فورين بوليسي| كيف تدفع روسيا اسكتلندا نحو الاستقلال؟


٢٣ فبراير ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

منذ أكثر من عامين، أعلن "أليكس سالموند"، الوزير الأول السابق لاسكتلندا، أنه تعاقد لتقديم برنامج على شبكة (آر تي) الروسية، التي يموّلها الكرملين والتي كانت تُعرف باسم "روسيا اليوم".

كان رد زملائه في الحزب القومي الأسكتلندي المنادي بالاستقلال واضحًا: "فيما يفكر هذا اللعين؟" كما صرح "ألين سميث"، الذي كان آنذاك عضوًا في البرلمان الأوروبي وأصبح الآن متحدثًا باسم الحزب القومي الأسكتلندي للشئون الخارجية، لصحيفة "هيرالد".

كان هدف "سميث" يهدف إلى ثقب أي رواية محتملة للمعارضة بأن الحزب القومي التقدمي وافق بطريقة أو بأخرى على أفعال سالموند، أو– ما هو أسوأ – أفعال حكومة فلاديمير بوتين.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل حدّد أيضًا جبهة صغيرة مثيرة للاهتمام في حروب المعلومات في أوروبا، أي التيار القومي الأسكتلندي مقابل الكرملين وآلته الدعائية، والتي اهتمت بشدة بالآفاق المستقبلية لاستقلال أسكتلندا عن المملكة المتحدة.

قدمت روسيا مبادرات للحزب القومي الاسكتلندي وحركات الاستقلال في أماكن أخرى، بما في ذلك كتالونيا في إسبانيا، حيث تسعى إلى مساواتها مع الدويلات الانفصالية في شرق أوكرانيا. في موسكو، عقدت مجموعة صديقة للكرملين ما أطلق عليه اسم القمم الانفصالية، بما في ذلك دعوة ممثلين عن الدويلات الصغيرة في دونيتسك ولوهانسك (لم يحضر أي أسكتلندي). وسعى سياسيو بوتين إلى مقارنة استفتاء عام 2014 الذي يهدف إلى إضفاء الشرعية على ضم روسيا العسكري لشبه جزيرة القرم مع تصويت أسكتلندا في العام نفسه عندما صوّت 55% من الناخبين الأسكتلنديين لصالح البقاء في المملكة المتحدة.

جاء توقيع شبكة (آر تي) مع سالموند بعد أن فتحت شبكة سبوتنيك التابعة لها مقرها الرئيسي في المملكة المتحدة في إدنبره، وليس في لندن، وكان بعض الموظفين والعديد من المساهمين في كلا الشبكتين مؤيدين صريحين للاستقلال الاسكتلندي، ولكن ليسوا أعضاء في الحزب القومي الاسكتلندي، وعلى العكس تمامًا، وصف أحد محرري سبوتنيك مؤخرًا "نيكولا ستورجيون"، خليفة سالموند في زعامة الحزب القومي الأسكتلندي والوزير الأول بأنه "وغد خائن"، الإهانة تأتي من "روبرت بيرنز"، شاعر اسكتلندا الوطني؛ حيث كان يشير به إلى أولئك الذين جبنوا بشدة في الدفاع عن بلادهم ضد الغزو الإنجليزي في العصور الوسطى.

 والمحللون الأسكتلنديون غير متأكدين من طيبعة هذه المناوشات ولا من أي أهداف روسية طويلة المدى لهذه الزاوية الاستراتيجية في شمال الأطلنطي. إلا أنهم على يقين متزايد بشأن ما يشير إليه حول المكان الذي ستمضي إليه اسكتلندا مستقلة، كما يرى أعضاء الحزب القومي الاسكتلندي، وهذا المكان ليس بالقرب من روسيا بوتين. في النهاية، لدى الحزب القومي الاسكتلندي قصة يرويها عن دولة مستقلة ذات طابع دولي، تلتزم بالدفاع الأطلنطي والمشروع الأوروبي.

ومع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، أصبحت خطوة الحزب القومي الأسكتلندي أسهل، وعلى النقيض مما يصوره القوميون الأسكتلنديون على أنه بريكسيت يتراجع إلى عزلة "إنجلترا الصغيرة". وعلى المستوى المحلي، ساعدت رسالتهم في زيادة التأييد للاستقلال إلى 50%، على الأقل وفقًا لاستطلاعات الرأي الأخيرة.

لكن بالنسبة لبعض معارضي الاستقلال، فإن اهتمام وسائل الإعلام التابعة للكرملين باسكتلندا يستحضر وجهة نظر أخرى حول الحزب القومي الأسكتلندي، وهي أنه مزَّق حليفًا غربيًّا أساسيًّا، وهو المملكة المتحدة؛ كما أنه يضعف التحالف الغربي؛ وأن الحزب يريد نفس الشيء الذي يريده بوتين.

يتفق معظمهم على أن برنامج أليكس سالموند ما هو إلا جرعة أسبوعية من الدعاية السيئة لـلحزب القومي الأسكتلندي. ولا تزال (آر تي) تدير البرنامج، حتى في الوقت الذي يستعد فيه مضيفه إلى مواجهة سلسلة من الاتهامات بالاعتداء الجنسي والتي ينكرها أمام المحكمة.

ومع ذلك، فإنه من يدفع الحزب أيضًا إلى أن يصطف ضد الكرملين، وضد ما يعتبره دعاية مغرضة، مع توضيح أن مشكلته مع الحكومة الروسية، وليس مع شعبها. وتساءل "ستيوارت ماكدونالد"، عضو الحزب القومي الأسكتلندي في برلمان المملكة المتحدة: "هل سأذهب بعيدًا لأقول إن برنامج أليكس سالموند كان نعمة مقنعة؟". الإجابة بالطبع هي: "لا".

لكن ماكدونالد أقر بأن محاولات وسائل الإعلام الحكومية الروسية لجذب أنصار الاستقلال الأسكتلنديين ركزت على العقول، وقال: "في البداية كنت متوترًا وقلقًا من أن برنامج (آر تي) سيضرنا... لكنني أعتقد الآن أن تأثيره يمكن أن يكون مبالغًا فيه".

وقد أثار انقلاب برنامج سالموند في شبكة (آر تي) الحزب القومي الأسكتلندي للقيام بعملية للحد من الأضرار. فعلى سبيل المثال، التقطت العديد من الصور لماكدونالد بصحبة السفير الأوكراني لدى لندن بمجرد الإعلان عن برنامج سالموند، وتم تعبئة دبلوماسيي اسكتلندا ووزراء في إدنبره وسياسيي الحزب القومي الأسكتلندي في لندن وبروكسل بسرعة للكشف عن رسالتهم حول الشئون الخارجية والدفاعية.

وقال ماكدونالد: "يتماشى الكثير منها مع ما تفكر به كل دولة أوروبية في حلف الناتو". مضيفًا: "ليس على كل شيء، ولكن بالتأكيد عندما يتعلق الأمر بروسيا، التي نعرف أنها لن تكون صديقة لحركة الاستقلال الاسكتلندية. نريد أن تكون اسكتلندا مستقلة في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وجميع الهيئات الأخرى التي تتوقع وجود دولة مثل اسكتلندا فيها".

وتلك هي الهيئات التي لا تحبها روسيا. سنكون دولة أخرى، وإن كانت صغيرة ومستقلة تناصر حقوق الإنسان والقواعد والقوانين، وتتماشى مع الدول الصغيرة الأخرى التي تتفق معنا، والتي وقع بعضها ضحية لروسيا". وماذا عن شبكة (آر تي)؟ لقد حاولنا أيضًا جعلها ضارة قدر الإمكان"، وأضاف: "لا أحد في الحزب القومي الأسكتلندي يقترب منها سوى عدد قليل".

 وهناك سببان ليكون الحزب القومي الأسكتلندي معاديًا للبوتينية؛ الأول تضامن غريزي مع الدول الصغيرة أو الجنسيات التي تتعرض للتخويف من الدول الأكبر. والثاني، وهو أكثر عملية، يتصاعد دعم الاستقلال، فيما ترحب الأصوات الأوروبية، التي كانت معادية لمشروع الحزب القومي الاسكتلندي، بمطالب الحزب.

وخلال هذا الشهر، صرّح رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي السابق "دونالد تاسك" لهيئة الإذاعة البريطانية أنه يشعر بشدة "بالأسكتلنديين"؛ ما يشير إلى عودة خالية من المتاعب إلى الكتلة إذا ما أصبحت اسكتلندا مستقلة. ويتناقض هذا مع التصريحات التي أدلى بها رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، خوسيه مانويل باروسو، قبل استفتاء عام 2014، حين قال إن عودة اسكتلندا إلى الاتحاد الأوروبي ستكون "صعبة للغاية، إن لم تكن مستحيلة".

ويحتاج الحزب القومي الأسكتلندي إلى تعزيز هذا المزاج الجديد في القارة، والذي ستكون الأريحية مع بوتين وسيلة مؤكدة لإفساده. ومع ذلك، فإن موقف الحزب المناهض لبوتين أثار أيضًا رد الفعل. فبعد أن انتقد ماكدونالد الإجراءات الروسية في شرق أوكرانيا، سخرت سبوتنيك منه، حيث اقتبست من رئيس تحرير (آر تي) الذي تتخذ من موسكو مقرًّا لها، والتي أشارت إلى أن مكدونالد كان "ملبوسًا" بشبح "وحش لوخ نس". وفي المقابل اتهم الحزب القومي الأسكتلندي الكرملين وهاكرز الإنترنت التابع له بمهاجمته بعد دعمه لنظرائه في المملكة المتحدة في قضية محاولة اغتيال العميل المزدوج "سيرجي سكريبال" عام 2018.

ويبقى السؤال: هل هناك حملة كبرى يشنها الكرملين ضد اسكتلندا أو الحزب القومي الأسكتلندي، مع دعم وسائل التواصل الاجتماعي لنقاط الحوار في وسائل الإعلام؟ قالت "جوانا زوستيك"، التي تدرس التواصل السياسي في جامعة جلاسكو، إنها ليست متأكدة من ذلك. وأضافت: "إن وسائل إعلامهم في المملكة المتحدة ذات نكهة اسكتلندية.. لكنني لم أر أدلة مقنعة على وجود نشاط وسائل إعلام اجتماعية برعاية الدولة تنشط في اسكتلندا على نطاق واسع".

وفي رأي "جوانا زوستيك"، تميل رسائل الكرملين إلى اسكتلندا أو تلك التي تدور حولها – وفي مناطق أخرى – إلى تصاعد "الماذاعنِّية" (التشكيك في موقف الخصم)، إلى الانتقام المتبادل بسبب انتقاد بوتين. وتابعت: "سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن روسيا ذكية من الناحية الاستراتيجية فيما تفعله في وسائل الإعلام الدولية". مشيرة إلى أنها "ليست كلها مرتبطة، ولا تحقق دائمًا أهدافها".

صحيح أن روسيا يمكن أن تكون معادية بشدة لما يسمى بالانفصاليين في الخارج وسط مخاوف من تأثير الدومينو لحركات الاستقلال في جميع أنحاء القارة الأوروبية، لكن احتمال انفصال اسكتلندا عن بريطانيا يوفر الكثير من فرص تكتيك "ماذا عن؟"، وعادة ما يكون عن أوكرانيا. وتبعت الاحتجاجات الأوكرانية والغربية على استفتاء القرم قصصًا إخبارية – في وكالة جرى تطويرها لاحقًا لتصبح سبوتنيك – تشير إلى حدوث مخالفات في الاستفتاء الأسكتلندي، وهذه المزاعم ظهرت أولًا على وسائل التواصل الاجتماعي.

هناك من يتساءل عما إذا كان تدخل بوتين في النهاية سيكون أمرًا صحيًّا في اسكتلندا، ويعتقد "ديفيد كلارك"، محلل الشئون الدولية الذي كان مستشارًا لوزير الخارجية السابق في المملكة المتحدة "روبن كوك"، أن بوتين قد حفز التفكير في الحزب القومي الأسكتلندي – والذي تحول إلى دعم رسمي لعضوية حلف شمال الأطلنطي (الناتو) عام 2012 – بشأن نوع الدولة المستقلة التي يجب أن تكون عليها اسكتلندا.

وقال كلارك: "لقد أعاد بوتين، عن طريق البلطجة على البلدان من حوله، إلى القوميين الاسكتلنديين بالضبط ما ستكون عليه مصالح دولة صغيرة مستقلة: الدفاع الجماعي، والقانون الدولي، والوصول إلى الأسواق بشروط تستند إلى القواعد".

وتابع كلارك أنه حتى في عام 2014، ربما كان بوتين قد رأى الاستقلال الاسكتلندي كفرصة للتخلص من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ولكن البريكسيت يغير هذا الحساب، مشيرًا إلى أن الاستقلال الأسكتلندي لم يعد يضعف الغرب؛ بل بات يقويه.

 وقال كلارك: "ليس من الواضح الآن أن الاستقلال الأسكتلندي سيكون مفيدًا لهم على الإطلاق، فالحزب القومي الأسكتلندي يَعتبر بوتين والإمبريالية الروسية تهديدًا له".

وأضاف: "ستنفصل اسكتلندا عن المملكة المتحدة للمساهمة في التكامل الأوروبي وتصبح دولة عضو في الناتو. من الواضح جدًا بالنسبة لي– بالنظر إلى التصريحات التي أدلوا بها– أن الروس يعتبرون قيادة الحزب القومي الاسكتلندي الحالية تهديدًا لهم".

فهل يقوم الكرملين بتضخيم النقاد الداخليين لـلحزب القومي الأسكتلندي لدرء هذا التهديد؟ أجاب ماكدونالد: "لا أعرف، أعتقد أن مستوى التطور في روسيا يمكن أن يكون مبالغًا فيه". وأردف ماكدونالد: "لدينا ما هو ضروري لساحة قتال مضللة، وهي أي قضية ساخنة يمكن أن تستقطب الآراء.. حسنًا، دعنا نكون صادقين، لدينا تلك القضايا". ولكن "السؤال الأكثر إثارة للاهتمام يدور حول أطراف المعركة، وهل ستكون روسيا طرفًا فاعلًا في ذلك؟ وأجاب: نعم.. وكذلك: هل تعتقد أنها على الهوامش؟ وقال: نوعًا ما: نعم".


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق