الجارديان| ستُثير صحوة المتمردين.. حالة اليأس في إدلب لن تُنهي إراقة الدماء


٢٦ فبراير ٢٠٢٠ - ٠١:٠٨ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

نستطيع مسامحة الأطراف الخارجية إذا شعروا بالضجر من الصراع السوري. ففي النهاية، استمر العنف لقرابة العقد والفصول الأسوأ – بالنسبة للأطراف الخارجية، على الأقل – أتت وولت: استولى تنظيم داعش على نصف البلاد تقريبًا، بالإضافة إلى ثلث العراق وأطلق شبكة إرهابية عالمية في 2014. لكن العالم الآن التقط أنفاسه وانتهى التهديد. اجتاح اللاجئون، أيضًا، أوروبا منذ بضع سنوات لكن جرى احتواء موجات التدفق.

أيضًا، لم تتحقق تحذيرات الخبراء من تجدد العنف أو التطرف وتبدو عودة سيطرة الدولة المسار الثابت للصراع برغم مشاكل الرئيس. وتخضع معظم الدولة حاليًا لسيطرة إما النظام، أو تركيا أو القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في شرق سوريا. وحتى في المنطقة الكردية، سيقر الكثيرون بأنها قد تكون مسألة وقت فقط قبل أن تستعيد دمشق السيطرة على هذه المناطق، من دون الكثير من القتال، عندما تُنهي الولايات المتحدة تواجدها هناك.

مع هذا، فإن وضوح الموقف في المنطقة الأخيرة الخاضعة لسيطرة المتمردين يستحق الانتباه المتجدد، ليس فقط لأن الحملة عديمة الشفقة التي شنها النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون تُسبب واحدةً من أسوأ الكوارث الإنسانية في حديثًا (حيثُ نزح ما يصل إلى مليون شخص بائس)؛ بل أيضًا لأن التداعيات بعد المذبحة الجماعية قد تُشكّل الأحداث لجيل آت.

إن إدلب مميزة لسببين رئيسيين: الأول متعلق بالدور الذي اكتسبته خلال الصراع السوري حيث أصبحت "مكبًا" للمقاتلين المتشددين من الأماكن الأخرى في البلاد ممن رفضوا الاستسلام للنظام، كما أنها تضم الآن الكثير من خصوم الديكتاتورية في دمشق. والسبب الثاني يعود للوراء أكثر، عندما كانت المناطق حول إدلب نقطة انطلاق للتمرد ضد والد الرئيس الحالي في السبعينيات والثمانينيات. إنها ليست مصادفة؛ فقد لعبت دورًا مماثلًا بعد 2011.

وتمتلك إدلب ما يلزم لتعزيز تمرد سري ضد النظام، تمرد من المرجح أن ينتشر سريعًا إلى المناطق الهادئة الأخرى في البلاد. في الواقع، قد تبدأ إدلب تمردًا سريًّا على مستوى البلاد بطرق لم تفعلها المعارك السابقة. إنها تتمتع بموقع جيد من الناحية الجغرافية والديموغرافية، ولا شك أن المنطقة متاخمة لمعاقل نظام بشار الأسد في المنطقة الساحلية وتستضيف الأعداد الأضخم من الأفراد اليافعين الذين حملوا السلاح أثناء الصراع.

أيضًا، بات شمال غرب سوريا خاضعًا بشكل متزايد لهيمنة القوات الجهادية الأكثر ذكاءً من داعش في التعامل مع المجتمعات التي يعملون بها، حيث اختلطوا بالمجتمعات المحلية وركزوا بصورة شبه كاملة على قتال النظام وليس على الاستيلاء على مناطق و"تطهيرها" ممن قد يشكّلون تهديدًا مستقبليًّا عليهم، مثلما فعل تنظيم داعش. هذا النهج مكّن هؤلاء الجهاديين وحلفاءهم من بناء بنية تحتية قد تساعدهم في تعزيز تمرد طويل الأمد، بينما يتجهون من الحكم إلى القتال.

من المرجح أن ترث هذه القوات العنيفة القضية الشرعية للسوريين الذين ثاروا ضد النظام الديكتاتوري في دمشق للمطالبة بحياة أفضل. إن المظالم التي دفعت السوريين في أنحاء البلاد للثورة لم تتبدد بل اشتدت. لقد دمرت آلة القتل والتعذيب التابعة للنظام عددًا لا حصر له من العائلات في كل مكان بسوريا. والاستنزاف، مثلما تُظهر الصراعات السابقة مثل الصراع في العراق، لا يجلب السلام الدائم. لذلك لا شك في أن القوات الجهادية ستحمل راية القضية المناهضة للأسد لوقت أطول وتمتص طاقة أولئك الذين لا يزالون ملتزمين بالقضية.

إن الهدف الأكثر وضوحًا الذي حققته روسيا بعد تدخلها العسكري المباشر في 2015 وأمّن النظام، كان تهدئة مناطق المتمردين عبر اتفاقيات لخفض التصعيد بوساطة من تركيا، التي كانت أكبر داعم للمعارضة السورية. وقسمت روسيا المتمردين عن طريق تحويل الجهد الحربي إلى منطقة تلو الأخرى، غير أن الاستراتيجية لم تحل المشاكل الأساسية للصراع، وإدلب هي المكان الذي تجتمع فيه الجماعات المتعصبة.

ويأتي التحول إلى التمرد عادةً بعد انتهاء القتال على الأراضي. لذلك، بمجرد أن يخسر المتمردون آخر بؤرة لهم في شمال غرب سوريا، من المرجح أن يطلقوا تمردًا سريًّا ويتصلوا بالشبكات الكامنة حاليًا في شرق ووسط وجنوب سوريا.

لقد ظهرت هذه الأنماط من قبل، واستغرق الأمر سنوات من المتمردين المهزومين في العراق ليتجمعوا مرة أخرى ويعيدوا بناء أنفسهم والجماعة الأكثر تعصبًا (داعش) ورثت المشهد وملأت الفراغ. إن التمرد ليس فكرة ثانوية للجهاديين؛ لقد ناقش الجهاديون السوريون الاستراتيجية كسيناريو مستقبلي، لكن كان عليهم منح الأولوية للقتال القائم.

هذا فضلًا عن أن النهج الروسي، باستعادة المناطق، لا يحل المشكلة العالقة للنظام في دمشق، وهي نقص القوة البشرية للسيطرة بشكل كامل على مناطق واسعة. في حالات كثيرة، "عودة" النظام للمناطق التي كانت تحت سيطرة المتمردين لا تتعدى مجرد غرز العلم السوري في البلدة. وقد يشهد التحول في القتال من الوسائل التقليدية إلى التمرد السري سقوط العديد من هذه المناطق مجددًا في أيدي المتمردين.

وفي النهاية، لا ينبغي أن تحكم الأطراف الخارجية على الصراع السوري بناءً على كيف سار الوضع في السنوات الأخيرة؛ حيث إن النظام وحلفاءه الدوليين استعادوا السيطرة على مناطق بحملات إرهابية شرسة وعديمة الشفقة، ولا يزال هناك فصل كبير قادم قد يثبت أنه ذو أهمية كبرى.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق