ناشيونال إنترست| هل يمكن تطبيق سياسة احتواء الحرب الباردة على الشرق الأوسط


٢٥ فبراير ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

شهد مفهوم الاحتواء في الحرب الباردة رواجًا بين بعض المعلقين الذين يرغبون في تطبيقه على الشرق الأوسط. تشمل المعالم الجوهرية للمفهوم رؤية "جورج كينان" المحترمة، والارتباط بما يعدّ "فوزًا" في الحرب الباردة، ووعدًا بالنجاح طويل المدى حتى في غياب أي نتائج إيجابية واضحة على الفور. أما "ستيفن كوك"، زميل مجلس العلاقات الخارجية، وصف الاحتواء بأنه "الخيار الأكثر واقعية" للتعامل مع إيران. فيما يركز النائب "مارك جرين" أيضًا على إيران ولكنه يريد أن يجعل الاحتواء أساس السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بأسره.

إن نسخة جرين من الاحتواء ثقيلة في إطار المواجهة والتراكم العسكري وفرض الحد الأقصى من التكاليف على الخصم. ويقول جرين في رؤيته لتطبيق هذه الفكرة على الشرق الأوسط: "من المثير للاهتمام بما فيه الكفاية، يبدو أنها عقيدة ترامب الحالية" المتمثلة في الضغط الأقصى على إيران. بينما يتجاهل جرين فشل هذه العقيدة من جميع الأوجه بجعل المشكلة الإيرانية أسوأ من ذي قبل فيما يتعلق بالنشاط النووي الإيراني، والأعمال المدمرة داخل المنطقة، وهيمنة المتشددين في طهران.

ولا شك أن تفسير جرين للحرب الباردة يرفض الانفراج الأمريكي السوفيتي– ذلك الإنجاز الكبير الذي حققه ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر في السبعينيات– معللًا ذلك بأنه أمر لا يستحق الاهتمام، كما أنه لا يذكر شيئًا عن فوائد الحد من الأسلحة في تجنب مخاطر الحرب النووية، ولا يذكر شيئًا عن كيفية استخدام نيكسون وكيسنجر الدبلوماسية بمهارة في سياق الاحتواء من أجل تعزيز المصالح الأمريكية بوسائل أخرى. في الواقع، يبدو أن جرين ينظر إلى هذه الدبلوماسية على أنها بديل للاحتواء وليست أداةً للاحتواء، وبالتأكيد فهذه ليست الطريقة التي ينظر بها "كينان" إلى الاحتواء.

كما أن جرين يرفض الانفراج لأنه "لم يفعل الكثير للحد من العدوان السوفيتي وانتهى في النهاية بردّ رونالد ريجان على الغزو السوفيتي لأفغانستان". وإذا كانت الأحداث في أفغانستان في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين هي مثاله الوحيد، فيجب الإشارة إلى أن التدخل العسكري السوفيتي في ديسمبر 1979 لم يذكر شيئًا أو لا يذكر شيئًا عن أي نمط أوسع من العدوان السوفيتي، وبدلًا من ذلك كانت محاولة مترددة لدعم النظام الشيوعي الحالي في أفغانستان، والذي كان يتآكل بقيادة "حفيظ الله أمين" غير الفعّالة وسط تمرد متزايد.

يَذكر جرين صراحة رونالد ريجان كنموذج له ويصف عقيدتها بأنها "استراتيجية الاحتواء والمواجهة و"الرد" التي خلقت صراعًا اقتصاديًا لم يتمكن النظام الشيوعي من منافسته". مرة أخرى، هناك ارتباك مفاهيمي لدى الرجل. فالرد، الذي قدمه "جون فوستر دالاس" خلال مرحلة سابقة من الحرب الباردة، كان بديلًا عن الاحتواء، وليس سمة من سماته. لقد فشل جرين في وصف رغبة ريجان في الانخراط والتفاوض مع النظام السوفيتي، ذلك النظام القائم آنذاك، وليس استبداله بعد تغيير النظام. تركز هذا الالتزام على الحد من التسلح، وفي هذا المجال وفي نواحٍ أخرى، كان يختلف قليلًا عن عملية الانفراج في السبعينيات. كان ريجان أحد ثلاثة رؤساء أمريكيين جعلوا إزالة الأسلحة النووية هدفًا واضحًا، والآخران هما "جون كينيدي" و"باراك أوباما".

كان من الأمور الأساسية لمفهوم الاحتواء لدى كينان أن النظام السوفييتي سينتهي في النهاية بسبب تناقضاته الداخلية، وليس بسبب أي جهود أمريكية في الرد. وعلى الرغم مما نعرفه الآن هو المصير السياسي لمحاور ريجان الزعيم السوفيتي "ميخائيل جورباتشوف"، شرع الأخير في التعامل مع الولايات المتحدة بالإضافة إلى إصلاحاته الداخلية بهدف الحفاظ على النظام السوفيتي وليس الإطاحة به.

ترتبط ذكرى جرين المشوهة بالحرب الباردة ارتباطًا مباشرًا من عدة جوانب بسوء تطبيقه لفكرة الاحتواء في الشرق الأوسط، ويتعلق أحد الجوانب بمفهوم العدو باعتباره مصدرًا للعدوان والاضطراب بدافع ذاتي، وليس ككيان تتألف سياساته في جزء كبير من ردود الفعل على الأحداث (مثل التمرد في أفغانستان) وما تفعله الدول الأخرى به. تقدم هذه الفكرة صورة خاطئة عن السلوك السوفيتي، وهي بالتأكيد وصف خاطئ لإيران الحالية. يسقط كوك في هذا الخطأ أيضًا من خلال وصفه الاحتواء بأنه رد على نهج إيران "غير التقليدي" تجاه منطقتها، والذي– كما يشير "دانيال لاريسون" – يعدّ علامة غير مناسبة لما تفعله إيران في الشرق الأوسط. إن سياسات طهران الإقليمية هي في جزء كبير منها رد فعل، وأبرزها كيف كانت عملياتها العسكرية البارزة خلال الأشهر القليلة الماضية ردودًا مباشرة على استخدام إدارة ترامب للوسائل الاقتصادية والحركية لإلحاق الأذى بإيران.

إن غياب الدور العملي والبنَّاء للدبلوماسية في رؤية جرين الخاطئة للاحتواء خلال الحرب الباردة ينعكس في غياب مماثل لها في سياسات إدارة ترامب غير الفعالة تجاه إيران. ربما يرغب "دونالد ترامب" في إبرام صفقة مع طهران، لكن سياسة إدارته تجاه إيران محددة أكثر من خلال القائمة المتطرفة لوزير الخارجية "مايك بومبيو" والتي تصل إلى حد أن تخضع إيران وتذعن وترضخ دون شروط. فمن غير المرجح أن يتم الإعلان عن تلبية هذه المطالب بأقل من تغيير النظام في طهران.

كان هناك أيضًا متشددون في إدارة ريجان، مثل "ويليام كيسي" و"كاسبر واينبرجر"، الذين بدوا وكأنهم يريدون إشعال الحرب الباردة إلى الأبد، بيد أن مقاربة ريجان المختلفة هي التي سادت، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى وزير خارجيته، "جورج شولتز"، الذي أدرك إلامَ يهدف ريجان من وراء التعامل مع السوفيت والحد من الأسلحة. ولكن "مايك بومبيو" لن يكون مثل "جورج شولتز".

يتخذ جرين من العلوم السياسية مراجعًا للقطبية الثنائية والمتعددة، كما أنه يستند إلى ما قاله بعض علماء السياسة الحقيقيين حول مثل تلك الأشياء. حيث يتفق معظم المراقبين على أن حقبة الحرب الباردة كانت حقبة ثنائية القطبية، ولكن حتى هنا، فإن النظرة غير المتمايزة لمعسكرين متجانسين تفشل في التقاط ما نجح وما فشل في سياسات الحرب الباردة. إن دبلوماسية القوة العظمى الناجحة التي حققها نيكسون، والتي تضم الانفتاح على الصين، استغلت حقيقة أن المعسكر الشيوعي لم يكن متآلفًا. إن مأساة حرب فيتنام، التي يمر عليها جرين مرور الكرام، تعكس الفشل في إدراك هذه الحقيقة.

وعلى الرغم من أن هيكل القوة العالمية في عصر الحرب الباردة كان في الغالب ثنائي القطبية، فإن الشرق الأوسط حاليًا ليس كذلك. وعلى عكس تأكيد جرين، لا يتم تنظيم السلطة والمصالح في تلك المنطقة بدقة في هلال شيعي تقوده إيران مقابل تحالف إسرائيل مع بعض الدول العربية السنية. إن رسم مثل هذه الصورة يعد عادةً جزءًا من العادة الأمريكية لتقسيم العالم إلى أخيار وأشرار، وأيضًا رغبة من يريدون أن يحمّلوا إيران مسئولية جميع عِلَل المنطقة.

غير أن الواقع الإقليمي أكثر تعقيدًا بكثير؛ فالنزاعات الشاملة التي لا تتوافق مع الصورة ذات القطبين المفرطة في الأهمية تعد كبيرة بما يكفي لتحفيز الأنظمة وتثير غضب الجماهير. وتتجلى تلك النزاعات في نبذ الخليج العربي لدولة قطر، والتدخلات الخارجية في الحرب الحالية في ليبيا، واستمرار صدى النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، كما يتضح من الرفض الجماعي الأخير لأعضاء جامعة الدول العربية لـ "خطة السلام" التي طرحتها إدارة ترامب حول هذا الموضوع.

إن انعكاس مفهوم جرين عن القطبية الشرق أوسطية ينعكس في إشارته إلى الجنرال الإيراني الذي تم اغتياله "قاسم سليماني" باعتباره "العقل المدبر للقوات التي خلقت تلك القطبية"، كما أن أي هيكل قوة دولي مفترض يدين بوجوده إلى العقل المدبر الوحيد ليس بنية قوة دولية على الإطلاق. حتى "جوزيف ستالين"، دكتاتور الاتحاد السوفيتي لعقود من الزمن، لم "يخلق" قطبية حقبة الحرب الباردة.

لن يكون انحياز الولايات المتحدة إلى التقسيم الذي يفترضه جرين في مسألة القطبين من الحكمة في شيء، ليس فقط لأن هذا التقسيم لا يعكس الواقع الإقليمي، ولكن أيضًا لأن التقسيم نفسه لا يفصل ما هو جيد عمَّا هو سيئ عن وجهة نظر المصالح الأمريكية. وهذا صحيح كما جرى قياسه من خلال الانخراط في سلوك مزعزع للاستقرار، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، خارج حدودها. هذا صحيح أيضًا بحسب قياس اعتبارات داخلية مثل الديمقراطية، ومعاملة الجماعات العرقية التابعة، والجوانب الأخرى لحقوق الإنسان والسياسية. والولايات المتحدة لن تتقدم أبدًا بمصالحها من خلال الانحياز إلى الانقسامات الدينية، مثل التصرف كما لو كانت تحب السنّة أكثر من الشيعة.

هناك مشكلة أخيرة وصارخة في محاولة تطبيق تجربة الحرب الباردة - من حيث صلتها بالاحتواء أو أي شيء آخر - على قضايا السياسة الحالية في الشرق الأوسط، وتتعلق بحجم الحرب الباردة وطبيعتها. لقد كان صراعًا محددًا أيديولوجيًّا للهيمنة العالمية بين قوتين عظميين مسلحتين بالأسلحة النووية. ليس هناك ما يشبه الشرق الأوسط اليوم حتى ولو من بعيد، لا سيما فيما يتعلق بأي شيء يمس أو يهدد المصالح الأمريكية. إن إيران دولة قومية متوسطة الحجم، وهي لاعب مهم في منطقتها، ولكنها ليست عاملًا عالميًّا عسكريًّا أو أيديولوجيًّا.

إن معاملة إيران باعتبارها اتحادًا سوفيتيًّا آخر قادمًا وجعلها محورًا لسياسة الولايات المتحدة، هي إهانة لمكانة الولايات المتحدة وأهميتها العالمية.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق