عمومًا في أن يكونوا جزءًا من نظام دولي جديد بقيادة الصين المستبدة، غير أنه لا يمكنهم أيضًا تجاهل بكين باعتبارها "فرصة اقتصادية وحقيقة جغرافية هائلة". وينصح مُعدّو التقرير بأن أي استراتيجية أمريكية ستحتاج لإدراك هذا الأمر.

لكن هذه النصيحة رافقها تحذير: "محاولات بناء تحالف صريح مناهض للصين ستفشل". وفي اليوم الذي نُشر فيه التقرير، أعلنت المملكة المتحدة قرارها بخصوص مشاركة هواوي في بناء شبكة الجيل الخامس.  
      


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق