ذا إندبندنت| هناك فرصة ضئيلة للتغيير في لبنان


٢٥ فبراير ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

إن الرياح الباردة التي تهب من البحر المتوسط عبر وسط بيروت والكورنيش إلى الغرب، ربما تعطي انطباعًا بأنَّ لبنان هذا الأسبوع يعود إلى ماضيه المفضل: نسيان التاريخ والصلاة من أجل العودة إلى الأيام الخوالي.

ثورة؟ الآن بما أن أعضاء البرلمان الطائفيين القدامى اجتمعوا لدعم حكومة حسان دياب غير الملهمة، من الصعب رؤية كيف يمكن أن يتغير النظام البائس الذي يقف وراء قبضة الدولة الهشة على الواقع.

إنه حقيقي أن رسوم الجرافيتي لا تزال موجودة، والنوافذ المحطمة لمكاتب وسط المدينة والمصاريع الحديدية للبنوك في مركز المدينة وفي الحمرا. لكن هناك عاصفة أكبر قادمة، المزيد من التضخم والضرائب والفقر قادمون في هذه الزوبعة. إن الحكومة التي تحاول تهدئة الغضب عن طريق الوعد بالمزيد من المعاناة الاقتصادية هو سيناريو يستطيع لبنان وحده استحداثه.

من المحتمل أن تضرب أولًا الضرائب الجديدة على الوقود والكهرباء بالإضافة إلى ارتفاع في ضريبة القيمة المضافة إلى 15%، وهي نسبة لا تزال أقل من دول الاتحاد الأوروبي، لكنها مرجحة للارتفاع إلى 20%. لكن الثورة قد تعود في أوساط موظفي الحكومة الذين يتلقون رواتبهم بالليرة اللبنانية، والذين هبط دخلهم بنسبة تصل إلى 40%، مقارنة بارتفاع 50% في الأسعار. إن ما يفشل الكثير من غير اللبنانيين في تقديره هو أن الجيش اللبناني والأفراد الملتحقين به – كل الـ72 ألف – ضمن هؤلاء الموظفين الحكوميين. وسوف يعاني رجال الشرطة بنفس القدر مثل المجتمع المدني الذين يتعين عليهم مواجهة غضبه لكي يحموا الحكومة.

من الصعب معرفة ما إذا كان علينا أن نضحك أم نتجاهل جهود وزارة حسان دياب للنجاة من الانهيار الاقتصادي للدولة، نحن جميعًا نعلم أن تصريح حزب الله ممنوح بشدة للحكومة، تلك الرموز الشجاعة للمقاومة الوطنية الذين قرروا منذ فترة طويلة أن قوتهم السياسية أهم بكثير من جحافل شهداء الميليشيا الذين ماتوا من أجل الحفاظ على استقلال المواطنين اللبنانيين، الذين احتجّ الكثيرون منهم في وسط بيروت.

مع هذا، يُقال إن حوالي 14 من الـ 20 وزيرًا المعينين حديثًا يحملون جوازات سفر أمريكية. وإذا كان هذا صحيحًا، لا تخبروا دونالد ترامب، على الرغم من أن مشفى المجانين في البيت الأبيض لن يفهم المفارقة على الأرجح. لكن الدبلوماسيين الأمريكيين في بيروت ينشرون بين مسئولي البنوك اللبنانيين أن قدرًا كبيرًا من الدولارات الأمريكية تصل من لبنان إلى النظام في سوريا.

إذا كان المليونيرات اللبنانيون لا يستطيعون إخراج دولاراتهم من البلاد، كيف يمكنهم نقلها إلى دمشق؟ أو هل الصداقة التعاقدية بين أثرياء بيروت وأثرياء سوريا قادرة على الالتفاف على القواعد؟ تحذير للقراء: لا يوجد ما يُسمى قواعد في لبنان.

خذ مثلًا سعر صرف الليرة اللبنانية/الدولار الأمريكي. مثلما نعلم جميعًا ونحب أن نُذكر أنفسنا بعد الحرب الأهلية 1975-1990، كان 1500 ليرة مقابل الدولار. وحتى "الثورة" في أكتوبر الماضي عندما ارتفع سعر السوق السوداء إلى 2600، وافق الصيارفة حينها بطريقة وطنية على إبقاء الدولار عند 2000 في الأسبوع الثالث من يناير، لكنه اليوم 2600 ومن المتوقع أن يصل إلى 3000 الأسبوع المقبل. وبالنسبة إلى أولئك الذين يمتلكون حسابات بالدولار، كانت هذه أخبار عظيمة، على الرغم من أنهم لم يستطيعوا إخراج نقودهم من البلاد (واستطاعوا فقط سحبها من الحسابات في دفعات من 200 دولار في الأسبوع). كانت هذه مأساة لمن يمتلكون حسابات بالليرة اللبنانية والذين شاهدوا مدخراتهم (أو دخولهم) تنهار بنحو 50%، وهذا لا يشمل فقط كل الجنود ورجال الشرطة؛ بل الكثير من ضباط الجيش المتقاعدين.

مع هذا تحدث مفارقة غريبة؛ حيث يتحدث مصرفيون وصحفيون ماليون عن كيف أن الأزمة الاقتصادية اللبنانية كانت بسبب المحتجين في وسط بيروت – في حين أنه في الواقع خلق الفساد الأزمة الاقتصادية التي احتج عليها المتظاهرون في البداية. بعبارة أخرى، إنه الجيل المتعلم الصغير والفقير الذي يطالب بلبنان عصري وغير طائفي هو من يستحق اللوم: وليس الجماعات الطائفية التي "تسيطر" على الاقتصاد.

وقد بقي محافظ البنك المركزي، رياض سلامة، في منصبه بحُجج على غرار حُجج أبو مازن: إذا رحلت، سيرحل لبنان أيضًا. يستخدم الرئيس الفلسطيني نفس النوع من الحُجج: إذا رحلت، ترحل "فلسطين". استخدم حسني مبارك نفس العبارة في مصر، وانظروا ماذا حدث له.

في الوقت نفسه، يستمر الحلم القديم للمحتجين: الدستور الجديد فقط هو ما يستطيع نزع الطائفية من لبنان وخلق دولة حديثة. المشكلة هي أنه لإنهاء السياسة الطائفية، تحتاج لرجال سياسة يساعدوك. وجميع رجال السياسة طائفيين. أصدر وليد جنبلاط، القيادي الدرزي، تصريحًا خياليًا هذا الأسبوع: تخلصوا من الرئيس ميشيل عون. ومن شبه المؤكد أن هذا سيدمر المسيرة المهنية (مؤقتًا بالطبع) لجبران باسيل، وزير الخارجية السابق الذي يصادف أنه صهر الرئيس عون. كلاهما مسيحيان موارنة. طبعًا، كان يجب أن يكونوا موارنة ليتولوا مناصبهم.

ولم يشفع لموقف عون عندما احتفل بعيد ميلاده الخامس والثمانين منذ يومين بحفلة ممتلئة بالرقص والحلويات وأغنية من أتباعه غيّرت كلمات النشيد الوطني إلى أنشودة لمدح الرجل العجوز.

إذًا؛ ربما يكون لجنبلاط وجهة نظر: لا تطالبوا بثورة، فقط أزيلوا حواف الطائفية حتى يتبقى القلب فقط. غيروا الدستور على مراحل – وهو ليس ما يطالب به جنبلاط فعليًّا – وسينتهي الأمر كله بسلسلة من رقصات الدبكة اللبنانية، ناقشوا حجم الطائفية داخل المؤسسات؛ حينها ستنمو جذور شجرة الأرز اللبنانية أقوى، إلى جانب الاقتصاد.

غير أن كل هذا سيحتاج لدعم خارجي. يمكنك أن تنسى العرب؛ لأن معظمهم يحتفظون بحكومات طائفية ذات حجم هائل يجعل الكتلة الطائفية في لبنان تبدو مثل ضبع مخطط صغير. لكن بجدية أكبر، انظر لرد الفعل الدولي على أزمة لبنان.. لقد كان الرد الفرنسي نمطيًّا.

فرنسا، بحسب وزارة الخارجية، "تنتظر إصلاحات عميقة وطموحة من جانب السلطات اللبنانية، لا سيما الشفافية الاقتصادية، والاستدامة الاقتصادية والمال، ومكافحة الفساد واستقلال النظام القضائي ... لصالح جميع اللبنانيين". لكن انتظر، هل لاحظت ما ينقص هذا الهراء؟ لم تكن هناك مطالبة بتطوير لبنان إلى دولة حديثة غير طائفية. ولا يستطيع أحد أن يتوقع وجود مثل هذه الملاحظة؛ حيث إن النظام الطائفي اللبناني بأكمله وُضِع بعد الحرب العالمية الأولى على يد ... الفرنسيين!

وهكذا.. الثورة اللبنانية مُغيّر حقيقي للأحداث، هزلية ومأساوية في وقت واحد، وهادئة بالمقارنة مع حمامات الدم المعتادة في العراق، ومليئة بالأمل ومنذرة بالسوء وسط الرسومات على جدران وسط مدينة بيروت. وربما يتخللها هجاء لاذع.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق